هند محسن: “الهجانة”..حين يُحتلُّ الإنسان هندسة الكينونة في مرايا الاغتراب.

هند محسن حلمي★
في البدايةِ أقول: هناك نصوص تروي التاريخ، وأخرى تروي الإنسان، لكن «الهجانة» كانت من تلك النصوص التي تجعل التاريخ مجرد مرآة تنعكس عليها أسئلة الكينونة، فيغدو الاغتراب حالة وجودية قبل أن يكون انتقالًا من مكان إلى آخر، ويصبح البحث عن الوطن رحلةً داخل الروح قبل أن يكون عودةً إلى الجغرافيا.
وأثناء قراءتي، استحضرت قول الحق سبحانه وتعالى:
﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ…﴾ [النور: 35].
وظللت أُفكر إذا كان الله سبحانه قد جعل النور في هذه الآية رمزًا للهداية التي تنفذ إلى أعماق الروح، فإن الأدب – في أحد وجوهه – يظل محاولة إنسانية للبحث عن قبسٍ من ذلك النور وسط عتمة الوجود. ومن هنا تبدو رواية «الهجانة» وكأنها رحلة شاقة بين الظلمة والضياء؛ فلا تنشغل بسرد الأحداث بقدر ما تنشغل بكشف الإنسان وهو يفتش عن ذاته، وعن يقينٍ يبدد اغترابه، وعن معنى يعيد ترتيب العالم من حوله.
في هذا الأفق التأويلي، تغدو شخصيات الرواية أشبه بمشكاواتٍ تحمل داخلها مصابيح متفاوتة الوهج؛ فبعضها انطفأ تحت وطأة الفقد والقهر، وبعضها ظل يقاوم كي لا يخمد، وبعضها ظل يبحث عن شرارة توقظ ما بقي من إنسانيته. وهنا لا يصبح النور عنصرًا بصريًا، بل قيمةً وجوديةً تتجلى في الوعي، والذاكرة، والصبر، والقدرة على مقاومة الانكسار.
فثمة فارق جوهري بين الرواية التي تستدعي التاريخ لتؤرخه، والرواية التي تستدعيه لتفكك الإنسان وهو يعيش داخله. فالأولى تكتفي بإعادة بناء الوقائع، واستحضار الأزمنة، واستنطاق الشخصيات بوصفها شهودًا على مرحلة بعينها، بينما تنفذ الثانية إلى ما هو أبعد من الحدث؛ إذ تجعل التاريخ مجرد وسيط للكشف عن البنية العميقة للوجود الإنساني. ومن هنا تحديدًا تنتمي رواية «الهجانة» إلى ذلك النمط النادر من الروايات التي لا تكتفي بسرد الماضي، وإنما تعيد مساءلته، وتخلخل يقيناته، وتعيد صياغته بوصفه تجربة وجودية مفتوحة على كل الأزمنة، حتى يغدو التاريخ فيها سؤالًا عن الإنسان، لا مادةً للتوثيق.
فالروائي أ/ أيمن رجب طاهر لا يقارب الاحتلال البريطاني باعتباره واقعة سياسية أو صراعًا عسكريًا يمكن تأريخه داخل كتب التاريخ، بل يتعامل معه بوصفه نسقًا وجوديًا معقدًا يسعى إلى إعادة تشكيل الإنسان من الداخل، وإعادة هندسة وعيه، وتفكيك علاقته بذاته، وبالأرض، وبالزمن، وبالآخر. ولهذا تبدو الرواية، منذ لحظاتها الأولى، وكأنها لا تسأل: ماذا فعل الاحتلال بالمكان؟ وإنما تسأل سؤالًا أكثر خطورة وعمقًا: ماذا يفعل القهر الطويل بالإنسان؟
لذا إن هندسة المعنى في «الهجانة» لا تقوم على ما تقوله الرواية مباشرة، وإنما على العلاقات الخفية بين عناصرها. فكل شخصية لا تؤدي وظيفة حكائية فحسب، بل تؤدي وظيفة فلسفية. وكل مكان يتجاوز حضوره الواقعي ليصبح حاملًا لدلالة نفسية. وحتى الصمت، والانتظار، والسير الطويل في الصحراء، والطوابير اليومية، والإيماءات العابرة، تتحول جميعها إلى وحدات بنائية تشارك في تشكيل رؤية الرواية للعالم.
ولهذا فإن قراءة «الهجانة» بوصفها رواية تاريخية فقط، هي قراءة تُجحف بحق النص؛ لأنها تغفل أكثر مستوياته عمقًا. فالتاريخ فيها ليس غاية، بل مادة خام يعيد الكاتب تشكيلها داخل بنية رمزية واسعة، بحيث يغدو الاحتلال نموذجًا لكل سلطة تحاول إعادة تعريف الإنسان خارج إرادته، ويصبح القهر استعارة لكل منظومة تنتزع من الفرد حقه في أن يكون ذاتًا حرة.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن الكاتب لا يقدم السُلطة في صورة الجندي الذي يحمل السلاح، ولا في صورة الضابط الذي يصدر الأوامر، وإنما يعيد تعريفها بوصفها شبكة دقيقة من الممارسات اليومية التي تتسلل إلى تفاصيل الحياة حتى تصبح جزءًا من تكوين الإنسان نفسه. فالسلطة هنا لا تبدأ بالعنف، وإنما تبدأ بالتكرار؛ تكرار الأوامر، وتكرار الطوابير، وتكرار ساعات العمل، وتكرار العقوبات، حتى يتحول الخضوع إلى عادة، والعادة إلى يقين، واليقين إلى نمط وجود.
وهنا يقترب النص من أكثر التصورات الفلسفية عمقًا في فهم السلطة الحديثة؛ فالسلطة ليست ذلك الكيان الذي يقف خارج الإنسان ليقهره، وإنما هي منظومة تحاول أن تسكن داخله، وأن تعيد تشكيل وعيه حتى يصبح الإنسان رقيبًا على نفسه، ويؤدي ما يُطلب منه دون حاجة إلى عنف دائم. ولذلك لا يعود السجن الحقيقي هو الأسوار، بل يصبح السجن هو اقتناع الإنسان بأن العالم لا يمكن أن يكون إلا على هذه الصورة.
ومن هنا تتحول الذاكرة إلى أخطر أشكال المقاومة في الرواية. فهي ليست مجرد استرجاع عاطفي للماضي، ولا لحظة حنين رومانسية إلى القرية والأسرة والطفولة، وإنما تصبح فعلًا فلسفيًا وأخلاقيًا يحمي الإنسان من الانهيار الداخلي. فكل مرة يستعيد فيها البطل رائحة الحقول، أو أصوات أهله، أو تفاصيل قريته، لا يكون هاربًا من الواقع، بل يكون معلنًا رفضه لأن يعيد القهر تعريفه. وكأن الرواية تؤكد أن أخطر ما يفعله الاستبداد ليس احتلال الأرض، وإنما محاولته إقناع الإنسان بأن ماضيه لم يعد يستحق التذكر، وأن هويته الأولى يمكن استبدالها بهوية جديدة تصنعها السلطة.
لهذا إن الاغتراب في «الهجانة» لا يتجلى بوصفه أثرًا جانبيًا للاحتلال، وإنما بوصفه البنية العميقة التي تنتظم العالم الروائي كله.. فالكاتب لا ينشغل برصد وقائع القهر بقدر انشغاله بتشريح أثرها البطيء داخل النفس الإنسانية، حتى يبدو الإنسان وكأنه يفقد نفسه تدريجيًا دون أن يشعر. ومن هنا لا يصبح الاغتراب مجرد ابتعاد عن الوطن، وإنما انفصال الإنسان عن صورته الأولى، وعن نظامه القيمي، وعن يقينه القديم بالعالم.
وهنا تبلغ هندسة المعنى ذروة تعقيدها؛ إذ لا ينتج الكاتب الدلالة عبر الحدث المباشر، وإنما عبر تراكم التفاصيل الصغيرة التي تبدو في ظاهرها عادية، بينما تؤسس في العمق لبنية اغترابية شديدة الكثافة. فرتابة الأيام، وتكرار الطوابير، وتشابه الأوامر، وطول الانتظار، والوجوه التي فقدت دهشتها، كلها ليست مجرد تقنيات واقعية، وإنما أدوات لإقناع القارئ بأن السلطة لا تُمارس بالعنف وحده، بل بالتكرار أيضًا. فالقهر حين يتكرر يفقد صفة الاستثناء، ويتحول إلى قانون للحياة، وعندها يصبح أخطر؛ لأن الإنسان يبدأ في التعايش معه بوصفه أمرًا طبيعيًا.
ولعل هذا ما يجعل الرواية تلتقي مع رؤية الفيلسوف الفرنسي (ميشيل فوكو) الذي يقول في كتابه المراقبة والمعاقبة:
«الانضباط يصنع أجسادًا طيعة.»
وهذه العبارة، على قصرها، تبدو وكأنها مفتاح خفي لقراءة «الهجانة». فالسلطة داخل الرواية لا تسعى فقط إلى إرهاق الجسد، وإنما إلى تحويله إلى جسد يعتاد الطاعة، ويتعامل مع القهر باعتباره جزءًا من نظام الكون. إنها سلطة تدرك أن السيطرة الحقيقية لا تتحقق بإشهار السلاح في كل لحظة، وإنما بأن تجعل الإنسان يراقب نفسه بنفسه، ويعيد إنتاج منظومة القهر دون أن يشعر.
غير أن الرواية لا تقع في فخ الحتمية، ولا تمنح السلطة صفة المطلق. فكلما اشتد حضورها، ازداد حضور ما يقاومها في الداخل. وهنا تظهر الذاكرة بوصفها أهم ابتكارات النص الفلسفية. فالذاكرة ليست صندوقًا للذكريات، وإنما جهازًا لإنتاج الهوية، وأداةً لمقاومة المحو. وكلما استعاد البطل تفاصيل قريته، أو وجوه أحبته، أو رائحة الأرض بعد المطر، لم يكن يمارس الحنين، بل كان يعيد بناء ذاته في مواجهة مشروع اقتلاعها.
إن السلطة تستطيع أن تحتل الجغرافيا، وأن تستنزف الجسد البيولوجي بالعمل القسري، وأن تصادر الزمن، وأن تفرض اقتصادًا للصوت حتى يغدو الصمت اللغة الرسمية للحياة، لكنها تقف عاجزة عند حدود الوعي المتذكر. فالذاكرة هي الإقليم الوحيد الذي لا تستطيع السلطة رسم حدوده، ولا مصادرة خرائطه، لأنها تنتمي إلى الداخل الإنساني الذي لا يخضع لقوانين الاحتلال.
ولذلك لا يبدو تذكر القرية في الرواية استغراقًا في الماضي، وإنما إعلانًا مستمرًا بأن الهوية ليست شيئًا تمنحه السلطة حتى تسلبه، وإنما جذور تمتد في أعماق الإنسان. إنها جمرة قد تغطيها طبقات الرماد، لكنها لا تنطفئ. وكل ذكرى تستعاد هي احتجاج صامت على محاولة إعادة تعريف الذات وفق معايير المستعمِر.
وفي هذا السياق، تكتسب الذاكرة بعدًا أخلاقيًا يتجاوز بعدها النفسي؛ فهي تحفظ للإنسان حقه في أن يروي نفسه بنفسه، لا كما تريد السلطة أن ترويه. ولذلك تتحول إلى فعل مقاومة، لأن من يمتلك ذاكرته يمتلك القدرة على مقارنة الواقع بما ينبغي أن يكون، ومن يستطيع المقارنة لا يقبل الاستسلام بسهولة.
ومن هنا يلتقي النص مع رؤية الفيلسوف (بول ريكور) في كتابه الذاكرة، التاريخ، النسيان حين يقول:
«واجب الذاكرة هو واجب العدالة.»
إن هذا الاقتباس لا يبدو تعليقًا خارجيًا على الرواية، بل يكاد يكون أحد مبادئها الداخلية؛ لأن الشخصيات لا تتذكر بدافع الحنين، وإنما بدافع العدالة. فالنسيان، في عالم «الهجانة»، ليس راحة، بل هزيمة. أما التذكر فهو رفض لأن يصبح الظلم حقيقة نهائية، وإصرار على أن الماضي ما زال قادرًا على مساءلة الحاضر.
وربما لا تكتمل هندسة المعنى في «الهجانة» عند حدود الفضاء السردي أو ثنائية القهر والمقاومة، وإنما تمتد إلى هندسة الشخصيات ذاتها، إذ لم يتعامل أيمن رجب طاهر مع أبطاله بوصفهم أدوات لتحريك الحبكة، بل بوصفهم عوالم نفسية متشابكة، يحمل كل منها سؤالًا وجوديًا خاصًا، حتى بدا النص وكأنه خريطة للاغترابات الإنسانية المتعددة، لا اغترابًا واحدًا.
ولعل شخصية (منصورة)، التي اضطرت إلى أن تعيش في هيئة «منصور»، تُعد من أكثر الشخصيات ثراءً على المستوى النفسي والرمزي. فهذه الشخصية لا تعيش اغترابًا مكانيًا فحسب، بل تعيش انقسامًا وجوديًا بين الجسد والدور، وبين الهوية المفروضة والهوية الحقيقية. لقد فرضت عليها قسوة الواقع أن ترتدي قناع الرجولة، غير أن هذا القناع لم ينجح يومًا في إلغاء جوهرها الأنثوي، بل ظل هذا الجوهر يقاوم بصمت، ويطل من بين شقوق الشخصية كلما لامسها الحنين أو الحب أو الخوف.
وهنا فهو لا يجعل التحول من «منصورة» إلى «منصور» مجرد حيلة درامية، وإنما يحوله إلى سؤال فلسفي عن الهوية: هل يمكن للظروف أن تغيّر مظهر الإنسان دون أن تمس حقيقته؟ والإجابة تأتي عبر السرد نفسه؛ فالأنوثة في الرواية لا تُختزل في الهيئة الخارجية، بل تُقدَّم بوصفها وعيًا وعاطفة وفطرة لا تستطيع أقسى الظروف أن تنتزعها.
ويتجسد هذا الصراع الداخلي في علاقتها بـصالح؛ إذ لم يكن تعلقها به مجرد قصة حب داخل السياق الروائي، بل كان محاولة لا واعية للتشبث بآخر ما يربطها بذاتها الأولى. لقد ظل صالح يمثل لها المساحة التي تستطيع فيها أن تكون «منصورة» لا «منصور»، وأن تستعيد إنسانيتها التي كانت تضطر إلى إخفائها تحت قناع فرضته قسوة الواقع. وحين يفقد النص شخصية (صالح)، لا يفقد مجرد عاشق، بل يفقد إحدى الركائز النفسية التي كانت تحفظ توازن الشخصية، فتدخل منصورة طورًا جديدًا من الاغتراب، أكثر عمقًا وأشد قسوة، إذ لم تعد تواجه فقد الحبيب فقط، بل أصبحت تواجه فراغًا وجوديًا يضاعف شعورها بالوحدة والانكسار.
ومن هذه النقطة يفتح الكاتب أفقًا جديدًا للصراع الإنساني عبر شخصية (قسم الله). فالعلاقة التي تنشأ بينه وبين منصورة ليست امتدادًا تقليديًا لعلاقة عاطفية، وإنما تبدو محاولة من القدر لترميم روحين أنهكهما الفقد. غير أن الرواية، في انسجام مع رؤيتها الواقعية، ترفض أن تمنح شخصياتها خلاصًا سهلًا، فتأتي حادثة ذبح الجمل «العناب» لتُعد واحدة من أكثر المشاهد كثافة من الناحية الرمزية.
فالعناب لم يكن مجرد جمل يملكه قسم الله، بل كان امتدادًا وجدانيًا له، ورفيقًا يجسد معنى الوفاء والانتماء. ومن ثم فإن ذبحه لا يُقرأ بوصفه حدثًا عابرًا، وإنما باعتباره ذبحًا لآخر مساحة آمنة داخل الشخصية، وإعلانًا عن أن الاحتلال لا يكتفي بإزهاق الأرواح، بل يمتد ليقتل كل ما يمنح الإنسان شعوره بالألفة والانتماء. إن العناب هنا يتحول إلى رمز لذاكرة تُذبح، وإلى استعارة لفقد البراءة، ولذلك يخرج المشهد من حدوده الواقعية ليكتسب بعدًا نفسيًا بالغ التأثير.
أما شخصية (غلاب)، فعلى الرغم من أنها لا تشهد تطورًا دراميًا واسعًا على مستوى الحبكة، فإن حضورها يؤدي وظيفة دلالية لا تقل أهمية عن الشخصيات الرئيسة. فغلاب يجسد نموذج الأب المصري الذي يعيش قلقه بصمت، ويختزن مخاوفه في داخله، ويجعل من حماية ابنته رسالته الأولى. إنه لا يمثل فردًا بعينه، بل يمثل الضمير الأبوي الذي ظل يقاوم، حتى في لحظات العجز، فكرة أن تصبح ابنته فريسة لعالم فقد إنسانيته. ومن هنا فإن قيمة غلاب لا تُقاس بحجم أفعاله، بل بما يحمله من معنى؛ فهو صورة للأب الذي يواجه القهر بعاطفة الحماية، ويجسد بقاء الروابط الأسرية بوصفها أحد أشكال المقاومة الصامتة.
كما أن الرواية لم تغفل تصوير سجون الاحتلال بوصفها أكثر من فضاء للعقاب؛ فهي تُقدمها باعتبارها مختبرًا لإعادة تشكيل الإنسان. فالسجن في «الهجانة» ليس مكانًا يُحتجز فيه الجسد فحسب، بل فضاء يُراد له أن يعيد صياغة الإرادة، وأن يحطم المعنى، وأن يقنع الإنسان بأن حريته كانت مجرد وهم. غير أن الكاتب يقلب هذه المعادلة، فيجعل السجن، على قسوته، مساحة لاكتشاف الصلابة الداخلية، حيث يخرج بعض البشر أكثر التصاقًا بإنسانيتهم مما كانوا قبل الأسر.
وفي مقابل هذه المنظومة القمعية، يبرز (رينيه) بوصفه أحد أهم الشخصيات المضادة داخل الرواية. فهو لا يمثل مجرد شخصية أجنبية مختلفة، بل يمثل الضمير الإنساني الذي يرفض أن يُختزل الإنسان في هويته السياسية أو العسكرية. ومن خلاله يؤكد أيمن رجب طاهر أن الصراع في «الهجانة» ليس بين جنسية وأخرى، ولا بين شرق وغرب، وإنما بين منطقين متقابلين: منطق القوة الذي يرى الإنسان وسيلة، ومنطق الإنسانية الذي يراه غاية. لذلك فإن رينيه لا يقف نقيضًا للاحتلال من حيث الانتماء، بل من حيث القيم، ليؤكد أن العدالة والرحمة لا تعرفان وطنًا واحدًا، كما أن الظلم لا ينتمي إلى شعب بعينه، بل إلى كل سلطة تنسى إنسانيتها.
ومن هنا تصبح «الهجانة» رواية عن الوعي بقدر ما هي رواية عن التاريخ، وعن الإنسان بقدر ما هي رواية عن الاحتلال، وعن الكينونة بقدر ما هي رواية عن الوطن. وهذا ما يمنحها قدرتها على تجاوز زمنها التاريخي، لتصبح نصًا مفتوحًا على كل الأزمنة التي حاولت فيها السلطة أن تعيد تشكيل الإنسان، وفشلت؛ لأن داخل كل إنسان منطقة لا يمكن احتلالها، اسمها الذاكرة.
وكما يقول الفيلسوف (مارتن هايدغر): «اللغة هي بيت الكينونة.» فإذا كانت اللغة هي البيت الذي تسكنه الكينونة، فإن «الهجانة» قد شيّدت بهذا البيت فضاءً رحبًا للإنسان، وجعلت من السرد فعلًا للمقاومة، ومن الذاكرة وطنًا، ومن الحب نجاة، ومن الأدب شاهدًا على أن النور، مهما اشتدت العتمة، لا ينطفئ ما دام في القلب متسع للحقيقة، وفي الروح متسع للإنسان.
وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الأهم الذي تتركه «الهجانة» خلفها هو: كيف عاش الإنسان تحت الاحتلال؟ وإنما: كيف استطاع، رغم الاحتلال، أن يحتفظ بالجزء الذي لم يستطع الاحتلال الوصول إليه؟
فقد يستطيع القهر أن يصادر المكان، وأن يرهق الجسد، وأن يفرض على الإنسان زمنًا ليس زمنه، وأن يحاصره بالأوامر والطوابير والسجون والخوف، لكنه يظل عاجزًا أمام تلك المنطقة الداخلية التي يصعب إخضاعها؛ منطقة الذاكرة، والوعي، والحنين، والحب، والإيمان، والقدرة على أن يقول الإنسان في داخله: «أنا لست ما تريدون لي أن أكون».
ومن هنا فإن «الهجانة» لا تنتهي حين تنتهي صفحاتها؛ لأن الرواية الحقيقية لا تغلق أبوابها عند آخر سطر، وإنما تترك سؤالها مفتوحًا داخل القارئ.
ولعل أجمل ما فعلته الرواية أنها لم تجعل المقاومة صخبًا دائمًا، ولم تجعل الانتصار لحظةً عسكرية أو حدثًا تاريخيًا، وإنما بحثت عنه في التفاصيل الإنسانية الصغيرة: في ذاكرة لا تنسى، وفي قلب لا يتوقف عن الحب، وفي إنسان يحاول أن يحمي ما تبقى من إنسانيته، وفي امرأة ترفض أن تمحو «منصورة» من داخل «منصور»، وفي أبٍ يحاول أن يحمي ابنته من عالمٍ فقد بوصلته، وفي سجين يكتشف أن الجدران تستطيع أن تحاصر الجسد، لكنها لا تستطيع بالضرورة أن تحاصر المعنى.
وهنا يصبح الاغتراب في «الهجانة» ليس مجرد اقتلاع من الوطن، وإنما محاولة اقتلاع الإنسان من نفسه؛ ويصبح الوطن، في المقابل، ليس مجرد أرضٍ يعود إليها، وإنما ذاكرةٌ يحملها، وهويةٌ يستعيدها، ومعنىً يرفض أن يسمح للآخر بأن يصادره.
ولهذا أظن أن الرواية تنجح في تحويل التاريخ من «ماضٍ» إلى سؤال حاضر، وتحويل الاحتلال من واقعةٍ سياسية إلى نموذجٍ إنساني لكل سلطة تحاول أن تقول للإنسان: من أنت؟ وكيف ينبغي أن تكون؟ ثم تأتي الرواية لتمنح الإنسان حقه الأصيل في الإجابة.
وإذا كان هايدغر يقول: «اللغة هي بيت الكينونة»، فإن «الهجانة» تجعل من السرد بيتًا آخر؛ بيتًا تسكنه الذاكرة، ويحرسه الحب، وتقاوم داخله الروح محاولات المحو.
وربما لهذا أعود إلى النور الذي بدأتُ منه؛ فالنور في «الهجانة» ليس ضوءًا يبدد الظلام من الخارج، وإنما شيءٌ أكثر عنادًا: قبسٌ يسكن الداخل، قد تحاصره العتمة، وقد يغطيه الرماد، وقد يبدو للحظة أنه انطفأ، لكنه يظل قابلًا للاشتعال ما دام هناك إنسان يتذكر، ويحب، ويحلم، ويرفض أن يتحول إلى نسخةٍ صنعتها يد القهر.
وهنا تكمن، في ظني، إحدى أعمق رسائل الرواية:
أن أخطر احتلال ليس احتلال الأرض، وإنما احتلال الإنسان من الداخل.
وأن أقوى مقاومة ليست دائمًا في رفع الصوت، وإنما أحيانًا في أن تظل قادرًا على تذكّر من كنت.
وأن الوطن قد يُغتصب من الخريطة، لكن من الصعب أن يُنتزع من الذاكرة.
وأن الإنسان، مهما اشتدت حوله العتمة، يظل قادرًا على أن يحمل في داخله مشكاته الصغيرة؛ ذلك النور الذي لا يراه الآخرون، لكنه وحده القادر على أن يقوده إلى نفسه.
وهكذا تنتهي «الهجانة» دون أن تنتهي؛ لأن السؤال الذي تتركه فينا أكبر من زمنها، وأوسع من مكانها، وأبقى من شخصياتها:
حين يحاول العالم أن ينتزع الإنسان من ذاته… ماذا يتبقى منه؟
ربما تتبقى الذاكرة.
وربما يتبقى الحب.
وربما يتبقى الأدب نفسه؛ ذلك الضوء الصغير الذي يصرّ، في أكثر اللحظات عتمة، أن يقول لنا إن الإنسان لا يُهزم تمامًا ما دام قادرًا على أن يتذكر، وأن يشعر، وأن يسأل، وأن يبحث عن النور.
★باحثة ـ مصر.




