إذاعة وتليفزيون

مريم الخشتي: هندسة الستر وانكشاف المعنى.. قراءة سيميائية في مسلسل “عوالم خفية”

مريم سليمان الخشتي★

المقدمة وإشكالية التلقي
حين تُقارب الأعمال الدرامية التي تتوسل بالتشويق السياسي إطاراً لها، غالباً ما تسقط الأقلام النقدية في فخ القراءة التقريرية الأفقية؛ فتختزل النص في كونه وثيقة إدانة للفساد، أو تكرر المقولات المستهلكة عن جرأة الطرح الصحفي وهيمنة النجم الأوحد، غير أن النقد الأدبي الرصين، يقتضي تجاوز هذه السطحيات المباشرة نحو قاع التكوين الدلالي والجماليات التأويلية للنص.
إن مسلسل “عوالم خفية”، بعيداً عن صخب المافيا وشبكات المصالح التقليدية، يمكن مقاربته بوصفه متناً سيميائياً يشتغل على آليات تآكل الذاكرة وبلاغة التدوين في مواجهة طغيان المرئي الرقمي؛ ومن ثَمَّ، يُمكن وصف هذه الثنائية بما نصطلح عليه هنا بـ (أنطولوجيا الورق) ، ويُقصد بها حضور الوثيقة بوصفها كياناً مادياً يحمل شرعية الذاكرة، لا مجرد وسيط عابر لنقل المعلومات.

الإطار النظري والمنهجي:
تستند هذه القراءة النقدية إلى آليات السيميائيات الثقافية وتأويل العلامات البصرية واللسانية؛ إذ تفترض هذه المقاربة وفق تصورات “أمبرتو إيكو” أن العلامات داخل النص البصري لا تحمل معنى أُحادياً ثابتاً، وإنما تظل قابلة لإنتاج دلالات متعددة بحسب أفق القراءة وتفاعل المتلقي مع بنية الخطاب.
كما تستفيد الدراسة مركزياً من مفهوم “حمى الأرشيف” (Archive Fever) عند “جاك دريدا” لفك شفرات الصراع بين الأثر المادي للذاكرة وسيولة المحو الرقمي.
فضلاً عن ذلك، تتقاطع الدراسة مع مقاربة التطهير الوجودي في بُعدها الدرامي، لتأسيس قراءة تأويلية لا تعتمد على تتبُّع النوايا الإنتاجية للصُنَّاع، بل تنطلق من باطن النص وبنيته البصرية والخطابية. ولا تدَّعي هذه القراءة احتكار دلالة النص، وإنما تقدِّم أحد المسارات التأويلية الممكنة والمبررة نصياً.
أولاً: أنطولوجيا الورق مقابل سيولة النسيان:
يتكئ البناء الدرامي للمسلسل على رمزية مركزية تتمثَّل في الوثائق المسجلة والرواية المنهوبة، التي تحوي أسراراً تُهدِّد المنظومات الفاسدة، وهنا، لا يقف الصراع عند حدود المواجهة
البوليسية المعتادة بين صحفي وخصوم، بل يُوحي النص – على نحو يقترب من أطروحات “جاك دريدا” في كتابه “حمى الأرشيف”- بصراع أنطولوجي أعمق بين الأثر المادي وسيولة الوسيط الرقمي.
يتضح هذا جلياً في المشاهد المتكررة، التي تظهر فيها المكتوبات والأوراق المخفية بعناية في مقابل شاشات الحواسيب والأجهزة الرقمية، التي تُدار منها شبكات المحو والفساد المؤسسي. فشخصية الصحفي “هلال كامل” هنا لا تُمثِّل مجرد باحث عن سبق صحفي، بل تُقرأ بوصفه حارساً للأرشيف المادي؛ إنه الكاتب، الذي يتماهى مع مادية الحبر والورق كوعاء أخلاقي للذاكرة، معترضاً على عالَم تتسارع فيه البيانات، وتتلاشى فيه الحقائق بلا أثر ملموس.
ثانياً: سيميائية الفقد ومعنى التطهير الوجودي:
لا يمكن التعامل مع خط “فقد الابن” في البناء النفسي للشخصية بوصفه مجردَ وسيلة حبكية تقليدية لتحفيز البطل على الانتقام. بل يُقدِّم النص -من خلال تداعيات هذا الفقد، التي تتردد أصداؤها في خلوات البطل وحواراته الداخلية عبر الحلقات- مَجازاً أعمق لضياع المعنى في خريف العمر.
تتوازي رحلة البحث عن قَتَلَة الابن مع رحلة البحث
عن الحقيقة الكبرى؛ وكأن المنظومة التي تغتال الأبناء هي ذاتها، التي تجرف معالم الاستذكار والعدالة معاً. هذا الفقد العضوي يقود البطل نحو تطهير نفسي تدريجي، على نحو يقترب من مفهوم “الكاثارسيس” عند “أرسطو”؛ حيث يتجرَّد البطل من المكاسب الشخصية؛ ليواجه عبثية الزمن، محاولاً انتزاع اعتراف أخلاقي أخير قبل أن تضيع تفاصيل الشهادة تماماً.
ثالثاً: أيقونية الشيخوخة وانكشاف المنظومة
على المستوى البصري والأدائي، يمكن قراءة حضور “عادل إمام” في العمل باعتباره دلالة أعمق تتجاوز أفق “النجومية المطلقة”. وبغض النظر عن النوايا الإنتاجية للصُنَّاع، يمكن أن تُقرأ الشيخوخة بوصفها عنصراً دلالياً داخل الصورة البصرية، سواء كانت مقصودة، أو نتجت عن الحضور الطبيعي للممثل ذاته؛ حيث وظّف النص ملامح التقدُّم في العمر، وبطء الحركة، والنظرات المُحَمَّلة بخيبة الأمل، لتشكل مرآة تعكس أفول منظومة فكرية كاملة، وليس مجرد أزمة فردية.
حين ترصد الكاميرا -كما يتجلى في لقطات المواجهة الصامتة والمتكررة داخل مكتب الصحفي أو في أروقة المحاكم- تجاعيد الوجه ونبرات الصوت المبحوحة، فإنها لا تُقدِّم مجرد بطل يُواجِه الأشرار، بل ترصد زمناً كاملاً يترنح ويتهاوى.
هذا الأداء البصري يمنح المشاهد إحساساً بأن الاستشراف والحقيقة بَاتَا أشبه بمحاولة إيقاف انهيار متسارع لكتلة من القيم المتآكلة.
رابعاً: جغرافية الوعي وصراع الأرشيفَيْن:
في تتبُّعنا لبنية الصراع الميداني، يتكشَّف بُعدٌ سيميائي يَتمثَّل في تقابل السجلات: الوثيقة الأصلية للضحية في مقابل السجلات المزيفة للفاسدين وأرشيف التزوير المؤسسي. وكلا الطرفين يكتب أوراقه بدماء وتضحيات، لكن أحدهما يملك آلة التزييف المعاصرة.
ولا يمكن فصل هذا الصراع عن “جغرافية المكان” في المطاردات؛ فالشوارع المزدحمة والأرصفة المكسورة، التي يركض فيها البطل (كما تبدو في مطاردات الحلقات الوسطى عبر أحياء المدينة القديمة) لا تُمثِّل خلفيات محايدة، بل هي “مدينة-سجل” شُيدت فوق قبور الذاكرة. وحين يتعثَّر الجسد العجوز في أزقتها، فإنه يتعثَّر في فجوة تركها زمن المحو. هنا تتحوَّل مطاردات الإيقاع السريع -في بنيتها التجارية الظاهرة- إلى شعيرات دلالية تعكس “العبث الحركي”، واستعارة بصرية تُعبِّر عن محدودية القدرة الإنسانية في مواجهة شبكة تُدار بالتحكُّم عن بُعْد.

خاتمة تحليلية وخلاصات نقدية:
وخلاصة القول، إن مسلسل “عوالم خفية”، حين يُقشر عنه غلافه التجاري والإثاري، يترك لنا أثراً دلالياً قابلاً للقراءة كمرثية للكلمة المكتوبة في مواجهة طغيان الاستهلاك الرقمي، فالنص يفتح الباب أمام أسئلة كبرى حول الذاكرة والنسيان، ليثبت أن النقد الحقيقي -وفق تصور المناهج التأويلية الحديثة- لا ينحصر في تتبُّع النوايا، بل في القبض على تلك الشظايا الفلسفية المبعثرة في نسيج الصورة والحكاية.


★ناقدة ـ الكويت

 

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى