سينما

علاء عباس:فيلم «The Odyssey» .. ملحمة لم تنجُ من التركيبة النولانية.

علاء عباس

يجمع المخرج العالمي كريستوفر نولان بين عامليّن من الصعب بل يكاد يكون من المستحيل، أن يجتمعا في صانع أفلام واحد، ألا وهما أنه مخرج قادر على تحطيم إيرادات شباك التذاكر بكل فيلم يُصدره، وفي نفس الوقت لديه حِس سينمائي عالي يفتقده صناع الأفلام الذين يجذبون الجمهور العام.

تميز نولان طوال مسيرته بصنع أفلام تميل للتعويل على الأسس العلمية والبُعد عن كل ما هو ميتافيزيقي قدر الإمكان، فرأينا كيف حوّل شخصية باتمان في ثلاثيته إلى أقرب ما يمكن أن تكون للواقعية وهو ما عاد عليه بانتقادات من محبي الأعمال الأصلية.

ولذلك عندما تم الإعلان عن أنه سيقوم باقتباس الأوديسة بدأت التكهنات عن كيفية ظهور ملحمة كهذه على شاشة السينما بعيون كريستوفر نولان، وهو الذي دائمًا ما عجز عن إيجاد تركيبة تجمع الواقعية مع العناصر الميتافيزيقية، لكن كان هناك بريق أمل يكمن في فيلمه الأخير الذي اقتبس السيرة الذاتية لروبرت أوبنهايمر، والذي رأينا فيه نولان يخرج من مساحته الآمنة وينزع عنه أخيرًا عباءة المنظوريّن العلمي والعملي متجاهلًا خلق قصة غير تقليدية والتركيز مع شخصياته ومنحها بعضًا من العُمق.

مُعضلة نولان الأبدية تتجلى

الأوديسة مثلها مثل أغلب أفلام كريستوفر نولان، هناك مشاهد وتسلسلات أحداث على المستوى البصري والسمعي ستعلق بذاكرتك لأيام بعد الخروج من السينما، لكنها كالعُملة التي تحمل وجهين، في الظاهر يمكنك ملاحظة حجم الحرية الإبداعية التي يتمتع بها ولكن عندما تُدقق قليلًا للبحث عن المضمون فلن تجد الكثير منه، وهذه هي مشكلة نولان الأكبر التي استطاع أن يفك شفرتها في أوبنهايمر، لكنه عاد للغرق بها من جديد في الأوديسة.

إخراج نولان في حد ذاته لا تشوبه شائبة، فمن الناحية البصرية ستجد كل شئ تتوقعه منه على مستوى الضخامة الإنتاجية والتقنية البصرية المبهرة، لكن من ناحية الكتابة ستجد أيضًا كل شئ يمكنك توقعه من نولان في هذا الجانب من ضعف قصصي وفقر كتابي للشخصيات، وهنا تكمن مشكلة الفيلم الرئيسية، فملحمة الأوديسة التي في جوهرها ما هي إلا قصة رحلة إنسانية بحثًا عن الذات، لن يضيف إليها الإبهار البصري أي شئ إذا جردتها مما يميزها.

إنتاج فيلم يقتبس الأوديسة هو بالتأكيد ينم عن طموح كبير ورغبة في التحدي لا تتوفر إلا في مخرج بحجم كريستوفر نولان، لكن يبدو أن نولان غرق في غياهب طموحه ناسيًا أو متناسيًا جوهر الملحمة، وهو نمط دائمًا ما لازمه، فالمخرج البريطاني الذي يميل للاستعراض التقني وجد في الأوديسة منجم ذهب لإشباع رغبته تلك، لكن الأوديسة ليست مجرد قصة بها وحوش وعمالقة وآلهة، بل هي قصة في المقام الأول مبنية على البحث في هشاشة النفس البشرية، قصة عن معنى العائلة والحب وبذل التضحيات، والسعي لاكتشاف الذات.

عبقرية الموسيقى لن تلغي ركاكة السيناريو والحوار

موسيقى لودفيج جورانسون تُعد العامل الأقوى والأكثر تميزًا وتأثيرًا بالفيلم ككل، فالموسيقار والمُلحن السويدي يبدو أنه الوحيد الذي فهم تمامًا المهمة التي أُوكلت إليه وأعطانا تحفة موسيقية جديدة تُضاف لإبداعاته.

ولكن رغم جمال تلك القطع الموسيقية إلا أنها كانت غالبًا ما تُستخدم للتغطية على قصور كتابي سواء في حوار بين الشخصيات أو في السيناريو بشكل عام، أكثر من مشهد نجد أن الموسيقى بدأت في التسارع والعلوّ في انتظار حدث استثنائي أو جملة حوارية فريدة، ثم تنتهي بلا شئ، وكأن الموسيقى مُصممة كوسيلة لتجاوز المشاهد غير المهمة دون ملاحظة الجمهور.

وبالحديث عن مشكلة السيناريو، فقد برزت جليّة في عدة مواضع طوال الفيلم الذي اقترب من الثلاث ساعات، خصوصًا في أحد أكثر المشاهد تأثيرًا حينما كان أوديسيوس يروي لزوجته ما حدث في طروادة، حيث نرى الأهوال على الشاشة لكن أوديسيوس يقوم بوصفها لنا تفصيلًا وكأن المُشاهِد عاجز عن فهم ما يراه بالفعل بعينيه.

التلقيم وسيلة تنم عن ضعف بالكتابة، فكاتب السيناريو الجيد هو من يُضيف للمشهد بجمل تعلق بالأذهان بدلًا من الاكتفاء بالوصف والشرح مُتكلًا على الإبهار البصري والسمعي ليغطي عليه.

شخصيات تكاد تكون أحادية

أوديسيوس شخصيتنا الرئيسية والذي يخوض رحلة للعودة للوطن في ظاهرها وبحثًا عن ذاته في باطنها، نشعر وكأنه ينتقل من فصل لفصل وهو نفس الشخص، يرتكب الأخطاء نفسها، ويقول الكلمات نفسها، لا يتم التعمق باضطرابه الداخلي وصراع الإحساس بالذنب الذي يعيشه إلا في مشاهد قليلة وبشكل سطحي، ولسخرية القدر فتلك هي أجمل مشاهد الفيلم كما رأينا بمشهد الحوريات.

شخصية أثينا التي تُجسدها زيندايا تظهر وكأنها عنصر من عناصر الزينة، لا جمل حوارية ولا إسهام حقيقي برحلة أوديسيوس، تظهر وتختفي مع كل تسلسل وتكتفي فقط بالنظر إليه، أيضًا كاليبسو والتي جسدتها تشارليز ثيرون كانت مجرد أداة أخرى لتعطيل أوديسيوس عن مواصلة رحلته، لا تشعر بمعضلتها ولا نتعمق بأركان شخصيتها، مجرد شخصية جوفاء تم استخدامها كأداة لرواية الفيلم.

هذا دون التطرق لبينيلوبي والتي بذلت آن هاثاوي أقصى ما تستطيع لتجسيدها، وكان أدائها من الأفضل بالفيلم، لكنها بالنهاية لن تستطيع صنع المعجزات بسيناريو أظهرها وكأنها لا تفعل شئ سوى البكاء طوال الوقت، بلا دور فعلي أو تأثير حقيقي على أي شئ يجري من حولها.

حتى الشخصيات الشريرة التي تمثلت في الخاطبين بقيادة الشخصية التي جسدها روبرت باتنسون، فهي أكثر الشخصيات التي عانت من الأحادية، لا تشعر بتهديد حقيقي منهم على أبطال القصة، الأمر وصل إلى أن هذا الخط الدرامي بالكامل وقع في فخ الملل والتكرار ولم ينقذه سوى الكاريزما التي يتمتع بها الممثلين.

كريستوفر نولان له كامل الحرية في قراءة تلك الشخصيات وتحويلها على الشاشة بالطريقة التي يريدها ويراها مناسبة، ولكن المشكلة الحقيقية تكمن في تحويلهم لشخصيات ثانوية وجانبية، في حين أن تلك الشخصيات كلها محورية في القصيدة الأصلية، كلهم يملكون معضلات أخلاقية ورحلات إنسانية.

الغرق بالخيال ليس بذلك السوء

سمح نولان لنفسه باستكشاف الجانب الميتافيزيقي للقصة في تسلسلين أو ثلاثة، وبطبيعة الحال كانت أفضل لحظات الفيلم وأكثرها أيقونية.

برز ذلك في مشهد سيرسي إلهة السحر والشعوذة حينما حولت جنوده لخنازير ورأينا من خلاله أهم المحاور التي تناقشها الأوديسة وهي البحث في الذات البشرية ومعرفة أصلها، وإذا ما كان الإنسان فاسد بطبعه أم هي صفة يكتسبها بالتجربة الحياتية.

بالإضافة لمشهد الرحلة للعالم السفلي وما يحويه من العديد من الإسقاطات والمفارقات، الميل لجانب الخيال دون تحويل كل شئ لنسخة واقعية صمّاء يساعد في إبراز التجربة البصرية الاستثنائية بشكل أكبر بل ويُحسنها.

بالنهاية، فيلم الأوديسة لكريستوفر نولان هو عمل فني ممتع ومبهر ويستحق الاحترام لما بُذِل من مجهود لصنع فيلم بهذا الحجم، وهو بالتأكيد فيلم سيعيش في الذاكرة السينمائية كغيره من أفلام المخرج، لكن إذا كنت تريد الاستمتاع بقصة الأوديسة الحقيقية فعليك بقراءة قصيدة هوميروس الأصلية.


★ناقد ـ مصر.

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى