شيماء مصطفى:”حامل مفتاح المدينة” لأسامة علام…لماذا لم يمتلكها؟

شيماء مصطفى★
بإيحاء يُظهر من خلاله الرواي البطل معاناته استهل أسامة علام روايته بـ ” أخيرًا” للتعبير عن أزمة شهاب الطبيب البيطري الذي انتقل إلى نيويورك المدينة الصاخبة، واستمر في الانتقال من بناية إلى أخرى مقاومًا وحدته إلى أن ستقر في إحدى الشقق بعدما أصبح حامل مفتاح المدينة.
تدور رواية ” حامل مفتاح المدينة” للكاتب أسامة علام والصادرة عن دار الشروق 2025 حول شهاب منير الطبيب البيطري الذي يعمل في نيويورك فيكتشف أن مفتاح شقته التي استأجرها يفتح كل الأبواب المغلقة داخل المدينة.
بدا ما يؤول إليه النص عبر مباشرة العنوان إذ لجأ الكاتب لاستخدام اسم الفاعل حامل بدلًا من مالك للدلالة على التحكم المؤقت لا سيما أننا سنكتشف بعد ذلك أن شهاب لم يكن وحده من يعرف أن المفتاح يستخدم بشكل فانتازي في فتح الأبواب المغلقة في المدينة الصاخبة، بالإضافة إلى التأكيد على عدم وصول شهاب لذروة الاستقرار المكاني بعد؛ لذلك كان اختيار حامل بدلًا من مالك أقوى دلاليًا، فلو كان شهاب مالك مفتاح المدينة لم يكن هناك صراع من الأساس، ولكنه حامله فقط حملًا مؤقتًا، وهنا يترك أسامة علام البطل حرًا إذا ما قرر التخلي عن المفتاح والانتقال لمرحلة مغايرة تناسبه.
بينما ترمز الأبواب المغلقة إلى كافة الحواجز النفسية والاجتماعية والصراعات الداخلية والخارجية سواء كانت يمر بها شهاب أو من تعرف عليهم خلال رحلته.
ورغم أن شهاب سيق لقدره (المفتاح) وجد أن الإجبار الخارجي قاده إلى التمكين الداخلي، حيث تحول التكليف من قيد إلى مساحة لإثبات الذات، فأصبح قادرًا على أن يصنع حريته داخل حدود المفروض عليه، مكتشفًا أنه أدى ما ظن أنه عاجز على أدائه، فعلى سبيل المثال أنقذ اللبؤة كراميل من حالة الولادة المتعسرة ، وأنقذ أيضًا الجد صاحب السيرك مريض السكر .
” أخبرتهم بأني طبيب حيوانات ، ولا معنى لأن ينتظروا مني مساعدة العجوز”
وقد أراد الكاتب من خلال حكاية: صاحب السيرك، والمشرد، والسيدة العجوز ، وصاحب العرائس الماريونت وحتى شهاب نفسه ترسيخ فكرته على أن كل إنسان ما هو إلا “حكايتان”: حكاية يراها الآخرون، وحكاية يعيشها هو ولا يراها أحد.
وفيما يخص سيميائية الأسماء داخل النص نجد الكاتب جعل للشخصيات أسماء لها دلالتها فالبطل “شهاب منير” يرمز إلى الضوء سريع الفناء، إذ أن الشهب تحترق كليًّا عند احتكاكها بالغلاف الجوي تاركة خلفها ضوءًا سريع الزوال، وشهاب كذلك ينغمس كلية داخل حياة الأخرين لدرجة جعلته يعيش معاناتهم وينخرط فيها ، ولكن أسامة علام جعله يتخطى ذلك الوهج المؤقت حين تبعه باسم منير أصبح الأثر دائمًا، وعزز ذلك بإطلاق الاسم نفسه على المشرد “ميتيريتو” والتي ترجمتها عن الإسبانية تعني شهاب.
كما نجح في استثمار تقنية تكرار الأسماء بين الشخصيات البشرية والحيوانية، منها (كراميل) و(ماكس)، بما يحول الاسم من وظيفة تعريفية إلى علامة رمزية، إذ أن التكرار لا يثبت التشابه بين الشخصيات فحسب، بل كشف عن رؤية
تخطت الحدود التقليدية بين الإنساني والحيواني، وأكدت انتماءهما لنفس القيم والمشاعر والعلاقات من وفاء ورفقة وإخلاص، فألغيت الفوارق الظاهرية بين الأليف والمفترس كما في حالة كراميل القط واللبؤة ، كما أكد من خلالهما على وحدة الجوهر الغريزي رغم اختلاف البيئة والسلوك.
كذلك اسم ” أوليفيا” والذي تم استدعاؤه من المسرحية الشكسبيرية الليلة الثانية عشرة أكد على تقاطعهما في النبل والإنسانية ، فضلًا عن الاستدعاء الثقافي لأنطوان تشيخوف من خلال شخصية أنطوان صانع عرائس الماريونت في حواره مع شهاب،إذ كشف لجوءه إلى صناعة هذه العرائس فيما بعد ومنها أنطوانت/ متيوشكا أنها تجسد حبيبته المتوفاة كمحاولة لتجاوز الفقد عبر الفعل الإبداعي؛ إذ تتحول العرائس من مجرد أداة فنية إلى حاملة للذاكرة والحنين فمن خلال الحكايات التي نسجها من خياله، فأعاد تشكيل حضور الحبيبة داخل عالم رمزي ، وأصبح الفن وسيلة لمقاومة الغياب وإعادة الماضي .
” سامحني أنا فنان وأستطيع أن أبتدع بخيالي الكثير من الأكاذيب” ص 125.
اعتمد الكاتب في بنيته السردية بشكل أركيولوجي على استدعاء الماضي لبيان ما يؤول إليه في الواقع الحالي، وليفسر مصير الشخصيات لكنه في الوقت نفسه لم يتطرق بشكل كافٍ إلى الخلفية التي شكلت شخصية شهاب الذي يجيد لعب دور المنقذ، حيث يرى ذاته في موقع المسؤول عن إنقاذ الآخرين ونجاتهم ، مما جعل الإنقاذ جزءًا من هويته وليست مجرد سلوك عابر، ولا يمكن اعتبار هذا عملًا إنسانيًّا خالصًا، ولا يمكن اعتبار الوحدة التي يعانيها سببًا كافيًّا لهذا؛ لذا كان من الضروري التعمق في خلفية البطل وماضيه لفهم دوافع وأبعاد الشخصية أسوة بإيضاح للخلفية الأنثروبيولوجية للشخصيات الثانوية.
تكمن قيمة العمل وقوته في اتخاذه الحيوان مدخلًا للتعرف على الشخصيات وفهم الطبيعة البشرية والعلاقات بينهما أسوة بـ ” Jameall Herriot” حين أكد من خلال أعماله أن دور البطل لا يقتصر على رعاية الحيوانات، بل تضمن دعم المخذولين ،فتمردت الشخصية على تأطيرها داخل حيز التخصص المهني.
العمل ثري بالمواقف اليومية والحياتية التي يمكن أن تحدث لأي منا، بأسلوب سهل وسلس مدعم بحس فكاهي يكمن بين ثنايا المواقف المحزنة التي وضعت فيها الشخصيات لتختبر صلابتهم مما ينم عن صدق ووعي، ويؤكد من خلاله أن الكتابة عن المواقف اليومية والحياتية ليست بالضرورة أن تكون متكلفة.
★سكرتيـرة التحـريـر.




