رواية

شيماء مصطفى: “صاحب الصوت الأزرق” لشريف عرفة.. ماذا لو تحوّل الصوت إلى بنية بصرية؟

شيماء مصطفى

هل منح الصوت لونًا يجعله مرئيًّا أكثر؟ نعت الصوت بلون قد لا يكون مألوفًا في زماننا، ولكن حين يأتي النعت ملازمًا لأحداث ستقع في المستقبل ، فهنا يختلف الحديث تمامًا، إذ لجأ الكاتب عبر عنوانه لإستثارة حاستي السمع والبصر عملًا بالقاعدة المتعارف عليها كلما تم استثارة أكثر من حاسة كلما كان بناء الصورة الذهنية أكثر ثباتًا، وكلما تضاعفت الاستجابة النفسية، وكأنه يقول ..ماذا نفعل لنُرى؟ لنُسمع؟

تدور رواية ” صاحب الصوت الأزرق” لشريف عرفة والصادرة عن الدار المصرية اللبنانية حول طبيب نفسي شرعي ، يتم تكليفه بالتحقيق في جريمة قتل تتقاطع مع تساؤلاته قديمة وذكرياته، مما يدفعه لتتبع ماهية الصوت الغامض الذي يحادثه، فيقوده في النهاية للنبش في سراديب الماورائيات و ما لا يمكن قياسه أو الاستدلال عليه.

استند الكاتب في صياغة عنوانه والذي يشكل في دوره بطل أساسي ينافس البطل في مساحة تواجده على فكرة تواشج الحواس مما جعل العنوان أكثر حيوية وابتكارًا إذ تعامل مع الصوت باعتباره بعدًا ميتافزيقيًا لتجسيد ما يصعب شرحه بطريقة مباشرة لا سيما أن بعض الضمنيات تعجز عن كشف اللاوعي النفسي .

” يسهل التمييز بين من يجري الأبحاث للترقية، ومن يجريها للهروب من ذاته”
ولم يقتصر الأمر على الصوت الماورائي فقط إذ عنون أحد الفصول بـ ” حديث الأشجار”، وفصل آخر ” أشباح الماضي ” وفي فصل ” موجامبو” تحدث عن المجرم الدولي موجامبو بايي” ص 70، وهنا وفي هذا الفصل اعتمد على تناصٍّ سينمائي في تسمية الشخصية، مستدعيًا صورة موجامبو بوصفه نموذجًا للشر والهيمنة في فيلم Mr india ، والذي تدور أحداثه حول مجرم هدفه الاستيلاء على الهند. ومن جزيرته المخفية يراقب كل الجرائم التي يرتكبها أتباعه.
ولم يكن هذا التناص الوحيد في العمل، ففي حوار ص 208 ضمن فصل “تشرب شاي ؟”
“الطريق مش بيظهر إلا للي ناوي يمشي فيه” تناص مع حكمة جلال الدين الرومي:
“عندما تقرر أن تبدأ الرحلة سيظهر الطريق “
فضلًا عن تنوع عناوين الفصول بين الغموض الإيحائي والمباشرة التقريرية، بما أوجد تنويعًا دلاليًّا وازن بين إثارة التأويل وتوضيح المسار السردي فنجد “مكاشفة” ، ” تعارف” ، ” أين اختفى العصفور؟” ، ” الكايانات الواعية “، ” غرفة الآلهة”.

وبتعمد من الكاتب لتجاوز الواقعية التقليدية لتوسيع الخيال والدلالة نجده اعتمد على جزئتين يحسبان له أولها العنوان، وثانيها الأحلام والتي كشف من خلالها أبعاد شخصية جلال النفسية والاجتماعية.
ورغم اعتماد النص على بنية اسكتشية متشظية، فإن المقاطع تتآزر لتشكّل وحدة دلالية متماسكة تخدم الرؤية الكلية للعمل.

بين الصوت والخبرة المهنية 
كما لجأ إلى تأنيس الروبوت سيجما عبر توظيف اللغة الحية والعامية، مما كسر صرامة الخطاب الرقمي ومنح الشخصية الآلية روحًا إنسانيّة، على طريقة باختين في التداخل اللغوي ،وقد عزز هذا التوجه بجعل تشبيهات سيجما مختلفة عن تشبيهات السارد ، فنجدها تخاطب جلال:” شخيرك كان مزعج زي منشار كهربائي ” ولكنه في الوقت نفسه أكد من خلال وصف حركاتها بـ ” المتخشبة ” استحالة أن تكون الآلة بديلًا للإنسان.
لم يتخلَ شريف عرفة كلية عن توجهه في الكاتبة عن علم النفس الإيجابي وهو تخصصه، فنجد بعض العناوين كـ ” الكايانات الواعية” وغيره ، تحمل دلالات نفسية ؛ لذا تماهى الراوي البطل مع المؤلف على مستوى الصوت والخبرة المهنية، مما خلق منطقة وسطى بين التخيل الروائي والوظيفة المهنية.
” القضايا التي لم أستطع حلها، تحييها الأنا العليا مستديرة بلباس التسامي الروحي بحثًا عن الحل”.

د.شريف عرفة

مستقبل ملطخ بمورث قديم

من أفضل ما تم التطرق إليه خلال هذا العمل اتخاذ أغلب الروبوتات شكلًا أنثويًّا ؛ للتأكيد على أن العقل ما زال متأثرًا بالموروث القديم ، بربط المرأة بالرعاية رغم أن الأحداث تدور في المستقبل القريب.
وظف الكاتب الدماء كأداة سردية قوية لصناعة التوتر، كشف الشخصيات، وتحريك الحدث، فتجاوزت بدلالتها تواجدها كمؤثر بصري، فارتبطت بالذنب وفضحت هشاشة الجسد الإنساني.
حملت بعض الأوصاف تكلفًا كان بمقدور الكاتب الاستغناء عنها إذ أنها لم تخدم النص بل كادت لتضعفه منها:
” كي لا تضعف عضلاتك الاجتماعية” ص 53، و ” كوكتيلًا من مضادات الاكتئاب ” ص 73 على لسان الراوي و ” سهرت الليل بطوله” ص 197 في فصل “تشرب شاي؟”، ربما كانت لتكون مقبولة في حوار ، لكن أن تكون على لسان الراوي، فلم تكن مناسبة على الإطلاق.

لا أحد بخير في الغربة

اختار الكاتب بأن يطلق على الشخصيات الأجنبية أسماء عربية كـ ” عوضين ” و ” فتكات” و” خالد” و ” هريدي” وغيرهم تجاوز حد الفكاهة والمرح الذي يبرره البطل، إذ أظهر من خلاله هشاشته في الغربة وافتقاره لوجود من يألفه فكسر كأبة الوحدة بخفة الظل، ويسر على القارىء التفاعل مع النص.

وجملة القول العمل يعج بالدلالات والعلامات السيمائية رغم هيمنت النزعة المشهدية من مشاهد حية وبصرية وإيقاع سريع لكن، البنية الروائية تفككت لصالح اللقطة لكنها في الوقت نفسه كشفت عن وعي بصري لدى الكاتب يجعله صالحًا للاقتباس السينمائي.


★سكـرتيـرة التـحريـر.

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى