أخبار ومتابعات

د .أحمد جمال عيد:بلاغة الندبة”فريدا كاهلو” وسيرة الجسد المكسور.

د.أحمد جمال عيد
ليست المأساة دائماً حدثاً عابراً في حياة الفنان، بل قد تتحَوَّل إلى البِنية العميقة، التي يُعاد من خلالها تشكيل العالم.
ثمة فنانون رسموا الطبيعة، وآخرون رسموا المدن والوجوه، لكن هناك من اضطروا إلى رسم الألم نفسه، لا بوصفه موضوعاً خارجياً، بل باعتباره المادة الخام للوجود، وفي هذا السياق تبدو تجربة “فريدا كاهلو” واحدة من أكثر التجارب الفنية قدرة على تحويل الجرح الشخصي إلى سؤال إنساني مفتوح.
لم يكن الألم عند ” فريدا كاهلو” حادثة بيولوجية عابرة، أو قدراً صحياً مؤسفاً، لقد تَحَوَّل إلى طريقة في النظر، وإلى عدسة تَرى بها ذاتها والعالم معاً.

وما يَلفت الانتباه في أعمالها ليس حجم المعاناة، التي عاشتها بقدر ما يلفت الانتباه إصرارها على عدم إخفائها، ففي زمن اعتادت فيه الثقافة أن تتعامل مع الجسد المريض بوصفه عيباً يجب ستره، وضعت ” “فريدا كاهلو” ذلك الجسد في مركز المشهد، وجعلت من هشاشته لغة بصرية كاملة.
هنا يتجاوز الفن وظيفته التقليدية بوصفه تمثيلاً للواقع، فاللوحة لا تعود نافذة نُطِلُّ منها على العالَم، بل تصبح مساحة يُعاد فيها إنتاج العالم وَفْقَ شروط التجربة الإنسانية.


لهذا لم تكن صور ” فريدا كاهلو” الذاتية مجرد تسجيل لملامح الوجه، أو توثيقاً لسيرة شخصية، بل كانت أشبه بمحاضر وجودية تتابع تَحَوُّلات الألم داخل النفس والجسد.
كانت ترسم نفسها مراراً لا لأنها معجبة بصورتها، بل لأنها كانت تُحاوِل فهم الكائن، الذي صارت إليه.
وإذا كان كثير من الفنانين قد استخدموا الرموز لتجميل الواقع، أو الهروب منه، فإن رموز
” فريدا كاهلو” جاءت في الاتجاه المعاكس تماماً.
لقد استدعت العناصر الشعبية والطبيعية والحيوانية لا لتخفيف وطأة الجرح، بل لتمنحه شكلاً قابلاً للرؤية، فالأشواك والطيور والزهور والدماء ليست إضافات زخرفية في لوحاتها، وإنما أجزاء من قاموس بَصَرِيّ يحاول ترجمة ما تعجز اللغة العادية عن قوله.
الأكثر إثارة في تجربتها أنها لم تفصل بين الألم والهُوية، فالمعاناة عندها ليست حالة طارئة تُصيب الإنسان، ثم تُغادره، وإنما قوة تعيد تشكيل علاقته بنفسه وبمحيطه وبذاكرته الثقافية؛ لذلك ظلت متمسكة بجذورها المكسيكية في الملابس والألوان والرموز الشعبية، وكأن الهُوية كانت بالنسبة إليها وسيلة مقاومة في مواجهة التفتت الداخلي، فحين يعجز الجسد عن توفير الشعور بالثبات، يصبح الانتماء الثقافي شكلاً آخر من أشكال التوازن.

ومن هنا يمكن فهم الحضور الكثيف للمكان في أعمالها، الغرفة ليست مجرد خلفية، والسرير ليس قطعة أثاث عابرة، إنهما جزء من دراما الوجود نفسها.
المكان عند ” فريدا كاهلو” يَتَحَوَّل إلى شريك في الألم، وإلى مرآة تعكس الحالة النفسية، فالجدران والنوافذ والأبواب ليست حدوداً مِعمارية بقدر ما هي حدود بين عالَمَين: عالم الرغبة في الانطلاق، وعالم العجز الذي يفرضه الجسد؛ ولهذا تبدو كثير من لوحاتها وكأنها تدور داخل جغرافيا مغلقة، لكنها في الوقت ذاته مليئة بالتوتر والرغبة في العبور.
إن القيمة الفكرية لتجربة “فريدا كاهلو” لا تكمن في استثنائية حياتها فحسب، بل في قدرتها على تحويل الخاص إلى عام.
فالمتلقي لا يحتاج إلى أن يعيش ظروفها ذاتها كي يتفاعل مع أعمالها.
يكفي أن يكون قد عرف الخسارة، أو الوحدة، أو الانكسار، أو الخوف من المستقبل.
عند تلك النقطة يتوَقَّف الألم عن كونه تجربة فردية، ويتحَوَّل إلى لغة مشتركة بين البشر.
لهذا السبب ما زالت لوحاتها تحتفظ بحضورها بعد عقود طويلة من رحيلها. إنها لا تُقدِّم حلولاً ولا تَعِد بالخلاص، بل تمنح المعاناة شكلاً مرئياً يمكن تأمُّلُه. وفي عالم معاصر يزداد افتتاناً بالصور المثالية وبثقافة النجاح الدائم، تبدو أعمال ” فريدا كاهلو” تذكيراً نادراً بأن الإنسان لا يُقاس فقط بما يُحقِّقه، بل أيضاً بما يستطيع احتماله.
ربما لهذا لم تكن ” فريدا كاهلو” ترسم الألم بقدر ما كانت تمنحه معنى.
وبين المعنى والجرح وُلِدَت واحدة من أكثر التجارب الفنية صدقاً في القرن العشرين؛ تجربة تؤكد أن الفن الحقيقي لا يبدأ من لحظة القوة، بل من تلك اللحظة، التي يُقرُّر فيها الإنسان أن ينظر إلى هشاشته مباشرة، دون أقنعة، وأن يُحَوِّلها إلى أثر يبقى بعده.


★فنان تشكيلي ـ مصر.

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى