حسن غريب: إیثاكا التي فینا.. هي الأودیسة”من أسطورة العودة إلى سؤال الإنسان عن ذاته».

حسن غریب أحمد★
لیست عظمة «الأودیسة» في أنھا واحدة من أقدم النصوص المؤسسة للخیال الإنساني فحسب، ولا في قدرتھا على الاحتفاظ بحضورھا بعد أكثر من ألفي عام من تداولھا، وإنما في أنھا استطاعت أن تتجاوز زمنھا، وأن تتحوَّل من حكایة عن رجل یعود من الحرب إلى وطنه، إلى نص مفتوح على أسئلة الإنسان في كل زمان: من نحن؟ ماذا یفعل بنا الغیاب؟ ھل
الوطن مكان أم ذاكرة؟ وھل العودة ممكنة أصلاً، أم أننا حین نعود لا نجد سوى المكان الذي غادرناه، وقد أصبح شیئاً آخر، مثلما أصبحنا نحن شیئاً آخر؟
ربما لهذا السبب عادت «الأودیسة» إلى الواجھة الثقافیة والسینمائیة في زمننا الراھن، مع مشروع المخرج الأمریكي”كريستوفر نولان” لتقدیمها سینمائیاً. ولیس المھم ھنا أن نعرف كیف سیُعید “نولان” بناء عالم “ھومیروس” بصریاً، وإنما الأھم أن نتساءل: لماذا ما زال إنسان القرن الحادي والعشرین في حاجة إلى “أودیسیوس”؟
ما الذي یجعل رجلاً خرج من حرب أسطوریة قبل آلاف السنین قادراً على أن یُوقظ فینا أسئلة لم تجد الحضارة الحدیثة إجابات نهائیة عنها؟
النص الذي یتغیَّر حین یتغیر قارئه.ربما لأن التكنولوجیا غیّرت وسائل الإنسان، لكنها لم تغیّر جوھر أسئلته.
تجربتي مع «الأودیسة» نفسھا تؤكد أن القراءة لیست فعلاً ثابتاً، وأن الكتاب الواحد یمكن أن یصبح كتباً متعددة تبعاً للمرحلة التي نقرأُه فیها.
في القراءة الأولى، قد یرى القارئ في «الأودیسة» عالماً مزدحماً بالآلهة والأسماء والأمكنة والمغامرات والكائنات، لكن النصوص الكبرى لا تستنفد نفسها في القراءة الأولى . وقد تبدو بعض التفاصیل بعیدة عن اھتمامه، أو عن حساسیته الجمالیة والفكریة،فھناك كتب نقرأُھا ونحن صغار فلا تمنحنا شیئاً یوازي توقعاتنا، ثم نعود إلیها بعد سنوات فنكتشف أننا لم نكن نقرأ الكتاب، قد یكون “ھومیروس” قد كتب عن “أودیسیوس”، لكن كل قارئ یذھب إلى النص محمَّلاً بـ” أودیسیوس” الخاص به .
وھذا ما یجعل العمل الأدبي العظیم كائناً متحركاً؛ لا یظل ثابتاً داخل صفحاته، وإنما تتغیر دلالته بتغیُّر القارئ ، بل كنا نقرأ أنفسنا من خلاله.
★روائي ـ مصر.




