سيف الأمير: كيف أعاد “The Mystery of Marilyn Monroe” صياغة الأسطورة سينمائياً؟

سيف الأمير★
عندما طرحت منصة “نتفليكس” وثائقي “The Mystery of Marilyn Monroe: The Unheard Tapes” للمخرجة “إيما كوبر”، وجدنا أنفسنا أمام معالجة بصرية وصحفية مغايرة، نجحت بنسبة تفوق عالية في تقديم قراءة تفكيكية واعية لأسطورة هوليود الخالدة، بينما تعثرت عند عتبة الإثارة السياسية.

هنا نستعرض كيف استطاع الفيلم صياغة مرئية سينمائية مغايرة، وأين أخفق في اللحظات الأخيرة.
أولًا: البناء الهيكلي والجهد الاستقصائي (التميُّز البصري والصوتي)
الركيزة الأساسية التي ينهض عليها الفيلم هي الأرشيف الصوتي الهائل، الذي جمعه الصحفي البريطاني “أنتوني سمرز” خلال عقود من البحث لكتابه الشهير “Goddess”. نحن لا نستمع هنا إلى تحليلات معاصرة من نُقّاد يعيدون تدوير الكلام، بل ننصت إلى الأصوات الحقيقية لـ “جون هيوستون”، و”بيلي وايلدر”، وأصدقاء مارلين المقربين.

براعة المزامنة البصرية (Lip-Syncing): اِتخذت المخرجة قراراً فنياً جريئاً بالاستعانة بممثلين لتأدية دور الشخصيات أثناء الاستماع للتسجيلات الصوتية الحقيقية، هذه الحيلة الإخراجية لم تكن مجرد زينة بصرية، بل منحت التسجيلات المتهالكة “جسداً” وحضوراً درامياً مكثفاً يكسر رتابة الوثائقيات التقليدية.
إعادة بناء الروح الزمنية : نجح المونتير في دمج لقطات الأرشيف النادرة ل”مارلين” مع المَشاهِد المُعاد تمثيلها بذكاء شديد، مما خلق تدفقاً شعورياً يضع المشاهد في قلب “هوليوود الذهبية” بكل بريقها ومآسيها.

ثانياً : البعد النفسي.. “مارلين” كذات إنسانية لا كأيقونة جنسية
يتميز الفيلم في ثلثيه الأوَّلَيَيْن برفضه اختزال “مارلين مونرو” في صورتها النمطية ك “البلوند الغبية” أو الضحية المستسلمة.
يكشف الوثائقي عن امرأة ذات وعي حادّ، تُحارِب نظام الإستوديوهات الاحتكاري، وتبحث عن جذورها المفقودة وعاطفة الأبوة، التي حُرمت منها. يتتبع الفيلم انكساراتها النفسية الناتجة عن طفولتها القاسية، ويوظف تصريحات المخرجين الكبار ليثبت أن ذكاءها الفني كان يسبق عصرها، مما يجعل العمل وثيقة إنصاف تاريخية وإنسانية من الطراز الرفيع.

ثالثاً: فخ المؤامرة والارتباك الختامي
رغم القيمة الفنية والصحفية العالية للفيلم، إلا أنه سقط في الربع الأخير (تحديداً عند تناول ليلة وفاتها وعلاقتها بآل كينيدي) في فخ الارتباك ومحاولة تلبية شغف الجمهور بنظريات المؤامرة.
وهنا تكمن الثغرة النقدية للعمل:
نقطة المأخذ: يتحوَّل الفيلم فجأة من دراسة نفسية عميقة لامرأة مُعقَّدة، إلى فيلم إثارة سياسي (Thriller) يبحث في توقيت إعلان الوفاة وتحركات الأجهزة الأمنية (FBI) .
هذا الانتقال أضعف التماسك الموضوعي للفيلم، وحوَّل الخاتمة إلى محاولة “تشويق ” كان الوثائقي في غنى عنها، خاصة وأنه لم يقدم دليلاً قاطعاً جديداً، بل أعاد إنتاج تساؤلات قديمة دون حسم، مما ترك شعوراً بعدم الرضا في نهاية الرحلة للمُشاهِد المتخصص.
الخلاصة
فيلم “The Mystery of Marilyn Monroe: The Unheard Tapes” ليس مجرد وثائقي آخر يُضاف إلى تلال المواد المنتَجة عن النجمة الراحلة؛ إنه عمل سينمائي مصقول بذكاء، ينبض بالحياة بفضل أصوات ممَن عاصروها. ورغم اندفاعه في نهايته نحو دهاليز السياسة ونظريات المؤامرة (وهي الهفوة التي تمنعه من الكمال المطلق)، إلا أنه يظل أحد أفضل الوثائقيات التي أُنتِجَت في السنوات الأخيرة، كونه استطاع ببراعة تحويل “الأسطورة البصرية” إلى “حقيقة صوتية وإنسانية ” تلمس القلوب وتثير العقول.
★صحفي ـ مصر.




