رأي

علاء الجابر: “نجاة الصغيرة” ..التفرد في أبهى صوره .

علاء الجابر★  

من منا لم تربطه بها ذكرى ما في أغنية ما في زمن ما؟ ومن لم يحبها، يستمع لها، يغني لها، ينسج أحداث حياته مع بعض من كلمات أغانيها!كم واحد/ واحدة مِنّا قال يوماً لحبيبته / حبيبها ، وهو في لحظة عتاب “استناني.. هي دقيقة كثير علشاني.. استنيتك عمر بحاله.. مش قادر تستنى ثواني ؟”
كم حبيبة جلست يوماً أمام حبيبها وخاطبته بكلمات نجاة” إلا إنت..كل غالي يهون عليّ إلا إنت .. واللي حبيته بحياتي هو إنت “
وكم من حبيب أرسل يوماً لحبيبته … على هاتفها ” آه لو تعرف يا حبيب قلبي .. وأنت معايا بحس بإيه … خلي شوية لبكرة يا قلبي .. الحب ده مقدرش عليه”.
كيف لشخص أن يمتلك كل تلك الكاريزما والتأثير، رغم نعومة هيئته ودقة ملامحه؟ وكيف ترتبط ذكرياتك بشخص لم تعرفه من قبل، ودون أن تلتقيه ولو لمرة واحدة.
كيف لصوت تلتقيه أذناك يوماً ما في غرفتك، صالة بيتك، بلكونتك، مكتبك، شارعك، حيك، سيارتك، عملك، رحلتك، أن يصبح رفيق ذلك المكتب، وتلك الرحلة.. ورفيقك الشخصي أيضاً.
كيف لصوت أن يترك بك كل الشجن ويُحرِّك بك كل نبضات القلب وارتعاشاته، ويداعب إحساسك ومشاعرك ويحفر في روحك شلالات من الرقة والعذوبة .
هي دون غيرها “نجاة”.. ومَنْ مِثلُ نجاة… صوت وأغاني تحمل كل منها ذكرى لمكان …زمان ..صديق ..حبيب ..مناسبة …ألم ….فرح..شغف …. اِنتظار…وسفر إلى مكان يتأرجح بين الحلم والخيال.
يربطني بصوت نجاة علاقة طويلة، وأنا مازلت في سن الطفولة.. تحديداً حين شاهدت فيلم(7 أيام في الجنة) وسمعت ضمنه ولأول مرة أغنية (دوارين) فالتصقت بأذني رقة الصوت وعذوبته، حتى أبت بحته أن تفارق ذاكرتي،  التي اختزنت تقاسيمه لاختلافها عما سمعته من قبلُ من أصوات، رغم عشقي لها.

صوت  نجاة  كما البصمة.. وحيد ومتفرد، صوت لا تستطيع أن تُشبّهه بصوت آخر حتى وإن  حمل طبقته، فلا هو شبيه بصوت “شادية” رغم تقاربهما على مستوى العذوبة، ولا هو صوت “فيروز” رغم تماثلهما على مستوى الرقة…. ولا هو صوت “عفاف راضي” رغم تماثلهما على مستوى الطبقة.

في ذلك اليوم البعيد ، ولم أكن حينها أعي من هو مؤلف الكلمات أو ملحنها، توقفت عند تلك الأغنية وعرفت فيما بعد بأنها من تأليف وتلحين “الأخوين رحباني”، تفاصيلها خالية من الفذلكة، سلاستها لا تشعرك بأنها مكتوبة لتكون أغنية ، بل لا تتعدى حوار بين فتاة وشارع بما فيه من ناس وحياة وذكريات، شرعت أعيد مقطع “يا أهل الهوى ندهتونا لحيكم..واهو جينا لحيكم أزيكم” …. ما هذا الذي سمعته؟ إنه كلام يمكن أن نقوله بكل بساطة في حياتنا اليومية، ثم سمعت ” ازيكم يا أهل الهوى يللي سبتونا في الهوى..لفينا الطرقات، وسألنا العمارات.. وعايزة في حي حبيبي أبات” كلمات قد تبدو  بسيطة، حقيقة، يستطيع أن يقولها أي شخص لكنها … ذلك السهل الممتنع الذي غالباً ما تحمله أغاني نجاة.
أن تقول كلاماً بسيطاً عادياً مثل ” وأنا رمشي ما داق النوم ..وهو عيونه تشبع نوم … روح يا نوم من عين حبيبي روح يا نوم ” كلمات تبدو  سهلة   لكنها قادرة على الوصول إلى قلبك بمنتهى البساطة.. فهناك شاعر متمكن يتلاعب بالحروف يدعى “عبد الرحمن الأبنودي” … ومَنْ مِثلُ “الأبنودي” في قدرته على تحويل البسيط إلى العبقري…لا تستعجل وانتظر..فوراء تلك الكلمات، التي تبدو بسيطة صائغُ ألحان ماهر اسمه “محمد الموجي” يستطيع أن يُحوِّل ذرات التراب إلى ذهب، ويجعلك تُردِّد تلك الكلمات مفتوناً بها ..جمل موسيقية رشيقة على مقام البياتي تبدأ بموال يحمل الشجن العربي، ويستند على التخت الشرقي ، مقاطع تتنقل بين الهدوء، الذي يصل بك إلى الوسادة ويطبطب عليك لتنام ، إلى الموسيقى السريعة الإيقاع .. خفيفة الوقع على الأذن ، ومع كل هذه التنقلات الصعبة ظل صوت “نجاة” ينافسها بكل هدوء وانسجام وتمكن و ( سلطنة).

من هنا بدأ الشغف بــ “نجاة” وصوت “نجاة” وأغاني “نجاة”.

صوتها بالنسبة لي … صوت عذب رقراق يسيل في الأذن كما نسيم لطيف لا تكاد تعرف كيف اخترق أذنيك ، لكنك تشعر بحلاوته وعذوبته، صوت يغير مزاجك مهما كنت حزيناً، متوتراً… قلقاً .
صوت “نجاة” صوت يُعيد الهدوء والتوازن إلى نفسك حتى يُشعرك كأن هناك مصفاة مرَّت بداخلك وأنت تسمع أغنيتها، فالتقطت كل الشوائب والترسبات، التي مرَّت عليك في يومك. 
صوت يُعيد لك بهجتك، ابتسامتك، يُفجِّر فيك طاقة للعمل، الحب .. النشاط…. والفرح.
هناك من يقيس كل شيء في الحياة بــ (مازورة) تحت بند العلم والمعرفة والخبرة والشهادة، فيرى أن صوت “نجاة” يسير على منوال واحد ولا يتنقل بين الطبقات ضمن مساحة محدودة لا تصلح إلا للميكرفون!  وقد تكون بعض تلك المعلومات الموسيقية صحيحة، لكن قيمة الصوت الفني بالنسبة لي، تكمن في الفارق، الذي يصنعه في يومك، وهذا ما يفعله صوت “نجاة”، وليس مطلوباً منك كمستمع أن تُدخله في اختبار لقياس شدة الصوت وقوته ومقاماته ومساحته، إلا إن كنت تنوي كمستمع أن تُعيِّنه مدرساً للأصوات في معهدك الموسيقي!
على الرغم من أنني لا أستسيغ بعض الأصوات القوية، التي تستطيع أن تصدح دون ميكرفون، ولا يمكنني الاندماج معها– والأمثلة عديدة على ذلك دون الحاجة لذكرها– إلا أنني أؤمن بتنوع الذائقة الموسيقية، وضرورة عدم المصادرة على ذائقة الآخرين كما يفعل البعض ممن يعتمدون في تقييمهم للفنان على قدرته على أن يصدح دون ميكرفون وكأننا مقبلون على “معركة غنائية” الرابح فيها الأعلى صوتاً! بينما يأتي صوت “نجاة” بكل (روقان) وهدوء كانسيابية الماء، فيشعرك بأنها تخاطبك باسمك، وتغني لك وحدك، وحدك حرفياً.
حين تستمع لأغنية “أنا بعشق البحر ” من كلمات المبدع “عبد الرحيم منصور”،  والأصيل الحداثي “هاني شنودة”، يبدو صوتها وكأنه يُحلِّق في الفضاء، كطائر مدثر بالألوان الزاهية، تراه وتسمعه دون أن تستطيع  لمسه.

محمد الموجي


تخرج الكلمات منها لا كأغنية بل كأنها (توشوش) لك بأذنيك، وتهدهدك لتنام، وتمسح على صدغيك بريش النعام! نفس الحس الآمن يتسرب إليك حين تستمتع لأغنية “ايه هو ده” لمهندس الكلمات “مرسي جميل عزيز”، وأستاذ النغم “محمد الموجي”، بدءاً باللعبة الذكية، التي بدأ فيها “الموجي” تقاسيمه، وكأنه يداعب طفلاً، ومِنْ ثَمَّ يتدفَّق صوت الكمنجات بطريقة مختلفة تماماً عن الاستهلال، يأتي هنا همس “نجاة” وهي ترسم اللحن بصوتها، بتقطيعات لحنية عجيبة من “الموجي”  لا تتعدى أي منها كلمتين، وعلى الرغم من أن المقطع الثاني يتشابه مع المقطع الأول في الوزن إلا أن ملحناً مثل “الموجي” لا يمكن أن يُعيد نفس اللحن الاستهلالي في الجملة ذاتها في الشطر الثاني من الأغنية، وبينما تُعَدُّ هذه الأغنية من الأغاني التي تسمى بــ “الخفيفة” نسبياً ورغم  أنها مشحونة بالنقلات المميزة، بالإضافة للموال / الكلام ، الأقرب للإلقاء الشعري ، وفيها تعرف مدى عذوبة صوت “نجاة” وقدرتها على النفَس الطويل، والتلاعب بالعُرب بشكل رائع، على عكس ما يقال عنها.

نفس الأمر ينطبق على أغنية (عيون القلب)، التي تجمع العبقريَيْن “الأبنودي والموجي” ، ولا تكذبي “كامل الشناوي / محمد عبد الوهاب”  اللتان أبدعت فيهما “نجاة” في التنقل بين القرار والجواب بكل سلاسة، دون أن تُشعِرك بأنها تعاني أو تصل إلى حد الصراخ المزعج، الذي يعتمده بعض المطربين (المطربات تحديداً) اِعتقاداً منهن أن ذلك يدل على قوة ومتانة الصوت مع أنه يزعج الإذن ويصل بالمطرب أحياناً إلى النشاز، الا أن “نجاة” لم تكن أبداً – سواء في تلك الأغنيات الصعبة أوغيرها- تستعرض قدرات حنجرتها، أو تُحاول أن تلفت نظر المستمع إلى أنها قادرة على جذبه بالصوت العالي، أو جواب الجواب بحثاً عن المشجعين، أو حصد الاعجاب بقدر ما تسعى أن تهمس لك، تُمتعك .. تشجيك… تُدندن لك .. بل أحياناً تشعر أن “نجاة” تُغني لنفسها دون التفكير بشيء آخر!
وحين تذهب “نجاة” إلى اللون الشعبي كما فعلت في (أما براوة) لـ”مرسي جميل عزيز” ، والملحن الذي عرف كيف يتعامل مع “نجاة” الموسيقار “محمد الموجي”، هنا نجح “مرسي” في خلق توليفية كلامية تشبه الفلكلور، الذي يصنع متتالية درامية في الحكايات الشعبية ، فجاء “الموجي” ليتفنن في صناعة لحن تشعر أنه بسيط، يُمكنك أن تنجزه لكنك حين تدقق في تفاصيله تشعر بصعوبته، في هذه الأغنية لا تستخدم “نجاة” الإيماءات الشعبية، أو التلوين الأقرب لكلام الحواري كما يفعل بعض المطربين؛  ليقترب من المزاج الشعبي ، بل تصنع من الأغنية مزيجاً سكرياً من قطعة شعبية مُزينة بحلوى ارستقراطية ، ودلع إنثوي بعيداً عن الإسفاف والإيماءات الصوتية المبتذلة .
“نجاة” التي برعت في الأغاني الخفيفة مثل (سمارة)  ، (أما غريبة) ، (ع اليادي) ، (بان عليَّ حبه)،(حبيبي لولا السهر) ، (قلبك راح فين) ، (فاكرة) ، (وف وسط الطريق) ، (عطشان يا اسمراني محبة) ، (إنت تقول وتمشي) وكثير غيرها، اِستطاعت أيضاً أن تُثبِت علو كعبها وقدرتها على أغاني النفَس الطويل، والتي تمتزج فيها الدراما بالكلمات المغناة ، ولا شك بأن كلاً مِنّا يحمل في ذاكرته لها من هذا اللون الكثير، خذ على سبيل المثال لا الحصر ” (ساكن قصادي)، (اِستناني) .
ولم تكتفي نجاة بكل تلك النجاحات، التي صنعت لها عالماً متفرداً في المقدمة بإغنياتها العاطفية، بل أثبتت بأنها قادرة وبشكل كبير على المنافسة في تقديم الأغنية الدينية، ولا أعتقد أن أي متذوق  لهذا النوع من الأغاني ينسى رائعتها (يا رايحين أرض الكرامة) لـ “عبد الفتاح مصطفى” وألحان “الموجي”، وأغنية (إلهي ما أعظمك) لـ”حسين السيد” والموسيقار المتفرد “رياض السنباطي” ، هاتين الأغنيتين تكفيان “نجاة” وتشفعان لها بإذن الله كدعاء محبة مستمر يتردَّد في كل موسم حج ، كما في( يا رايحين أرض الكرامة )، أو في كل خشوع، أو تضرُّع لله عز وجل في (إلهي ما أعظمك ) تلك الأغنية، التي صاغها “السنباطي” بماء الذهب حتى اقترب فيها من أجواء التراتيل، التي يقشعر جسمك خشوعاً وخوفا ومحبة لله عز وجل حينما تسمعها بكلماتها الرائعة، ولحنها الدافئ القوي وصوت “نجاة”  الذي يتنقل بكل خشوع وخضوع؛ ليطبطب على قلبك، ويحفر كل كلمة فيه، وخاصة أصوات  الكورس، التي أبدع “السنباطي” في تغليف الأغنية بها بهارموني عجيب .

رياض السنباطي

ورغم قلة أغاني “نجاة الصغيرة” الوطنية إلا أننا لا يمكن أن ننسى وقفتها الشامخة ضمن كبار المطربين في أوبريت (وطني حبيبي) لـ “أحمد شفيق كامل” ومن لحن “محمد عبد الوهاب”، نتذكرها وهي تُردِّد بكل قوة وعذوبة ورقة “وطني يا جنة الناس حاسدينها .. على أمجادها وعلى مفاتنها”، إلى أن تُردِّد بكل حب للوطن ” ياللي علاك في قلوبنا عبادة .. يا وطن كل حياته سيادة .. وطن العزة الوطن العربي”  قد تكون الكلمات مباشرة، لكنها رُسِّخت في أذهاننا جميعاً بحيث لا يمكن أن تجد عربياً لا يتذكر هذا الأوبريت.

محمد حمزة

بالطبع لا يمكن لأحد منا أن ينسى تعاون “نجاة” مع كبار المؤلفين والملحنين ، فلا يمكن أن نمُرَّ مرور الكرام ولا نتوقف مع إبداعات المختلف والملحن الملهم “بليغ حمدي” الذي قدَّم لـ “نجاة” الكثير من روائعها، بخاصة تلك التي ارتبط بها بمهندس الكلمة الجميل “محمد حمزة” مثل ( الطير المسافر ) بما تحمله من شجن ودفء، و ( ليلة م الليالي ) بكل حلاوتها ، و ( نسي ) بكل عذوبتها ، وماقدَّمه “بليغ” من ألحان أخرى جميلة مع “نجاة” مثل (أنا بستناك) ، ( مش هاين أودعك )، ( ميصعبش عليك غالي)، ( حبك حياتي )، ساهم في التاريخ الطويل، الذي عايشته “نجاة” بكل الحب والوفاء للكلمة واللحن ، وبقيت متفردة فيه في موقع لا يشابهها فيه مطرب، ولا تنافسها فيها مطربة.

مطربتنا الغالية “نجاة”، وأنتِ تحتفلين بعيد ميلادك هذه الأيام.. لا نملك إلا أن نقول لك.. كل سنة وأنتِ طيبة وجميلة وملهمة  في حياتنا، بما تركتِه من تاريخ غنائي حافل بكل ما هو جميل ومُعبِّر ومؤثر.
“نجاة  الصغيرة” اسماً، الكبيرة عطاءً.. كل الحب لكِ.. وكل التمنيات بأيام حلوة عذبة كما جعلتِ أيامنا حلوة.


★رئيس التحرير.

 

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى