ميار الدبس:”جميعكم مذنبون” .. سيميولوجيا الوجع وتفكيك المأساة.

ميار وليد الدبس★
تجليات الفراغ والسينوغرافيا: ملامح المكان المشحون يُعَدُّ نص “جميعكم مذنبون” تجسيداً درامياً مؤثراً لصراع الإنسان مع عزلته القسرية وتحولاته النفسية الناتجة عن التهميش الاجتماعي؛ حيث يفتتح النص فضاءه المسرحي بصوت قعقعة الصحون في مسرح فارغ، وهي علامة صوتية توحي بغياب الآخر وتجذر الوحدة التي يعيشها بطل المسرحية “وحيد”.
تتركز البِنية الدرامية حول شخصية “وحيد” التي تتأرجح في حركاتها وسكناتها بين رغبة جامحة في الحياة ونداء الموت المتمثل في حبل الإعدام المتدلي في وسط الخشبة، والذي يتحوَّل بفعل التماهي النفسي للشخصية إلى رمز للخلاص والتحرُّر من برودة عالم يراه “وحيد” عدائياً.
يمنح التضادُّ البصري بين إضاءة المسرح المنخفضة في لحظات الواقع الموحشة، والإضاءة الساطعة، التي تُغلِّف استرجاع ذكريات “جوليا وأبنائه”، النص إيقاعاً نفسياً متوتراً يُبرِز عمق الفجوة بين إنسانية “وحيد” المفقودة وقسوته المصطنعة، التي يواجه بها العالم.
جدلية الحضور والغياب: الوجود المسرحي كفعل مقاومة.
يتجاوز حضور “وحيد” على الخشبة كونه مجرد وجود فيزيائي؛ فالمسرحية تعيد صياغة “الحضور” كفعل وجودي احتجاجي.
إن “وحيد”، رغم كونه وحيداً بالفعل، يسعى لفرض حضوره على عالم تجاهله؛ فكل حركاته (الأكل بشراهة، التخاطب مع الطيف، رقصة الموت) هي محاولات يائسة لإثبات “أنا هنا”. الحضور هنا ليس حالة ساكنة، بل هو عملية صراع؛ إذ إن البطل يدرك أن العالم يراه “إرهابياً” فقط عندما يؤذي، بينما كان حضوره كـ “إنسان محتاج” غائباً تماماً عن بصر هذا المجتمع. هذا التناقض في “طبيعة الحضور” هو ما يمنح النص ثقله الوجودي؛ حيث يصبح فعل “الظهور” على الخشبة، اِستعارة لـ “الظهور في العالم” الذي يرفض الاعتراف بالآخر إلا عبر الكارثة.
ماهية “المسرحية” كطقس استحضار متطرف: تداخل المتخيل والواقع
تتجاوز ماهية النص حدود كونه “مسرحية” لتصبح “طقساً استحضارياً”؛ فالبطل لا يمثل أمام الجمهور، بل يستحضر حياته، جوليا، وأبناءه، والقط، وحتى ذواته المتعددة كقاضٍ وضحية.
الماهية هنا تقوم على “تجسيد المتخيل”؛ فالخشبة ليست مكاناً للعرض، بل هي “الفضاء الذهني” الذي تنهار فيه الفواصل بين الحقيقة والهلوسة، وبين الماضي والحاضر.
إن التوتر بين الحبل المتدلي (علامة الموت) وبين الرغبة في الدفء (علامة الحياة) هو ما يحدد الماهية التراجيدية للنص؛ إذ إن المسرحية لا تُقَدِّم حكاية، بل تقدم “حالة احتراق” مستمرة للممثل؛ حيث يغدو الحضور على المسرح هو الفرصة الأخيرة لتفريغ وجع لم يجد له مكاناً في الواقع.
المونودراما وعبثية الوجود: عزلة الذات في مواجهة العدم
يُقدم النص نموذجاً للمونودراما التي تتجاوز حدود الحكاية الفردية لتُلامِسَ أزمة الوجود الإنساني عبر استثمار تقنيات مسرح العبث لتعرية هشاشة الواقع.
إن اختيار قالب المونودراما يفرض ضرورة فنية تُعَبِّرُ عن انغلاق الشخصية على ذاتها في فضاء مسرحي موحش يُجَسِّدُ عالمها الداخلي. يبتعد النص عن منطق الحبكة التقليدية والحلول العقلانية، ليغرق في رمزية الديكور كحبل المشنقة وخشبة العرض، التي تعمل كعلامات دائمة للحتمية والعدم؛ حيث يمارس “وحيد” طقوسه اليومية من أكل وضحك وبكاء وسط فراغ كوني يُكَرِّسُ العبثية التي تحكم مسار حياته. وتعكس لغة الشخصية وتصرفاتها، التي تجمع بين البراءة والقسوة ذلك الارتباك الوجودي، إذ يغدو العالم مكاناً غامضاً لا يمنح أي إجابات لتساؤلات الفرد.
البطل التراجيدي في معطف الإدانة: مأساة الفرد بين الضحية والجلاد
يبرز “وحيد” كبطل تراجيدي بمعناه المعاصر؛ فهو إنسان تَحَطَّمَ بفعل قوى اجتماعية واقتصادية جعلته ينظر إلى القتل كفعل وجودي وحيد قادر على منحه الشعور بالفاعلية. تكمن تراجيديا “وحيد” في وعيه بأن محاولته “إنقاذ” الآخرين عبر الموت هي في جوهرها محاولة يائسة لإثبات وجوده الذي تجاهله العالم طويلاً، مما يجعله ضحية وجلاداً في آن واحد. إن لحظة الصعود إلى الخشبة ولفّ الحبل حول الرقبة تُمَثِّلُ فعلاً تراجيدياً يتحدّى القضاء والمجتمع؛ حيث يُعلن “وحيد” حكمه الأخير بإدانة الجميع، مُحَوِّلاً نهايته إلى صرخة احتجاجية تقلب موازين العدالة، وتضع الجمهور في قفص الاتهام كشركاء في صناعة مأساة هذا البطل.
لغة الصمت والجسد
تتعدد أدوات التعبير في هذا النص لتشمل:
مركزية “الصمت”: ليس الصمت فراغاً، بل حضور كثيف؛ فالتوقف المفاجئ عن الضحك يُحَدِّدُ إيقاع المواجهة مع الجمهور.
تبادُل الأدوار: يقلب البطل الطاولة، مُحَوِّلاً الصالة إلى خشبة عرض، والجمهور إلى شخصيات مُدانة بحكم صمتها تجاه بؤس الآخرين.
الجسد كمستودع للذاكرة: الجسد هو المستند الوحيد للذاكرة؛ فكل حركة “متحسسة” للهواء تُعيد بناء عالم فقدناه، وتؤكد أن “وحيد” وعاءٌ لآلام تراكمت حتى انفجرت.
مراجعة نقدية في البِنية والرسالة: التوازن بين الفن والخطاب
يضعنا النص أمام تساؤلات حول الجدوى الفنية والحدود الإبداعية في تناول القضايا الجدلية؛ فقد وقع الكاتب في فخ التقريرية المباشرة، التي تُضعِفُ البناء العبثي للنص؛ فاستخدام لغة الشخصية في لحظات الدفاع عن النفس كبيان سياسي وتفسير الأفعال بوضوح مُفْرِط يُقَلِّصُ المِساحة الذهنية المفتوحة للتأويل.
فعلى الرغم من براعة الرموز، إلا أن جعل دوافع “وحيد” واضحة ومبررة اجتماعياً نقل الشخصية من أيقونة عبثية، تُكافِح ضد العدم إلى نموذج اجتماعي يُعاني من قسوة محيطه، وهو ما يُقَرِّبُ النص من الواقعية الاجتماعية. من جهة أخرى، يُعاني النص من تَكرار في البناء السردي؛ حيث إن اعتماد استحضار طيف الزوجة أو الحوار مع القط يعد وسيلة تقليدية مستهلكة في كتابة المونودراما. كما تبدو النهاية، التي تدين الجمهور صراحة كرسالة أخلاقية مباشرة تفرض موقفاً محدداً، بينما يظل التماهي مع فعل القتل وتصويره كفعل “خلاص” جمالي إشكالية فنية تضع تعاطف الجمهور مع البطل في منطقة محفوفة بالمخاطر الأخلاقية. وبذلك، يظل النص مُحَمَّلاً بطاقة إبداعية عالية، لكنه يقف على حافة توازن دقيق بين طرح قضية اجتماعية مُلِحة وبين الغرق في شعاراتية قد تسلب المسرحية ثراءها الفني.
★باحثة مسرحية.




