رواية

شيماء مصطفى: “صنع في العراق”لميسلون فاخر… صك انتماء أم صك للهروب ؟

شيماء مصطفى
توظيف المباشرة  فيما يتعلق بالحديث عن الهوية، والانطلاق من تصور ليو هوك للعنوان باعتباره علامة سيميائية في رواية  “صنع في العراق” للكاتبة العراقية ميسلون فاخر يجعلنا نوقن بأن الهوية ليست معطىً ثابتًا، بل هي نتاج المكان والتاريخ والتحولات التي عاشتها الشخوص، فضلًا عن طرح العديد من التساؤلات حول أثر الحروب والواقع الاجتماعي في تشكيل الإنسان ووعيه، ومن ثم تحول العنوان إلى مدخل دفع القارىء إلى النبش في جذوره للوقوف أمام سؤال لا يمكن الفرار دون معرفة إجابته ، هل هذا حقًا ما صنع في العراق؟

” العابرين في صحراء الوطن لا يمكنهم التقاط ما يتساقط من أعمارهم ، يحملون أرواحهم وأعمارهم ويتناوبون على كتابة قصة حب من طرف واحد”

تدور أحداث رواية “صنع في العراق” الصادرة عن منشورات الجمل 2026 للكاتبة العراقية ميسلون فاخر حول حكايات أربعة أجيال من النساء يتخذن من أحلامن دربًا للمقاومة؛ إذ يتحول الحلم لديهن إلى رمزية لحفظ الذاكرة الجماعية ونقلها بين الأجيال، بما يحول دون محو الهوية في ظل الحروب وتبدل الخرائط السياسية .
فقد جعلت الكاتبة من تعاقب الشخصيات والأجيال وسيلة لرصد التحولات التاريخية والاجتماعية، وكشفت من خلالهن عن انتقال الذاكرة الجمعية من جيل إلى آخر، بما يضمن استمرار الهوية رغم ما يطرأ على المكان من حروب وتغيرات.

في كتاب ” الأطر الاجتماعية للذاكرة” أكد موريس هالبفاكس على أن الذاكرة جماعية وتُبنى داخل الأطر الاجتماعية، فهي لا تُحفظ داخل الفرد بمعزل عن الآخرين، بل تتشكل ويعاد تدويرها داخل الأطر الاجتماعية المختلفة سواءًا كانت الأسرة ، أو الطبقة الاجتماعية، أوحتى الوطن.
وقد تجلى ذلك عند صبرية /سابرينا ، فاطمة ،نور، رنا.
” وقفت لا زمن يواسيها، ولا فكرة تستقر برأسها، تلتقط الوجوه بعينين مثقلتين، مطار أيرلندا يضج بالحكايات، وهي تمشي وسطه كظل بلا وجهة، …..تمنح كل غريب قصة، وتسرق من كل عبور شظية ذاكرة”
كما هيمن الوصف على الأحداث والسرد  لا سيما في الأجزاء التي كُتبت لكشف الأبعاد النفسية للشخصيات فعلى الرغم من أن السارد لا يتصدر الأحداث بوصفه بطلًا للرواية، فإن خطابه السردي يوحي بأنه يحمل أثر التجربة التي يرويها، فإلحاحه على التفاصيل، وكثافة الشحنة الانفعالية في اللغة، جعلت حضوره يتجاوز موقع الراوي المحايد إلى موقع الشاهد الذي لا يزال مثقلًا بذاكرة ما عاشه أو اقترب منه، وكأنه يروي من داخل التجربة لا من خارجها، وقد كشف العمل مفارقة الذاكرة ، فما حاولت الشخصيات محوه من ذكريات مؤلمة أصبح جزءًا لا يمكن التخلص منه.

” لديها الذاكرة التي طالما خبأتها تحت دثارها، تمنت أن تتحاشى فخ الوقوع في الماضي ، ودت لو أنها تركتها على مقعدها في الطائرة “.

لا تُرجع الرواية من خلال ما حدث مع سابرينا إثر تعرضها للاختطاف والترهيب أسباب الخراب إلى العدوان الخارجي فحسب، بل توسع دائرة المسؤولية السردية لتشمل قوى الداخل،لتصبح المأساة نتاج تفاعل بين تهديدات الخارج وتصدع الداخل.

“اسمعي يا بنت الحرام أنت والذي أرسلك إلى ساحة الاحتجاج إما أن يفدوك بمبلغ سأحدده، أو كل هؤلاء الرجال سيتناوبون عليك…” ص 58

ومن خلال الحادث نفسه لجأت الكاتبة إلى إعادة تمثيل الموقف ذاته في زمن مغاير، فاعتمدت على التكرار السردي والتوازي كأداة للمقارنة بين موقف نور وفاطمة لتكشف من خلالهما عن تباين الاستجابات الإنسانية؛ فمثلت فاطمة الاستسلام للواقع، واتخذت نور موقفًا مقاومًا، للدلالة على أن الحدث الواحد لا ينتج أثرًا واحدًا، بل تتحدد دلالته وفقًا لوعي الفرد وخبرته.

“قررت نور أن تذهب إلى ساحات الاحتجاج………لم ترغب أن تكون صورة مشابهة لفاطمة باستسلامها رغم حبها لها، لكنها تشعر بكآبة شديدة حين تنظر إليها” ص 60
ولم تكن هذه المرة الوحيدة التي لجأت إليها الكاتبة لإبراز الفروق بين أبناء الأسرة الواحدة ، فقد  أوضحت من خلال صراع الذاكرة والنسيان فيما يخص نور وسبرينا ذلك، فنور الأم اختارت النسيان والقطيعة مع الوطن والبقاء في السويد حمايةً لنفسها فتعاملت مع الماضي بابتعاد واختارت النسيان، بينما  سعت الابنة إلى استعادة الجذور رغم أنها لم تعشها وأصرت على العودة وتشبثت برأيها.

” لوحت سابرينا بيدها وهي تصعد على مدرج الطائرة وداعًا كبيرًا، لكل ما فكرت به وطنًا وأهلًا، وكانت تلويحتها هي الوداع الأخير لصوفي رغم أنهما قالا لبعضهما أنهما على سيلتقيان في بلد لا سلطة لأبيهما عليه”.

الكاتبة العراقية ميسلون فاخر

سعت الكاتبة إلى الاستناد على لغة ذات طابع فصيح ومكثف، إلا أن هذا المسعى أفضى أحيانًا إلى تراكيب غلب عليها التكلف والغلو مما أفقد اللغة شيئًا من سلاستها، فجاءت العناية بالمفردة على حساب سلامة البناء الأسلوبي في بعض المواضع منها:
تكرار الجملة ” تلتقط الوجوه بعينين مثقلتين” في فقرة واحدة ص 39.
وكذلك حملت جملة ” قرعت الباب بهدوء” ص 8 تنافرًا دلاليًّا بين الفعل والحال المرافقة له فاقتران الفعل ” قرع ” مع الحال شبه الجملة ” بهدوء” اقتران غير موفق؛ لأن القرع يحدث ضجيجًا واضحًا .

ختامًا العمل إضافة جديدة إلى مشروع ميسلون فاخر الذي تؤكد من خلاله على رؤيتها الواقعية للوطن عبر استيعاب تناقضاته والاعتراف بجراحه، قبل التغني بأمجاده.


★سكرتيرة التحرير.

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى