سيف الأمير:”تصبحين على خير يا ماما” لنور إسماعيل ..سيمفونية مسرحية تُلامِسُ الروح ببراعة وتألُّق.

سيف الأمير ★
ضمن فعاليات الدورة التاسعة عشرة للمهرجان القومي للمسرح المصري، تُقَدِّم المخرجة “نور إسماعيل” في عرضها المسرحي “تصبحين على خير يا ماما” تجربة فنية شديدة التكثيف والروعة، تتجاوز حدود العرض التقليدي؛ لتصبح حالة إنسانية وبصرية تهز وجدان المتلقي. العرض صياغة إخراجية ذكية تُعيد قراءة الصراع النفسي والعاطفي برؤية معاصرة، تنبض بالحياة والجمال في كل تفاصيلها.

كتيبة الإبداع: تناغم وتكامل صُنَّاع العرض
شهد العرض تكاملاً فنياً بين جميع عناصر العرض وفريقه: الإخراج “نور إسماعيل”: قَدَّمت المخرجة رؤية واعية وأدوات متمكنة في إدارة الممثل، وفهم أبعاد المسرح النفسي على نحو نال إشادة الخاصة والعامة، وقد ظهر ذلك جلياً في تواصل التصفيق بحرارة للعرض بعد إنتهائه بمدة طويلة وبحماس شديد.

الأداء التمثيلي المتقن والمتوهج: البطلتان أبدعتا في تجسيد المشاعر المعقدة، وظهر الانسجام في الحوار المتبادل والتدرج الانفعالي الصادق؛ حيث قَدَّمت “علياء الحقباني” دور الأم ببراعة ما بين تجسيد معاناتها مع زوجها الراحل وابنتها المُقْدِمة على الانتحار وصراعهما، وعدم اتفاق شخصيتهما معاً، و”دعاء الزيدي” التي نجحت بقوة وتمكُّنٍ في تجسيد معاناة الابنة المصابة بصرع منذ طفولتها، ومعانتها من عدم التواصل مع أبيها الراحل نادر الكلام، ثم معاناتها مع زوجها المتذمر من مرضها ، والذي ربما يواتيها بنوبة صرع حتى أثناء ممارسة العلاقة الزوجية، ومعاناتها مع ابنها المدمن، مما يجعلها تُقَرِّر الانتحار هذه الليلة، وتخبر أمها بذلك.
الأداء الحركي عندما يتكلم الجسد: تتألق الراقصتان والفنانتان الاستعراضيتان “فاطمة نبيل وهيام سراج” في هذا العرض بتقديم أداء تعبيري استثنائي يُعَدُّ بحق القوة الضاربة والروح الخفية للعمل؛ وأجادت “فاطمة” التعبير حتى بعينيها المعبرتين الجميلتين المغرورقتين بالدموع وبالشحن العاطفي الداخلي الظاهر ببراعة وعاطفة جيَّاشة على ملامح وجهها الوردية، وحتى تلاحق أنفاسها، حتى إن افتتاحية المسرحية كانت من خلالها من محاولة عبورها الفتحة الضيقة الدائرية للغسالة، ثم تتابع أداؤها الذي خطف القلوب قبل الأبصار علي مدار العرض، فقد تحولت على الخشبة من مجرد راقصة إلى جسد يفيض بالصراعات الدفينة، تترجم كل خطوة ولفتة منها إلى ألم العزلة وصدمة المصير.
رسمت فاطمة بليونتها ورقة تحركاتها لوحات تعبيرية حركية بلغت قمة التماهي مع الحالة الدرامية؛ لتخطف الأنظار في كل ظهور وتُجْبِر الصالة على حبس أنفاسها إعجاباً بهذه الطاقة الإبداعية النادرة.

الإعداد والدراماتورج: صياغة نصية مُحكمة حافظت على البناء الدرامي المتصاعد.
السينوغرافيا والديكور: تصميم مكاني ذكي عكس طابع الاحتجاز النفسي والعزلة داخل المنزل.
الإضاءة: تشكيل بصري مبهر ترجم التقلبات بين الدفء والقتامة.
الموسيقى والأزياء: ألحان شجية تُعَمِّق الإحساس باللحظة، وأزياء خدمت الهُوية النفسية للشخصيات.
فريق الإدارة والإنتاج والمساعدة: جهود جبارة من المخرج المنفذ، ومساعدي الإخراج، أثمرت عن انضباط حركي ودرامي حاسم.
تحية لإدارة مسرح الغد والمهرجان.
يستحق القائمون على مسرح الغد كل الثناء على توفير المناخ التنظيمي الاحترافي والدعم التِّقني لخروج العمل بهذا المظهر المشرف.

كما تتوجه الإشادة الواجبة لإدارة المهرجان القومي للمسرح المصري في دورته الـ19 ، وعلى رأسها الفنان القدير “محمد رياض”، الذي يُقَدِّم دورة استثنائية تنظيماً وفكراً، مُعيداً للمسرح المصري رونقه ورسالته التنويرية عبر إفساح المجال للشباب والتجارب الجادة.
وقد خرج قبل العرض للجمهور المتزاحم على باب الدخول وسألهم عن وجود أي شكاوى، فاتفقت كل الشكاوى على عدم إدخال الكثيرين حتى من حائزي الكيو آر كودز إلى عرض سجن اختياري لصالح آخرين ممن لهم وسائط داخل المسرح، مما أثار شديد الاستياء.
في وسط هذا الكمال الفني الباهر، يُسجل مأخذ طفيف جداً، يكمن في التوقيت الخاطف لخفوت الإضاءة (Fade out) قبل المشهد الختامي مباشرة؛ إذ كان يُفضل إعطاؤه ثوانٍ إضافية؛ ليستوعب الجمهور شحنة الصمت الدرامي قبل إسدال الستار.

“تصبحين على خير يا ماما” عمل مسرحي ناضج يظل عالقاً في الذاكرة، وشهادة ميلاد فنية جديدة لكل صُنَّاعه وعلى رأسهم المبدعة المخرجة “نور إسماعيل”.

★صحفي ـ مصر.




