سيف الأمير: “برشامة”.. كوميديا تشرّح الهوس المجتمعي بذكاء.

سيف الأمير★
نادراً ما نجد عملاً كوميدياً ينجح في تحويل قضية مجتمعية مستهلكة إلى نص سينمائي ذكي يتجاوز حدود “الإيفيه” العابر ليلامس عمق الكوميديا السوداء (Black Comedy). هذا ما استطاع فيلم “برشامة” من بطولة النجم “هشام ماجد” وإخراج “خالد دياب”، تحقيقه في مجمله؛ حيث يقدم الفيلم تشريحاً سينمائياً جريئاً لمنظومة التعليم والضغط النفسي والمجتمعي المصاحب لها، متخذاً من “الغش الجماعي ” تيمة درامية تنطلق بروح تشويقية تشبه أفلام السرقات الكبرى
.(Heist Movies)
بنية النص والمفارقة الدرامية: عندما يتحوَّل الغش إلى”قضية شرف”.
ينطلق السيناريو (الذي صاغه “خالد وشيرين دياب”) من فرضية شديدة الواقعية والخطورة: هوس العائلات المصرية بمستقبل أبنائهم في الثانوية العامة، لكن الذكاء الحقيقي في النص تجسّد في عدم الاكتفاء بتقديم الطلاب كجناة، بل تحويل الآباء والأمهات إلى “العقل المدبر” لعمليات الغش.
من أبرز نقاط القوة في المعالجة الدرامية كان تطوير الكوميديا من الموقف لا اللفظ: تميَّزَ الفيلم بالاعتماد على كوميديا الموقف النابعة من تصادم الطبقات الاجتماعية واجتماعهم على مصلحة غير مشروعة، مما خلق مفارقات صارخة ومضحكة في آن واحد.
الإيقاع المتسارع(The Pacing) : نجح المخرج “خالد دياب” في الحفاظ على وتيرة لاهثة في الثلثين الأول والثاني من الفيلم، مُحاكياً أجواء التوتر والترقُّب داخل لجان الامتحانات وخارجها.
التصوير والزوايا: اِستخدمت الكاميرا عدسات ضيقة في المشاهد المغلقة لإبراز حالة الاختناق النفسي، التي تعيشها الشخصيات تحت وطأة الخوف من الفشل.
الأداء التمثيلي: نضج “هشام ماجد” وتناغم البطولة الجماعية.
يؤكد “هشام ماجد” في هذا العمل على نضجه الفني كبطل مطلق قادر على قيادة عمل يحمل أبعاداً درامية بجانب الكوميديا، لم يعتمد “ماجد” على الأداء الحركي المبالغ فيه، بل قدَّم شخصية المواطن المطحون بتعبيرات وجه صامتة، ونبرة صوت تتأرجح بين القلق والكوميديا المكتومة، وهو ما وضعه في منطقة أداء مميزة تُحسب له في مسيرته المستقلة.

أما البطولة الجماعية، فقد شكلت ظهيراً قوياً؛ حيث أضاف التناغم بين الشخصيات حيوية للمشاهد المشتركة، ونجح المخرج في توظيف الطاقات الكوميدية للممثلين الشباب والوجوه المألوفة دون أن يطغى حضور أحدهم على الآخر، مما جعل من “جروب الغش” وحدة درامية متماسكة.
الهنّات البنيوية وفخ الوعظية المباشرة:
رغم التميز الواضح للفيلم في معظم فترات عرضه، إلا أنه لم يخلُ من بعض العيوب الهيكلية، التي حدّت من وصوله إلى مرتبة “التحفة السينمائية المتكاملة”، والتي كان منها:
اِنخفاض الإيقاع في الثلث الثالث: عانى الفيلم من ترهل ملحوظ في أواخره؛ حيث تباطأت حركة السرد بعد تصاعد الأزمة الذروية، وبدا أن صناع العمل واجهوا صعوبة في إنهاء الحكايات المتشابكة للشخصيات الثانوية بشكل سلس.
المباشرة والخطاب الوعظي: سقط الفيلم في فخ المونولوجات الخطابية المباشرة في بعض المشاهد، بدلاً من ترك الرسالة الأخلاقية تتبلور بشكل طبيعي من خلال مصائر الشخصيات، لجأ النص إلى تقديم “مواعظ” لفظية ومباشرة حول الأمانة والتعليم، وهو ما أضعف القيمة الفنية للكوميديا السوداء، التي بُني عليها العمل، وجعلها تميل قليلاً نحو النمطية التلفزيونية.

سطحية بعض الشخصيات الثانوية: تم التعامل مع بعض النماذج البشرية في الفيلم كـ “كاريكاتور” ثابت لخدمة الضحك السريع فقط، دون منحها أبعاداً نفسية موظفة.
الخلاصة
يظل فيلم “برشامة” خطوة سينمائية متقدمة وجريئة في مسار الكوميديا المصرية المعاصرة، إنه فيلم يُضحكك من القلب، ولكنه يترك في فمك مرارة الواقع. نجح في تقديم نقد اجتماعي لاذع بأسلوب ترفيهي رفيع المستوى، ورغم هفوات الفصل الأخير والمباشرة الزائدة أحياناً، فإنه يستحق الاحتفاء كواحد من أذكى أفلام الموسم.
★صحفي ـ مصر.




