سيف الأمير:”نابليون ” في جاردن سيتي..كيف تتحول السيرة الذاتية إلى ملحمة بصرية مذهلة!

سيف الأمير★
تحت رعاية وزيرة الثقافة الدكتورة “جيهان زكي” وإشراف عام اللواء “خالد اللبان رئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة” عاد قصر سينما جاردن سيتي لتقديم عروض نادي السينما بقوة وتميز، برئاسة الأستاذة “سهام رضا بحر” وبالتعاون مع الإدارة العامة للثقافة السينمائية برئاسة الفنان “تامر عبد المنعم” والدكتورة “منى شعير” مدير عام الإدارة العامة للقصور المتخصصة، وتم عمل عروض للأفلام المختارة بعناية ودقة، مع عمل ندوة قبل عرض بعض الأفلام من خيرة النقاد الأساتذة “عصام حلمي”، و”نشوي نبيل”، تحت إشراف وتنظيم دينامو قصر الثقافة مسئول العروض والتشغيل السيد “هتان عبد العظيم” والذي نجح بإقتدار في منع ظاهرة تتاول بعض المشاهدين الجدد للأكل والمشروبات داخل قاعات العرض، مما كان ينفر الكثيرين من الاِستمرار في الحضور.
لا تسعى السينما التاريخية بالضرورة لتوثيق التاريخ، بل لإعادة اختراعه، وفي فيلم “Napoleon” الذي عرضه قصر السينما، يقدم لنا المخرج العجوز المخضرم “ريدلي سكوت” (86) عاماً درساً قاسياً وممتعاً في كيفية تحويل السيرة الذاتية إلى ملحمة بصرية تصعق الحواس، مُبرهناً أنه لا يزال سيد السينما الحركية والمشهدية بلا منازع.

عبقرية المشهد وسحر الأداء
الإخراج والملامح البصرية: سينما تلوح بالرايات
“ريدلي سكوت” لا يصنع فيلماً، بل يرسم لوحات زيتية متحركة تنبض بالدم والبارود. من معركة “تولون” إلى الجحيم الجليدي في “أوسترليتز”. يقدم “سكوت” معارك سينمائية هي الأفضل منذ عقود ، تصميم المعارك، زوايا الكاميرا المبتكرة، واستخدام الإضاءة الطبيعية، جعلتني أشعر وكأنني أستنشق دخان المدافع وسط القاعة. إنه تجسيد حي ل “جنون العظمة” البصري الذي يليق بإمبراطور.
“واكين فينيكس”: تشريح ساخر للإمبراطور يتخلى الممثل النجم “واكين فينيكس” عن الصورة النمطية للقائد الصارم، لِيُقدِّم لنا نابليون “الإنسان”؛ رجل يعاني من عُقَد النقص، متلعثم عاطفياً، وغريب الأطوار.
أداء “فينيكس” يحمل مزيجاً عبقرياً من الكوميديا السوداء والهيبة العسكرية. في عينه تجد طفلاً يبحث عن رضا والدته، وفي يده سيف يُغَيِّر خارطة العالم.
أداء يستحق الترشح للذهب بلا شك.
“فانيسا كيربي”: القلب النابض للملحمة إذا كان نابليون قد احتل أوروبا، فإن “فانيسا كيربي” (في دور جوزيفين) قد احتلت الفيلم بالكامل. الكيمياء المعقدة والمسمومة بينها وبين “فينيكس” هي المحرك الحقيقي للدراما.
“كيربي” قَدَّمت أداءً مغناطيسياً، يجمع بين الِانكسار والكبرياء، لِتُثبت أن “جوزيفين” لم تكن مجرد زوجة إمبراطور، بل كانت إمبراطوريته الخاصة، التي عجز عن ترويضها.

عناصر الإنتاج: الكمال الفني
الموسيقى التصويرية: مزيج مذهل بين الكلاسيكية والأصوات الكورالية، التي ترفع منسوب الأدرينالين.
الأزياء والديكور: بعثت فرنسا في القرن الثامن عشر والتاسع عشر من مرقدها بِدِقَّة متناهية تخطف الأنفاس.
فخ الهرولة عبر الزمن
ولكن رغم هذا البهاء، لم يخلُ الفيلم من سقطة سينمائية، تكاد تكون حتمية في هذا النوع من الأعمال: نقطة الضعف الحقيقية تكمن في الإيقاع الزمني .(Pacing) محاولة اختزال أكثر من 30 عاماً من حياة شخصية بصرية، وسياسية معقدة كـ “نابليون” في نحو ساعتين ونصف، جعلت النصف الثاني من الفيلم يبدو كأنه “قفزات سريعة” في كتاب تاريخ. تنقلنا الأحداث من نصر إلى هزيمة، ومن معركة إلى نفي، دون إعطاء بعض الأحداث المفصلية مثل (حملة روسيا) المِساحة النفسية والزمنية لتتنفس، مما قد يشعر المشاهد العادي ببعض التشتت.

الخلاصة
هو تحفة بصرية وفنية من الطراز الرفيع، وعمل سينمائي ضخم يذكرنا بأمجاد هوليوود الكلاسيكية عندما كانت تصنع أفلاماً للمستقبل. “ريدلي سكوت ” لم يُقَدِّم درساً في التاريخ، بل قَدَّم درساً في “كيفية صناعة السينما”.
فيلم تخرج منه وأنت ممتلئ بصرياً، ومبهور فكرياً، حتى وإن تمنيت لو طالت مدته لـ 4 ساعات لإنصاف السيناريو.
★صحفي ـ مصر.




