سينما

سيف الأمير: “هرتلة في القاهرة” لفرح الهاشم..سيمفونية التخفّف من السردية الكلاسيكية والتماهي الحسي مع فوضى المدينة الخلّاقة.

سيف الأمير

بينما يميل تاريخ السينما التسجيلية الروائية التي تناولت القاهرة إلى الوقوع في فخّين؛ إما الاستشراق البصري الفلكلوري أو الإغراق في التوثيق السياسي الجاف، تأتي المخرجة فرح الهاشم في فيلمها “هرتلة في القاهرة” لتقدم وثيقة بصرية مغايرة تمامًا. الفيلم ليس مجرد رصد لمدينة، بل هو حالة “تمازج سيكولوجي وعاطفي” بين ذات المخرجة وشوارع العاصمة، حيث تصبح “الهرتلة” هنا ليست عبثًا، بل أداة تفكيكية واعية، وسينما حرة تتخفف من قيود الحكاية التقليدية لتصنع شاعريتها وجاذبيتها الخاصة.

شاعرية العشوائية المخططة: الرؤية الإخراجية والتدفق الطاقي.

تعرفتُ على فرح الهاشم منذ حوالي سنتين من خلال الواقع الافتراضي. جذبتني كتاباتها العذبة، ونصوصها التي تشبه اعترافات فتاة باحثة عن المغزي والبوصلة وألوان الحياة، وراقتني اختياراتها للأغاني على صفحات “السوشيال ميديا” قبل أن أعرف أنها صحفية بالأساس. وأسعدني الحظ بمشاهدة فيلمها مؤخراً؛ وكم أستمتع بذائقتها الخاصة والمميزة في منشوراتها وأعمالها. فرغم شعوري بأن نظام حياتها يستهلك انتباهها وطاقتها، إلا أنه تظل داخل روحها تلك الواحة العذراء المحتفظة بخصوصيتها؛ روح أسيرة لغيبوبة ضوضاء الحياة، أشبه بالأميرة “سنهوايت” بإنتظار قبلة الحياة لتستيقظ من غيبوبة الساحرة والتفاحة المسمومة.

يتجلى ذكاء فرح الهاشم في هذا العمل من خلال قدرتها الفائقة كمؤلفة ومخرجة على تحويل “الهامشي”، المتروك، والمهمل إلى متن بصري مدهش. الكاميرا هنا لا تقف موقف المتفرج المحايد، بل تتحرك ككائن حي يتنفس غبار القاهرة، يشعر بزحامها، وينصت لثرثرة مقاهيها. تتبنى الهاشم خطًا إخراجيًا يدمج بين الـ (Cinema Verité) والسينما التجريبية، حيث تبدو اللقطات للوهلة الأولى وكأنها التُقطت عفوًا، لكن التدقيق فيها يكشف عن عين سينمائية تدرك تماماً زوايا الظل والنور، وتعرف كيف تصطاد اللحظة الإنسانية الهاربة وسط صخب المدينة.

تمكنت المخرجة من كسر الجدار الرابع بذكاء، جاعلةً من عملية “صناعة الفيلم” جزءًا من بنية الفيلم نفسه. هذا الميتاسينما (Meta-cinema)منح العمل مصداقية تعبيرية عالية، حيث لم نعد أمام مخرج يملي شروطه على الواقع، بل أمام فنانة تورطت عاطفيًا وبصريًا وبكامل جوارحها مع شخوصها وفضائها المكاني.

المونتاج كإيقاع لقلب المدينة: البنية الصوتية والبصرية

إذا كان التأليف والإخراج هما روح الفيلم، فإن المونتاج في “هرتلة في القاهرة” هو جهازه العصبي ونبضه الحسي. نجح الفيلم في خلق إيقاع “بوليفوني” يتطابق سيكولوجيًا مع طبيعة القاهرة. الانتقالات بين اللقطات المقربة الدافئة(Close-ups) لوجوه العابرين، واللقطات الواسعة التي تظهر اتساع الفوضى العمرانية، جاءت لتعبر عن التناقض الصارخ الذي تعيشه هذه المدينة يوميًا؛ وهو ذاته التناقض النفسي الكامن في عقل امرأة مخرجة تبحث عن الاستقرار والوطن وسط حفيف خواء الاغتراب العاطفي.

صوتيات الفيلم كُتبت بعناية تفوق الوصف؛ لم تكن الموسيقى التصويرية مجرد خلفية ميلودرامية، بل وظفت المخرجة “أصوات المدينة الحية” -من كالاكسات السيارات، إلى همس الباعة، وصولًا إلى الصمت المفاجئ في الحواري الضيقة- كعنصر درامي فاعل يوازي الصورة في قوته وتأثيره. هذا المزج الصوتي جعل المتلقي لا يشاهد الفيلم فحسب، بل “يستمع” إلى نبض القاهرة الإنساني الحي، ويتحسس دفء أنوثتها الكامنة خلف الإطار وأوراق التاروت.

رغم الإحكام البصري والشعري الفائق للفيلم، إلا أنه لا بد أن نشير إلى أن الاندفاع العاطفي نحو “التجريب” تسبب في بعض المقاطع بالوقوع في شَرك “الاستطراد الذاتي” الزائد عن الحاجة. في بعض التتابعات قرب منتصف الفيلم، كاد التحرر الكامل من الخط السردي أن يحول العمل إلى قصائد بصرية منفصلة، ترتبك أمامها القواعد الأكاديمية الصارمة؛ مما قد يربك المتلقي غير المعتاد على هذا النمط من السينما الروائية التسجيلية الطليعية. كأن فرح المخرجة أرادت هنا أن تحتمي بالصمت والهروب من اكتمال المشهد، خوفاً من مواجهة النهاية الحتمية للكادر.. لكنها سرعان ما تستعيد إيقاعها بقوة لتفرض سطوتها الفنية في الربع الأخير.

الخلاصة

“هرتلة في القاهرة” ليس فيلمًا تشاهده لتخرج منه بمعلومة توثيقية جافة، بل هو تجربة بصرية، وجدانية، وطاقية تُعاش بكل الحواس. فرح الهاشم قدمت درساً في كيفية تحويل “الضوضاء” إلى سيمفونية، و”الهرتلة” إلى فلسفة بصرية وروحية. إنه عمل شجاع، طازج، يعكس روح امرأة مفعمة بالشغف، لم تتخل نضارة وعذوبة حِسها، تتحرك بأعين مدهوشة لطفلة فضولية تنظر إلى العالم بروحانية فطرية.

تنتقل فرح من مشهد لمشهد بأجنحة فراشة وقلب عاشقة تعلم تماماً كيف يكون العشق، حين يجد فرصة لأن يتنفس ويحيا بقُبلة حياة.. فكان فيلمها قُبلة على جبين القاهرة من عاشقة اختلست فرصة للعشق والصلاة، لتثبت أن القصص تُقاس بما تتركه في عمق الروح من أثر عابر للزمن والمسافات. وفرح هنا، في هذا الفيلم، أثبتت أنها تسير بخطي ثابتة وواعدة علي دروب عمالقة الإخراج بأعين نصف مفتوحة، بإنتظار.. طَرقات الحياة.


★صحفي ـ مصر.

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى