رواية

شيماء مصطفى:”عكس اتجاه الصخب ” لعمرو دنقل… شجاعة أم اضطراب ؟!

شيماء مصطفى

في العادي يستدعي الصخب حركةً غريزية نحو مصدره بدافع الفضول، ولكن انقلاب الشخصية على هذا السلوك المألوف واختيارها الاتجاه المعاكس يوحي بأن ثمة قوة درامية أو هاجسًا داخليًا يتجاوز في تأثيره جاذبية الحدث الظاهر، فتغدو الحركة المضادة نفسها حدثًا دالًا، لا مجرد انتقال مكاني يستثمر فضول المتلقي كما يستثمر فضول الشخصية، “فكشف العنوان عزوف البطل عن التفاعل وانكفائه على ذاته واستغراقه في صراعه الداخلي، حتى غاب فضوله تجاه الحدث الخارجي الذي كان من الطبيعي أن يسترعي انتباهه؛ ليؤكد أن أزمته الداخلية أكبر من أي حدث خارجي.

افتتحت رواية ” عكس اتجاه الصخب”لعمرو دنقل والصادرة عن دار إشراقة 2026 والمتوفرة في نسخة رقمية على تطبيق أبجد بناءها السردي ببداية مونودرامية يهيمن فيها صوت البطل على مساحة واسعة من المتن، مع تقديمه كراوٍ غير موثوق بسبب اضطرابه النفسي. وبذلك لا تجعل الرواية القارئ يتابع الأحداث فحسب، بل تدفعه إلى مساءلة صدقية السرد ذاته، حيث يتحول الوعي المشروخ إلى مركز للرؤية ومصدر للالتباس والتأويل.

بنية مونودرامية موفقة

كرّس عمرو دنقل من خلال العنوان والبنية المونودرامية مركزية الذات، فبدا البطل طاهر علوي متفردًا في إدراكه لأزمته وتعاطيه معها، حتى أصبحت خصوصية وعيه محور البناء السردي، لا الأزمة نفسها.
ولتعزيز هذا التوجه اعتبر البطل القتل فعل ثانوي عكس من خلاله هيمنة أزمته للحد الذي جعل الجريمة تفقد استثنائيتها، فلم يستخدم هنا دنقل اضطراب طاهر كصفة عابرة ، لكنه صنع من هذا الاضطراب بوابة عبور للرواية فأصبحت بؤرة العمل المركزية: هل ما تردد على لسان طاهر/الراوي البطل حدث فعلًا أم أنه نتاج إدراك مشوش ؟
“قتلت البدينة، هذا ما حدث ببساطة، من دون مواربة أو تجميل”

وقد كشف خطاب الراوي عن ازدواجية في الوعي، إذ تتناوب على السرد ذاتٌ عقلانية ناضجة وأخرى مأزومة مضطربة، مما جعل الصوت السردي يبدو منقسمًا على نفسه، فمنح النص شحنة نفسية تتخطى الحدث لتبرز صراع الذات مع نفسها.

وقد لجأ عمرو دنقل إلى توظيف انقسام الوعي السردي ليجسد الصراع الداخلي للشخصية، فغدا الحوار الضمني بين الذات العقلانية والذات المأزومة بديلًا عن الصراع الخارجي، فضلًا عن الاستمرار في إثارة الشك بموثوقية الراوي.

“لا أقول ذلك لتفاهة القتل بكل تأكيد ، ولكن إذ كنا جادين في تقييم حدث ما بحيادية تامة، فلا بد من الكشف عن الأحداث الموازية، الظروف المحيطة، والهدف من الفعل نفسه، حينها فقط تتغير زاوية الرؤية، …”

وقد عزز هذا عبر الحوار بين طاهر وخديجة ، إلا أن الفصحى أفقدته قدرًا من حيويته وعفويته؛ إذ تقلصت الفوارق اللغوية بينهما ، فبات من العسير تمايز الأصوات السردية، كون بعض المفردات غير منسجمة مع المستوى اللغوي المتوقع من الشخصية، فأصبح الحوار يعبر عن لغة المؤلف لا الشخصيات
“ولكن اسمح لي يا طاهر بيه ، ما الداعي وأنت لم تبرح هذه الحجرة كما تعلم؟”
فهذه الجملة على لسان خديجة لا يمكن أن تجد مفردة كـ “تبرح ” شائعة لامرأة مثلها، لاسيما أنها في نفس الحوار كانت لها جملة بسيطة وأكثر حيوية وتتسق مع خلفيتها اللغوية. ص 20
“والله خديجة، وغلاوتك خديجة، يا طاهر بيه”.

الذاكرة أم الأوراق!

كما زعزع التنوع ما بين الاعتماد على الذاكرة والأوراق التيقن من موثوقية الراوي، فلم يكن لكسر نمطية الاسترجاع كما هو السائد .
“لولا الأوراق لفقدت الكثير من أيامي في هذا السجن الكئيب” ص 64

ونجده في موضع أخر يقول:
“نحن في حاجة ملحة للتوثيق، ذاكرتنا ليست محل ثقة” ص 16

وهو نفسه من قال :”توسلت لذاكرتي بأن تمدني بأي شيء لكن لم تفلح محاولاتي” ص149.
وهنا تقوم المفارقة على التوتر بين الوعي النظري والممارسة السردية ، فالراوي يدرك من البداية هشاشة الذاكرة وعدم صلاحيتها كمرجع، لكنه تحت ضغط الحاجة يعود ليستعطفها أملًا في استعادة ما غاب عنه، فتحول إخفاق الذاكرة لبرهان قوي يرسخ لضرورة التوثيق، ومع ذلك سيكتشف القارىء فيما بعد أن الأوراق أيضًا لا يمكن ضمان مصداقيتها.

وعلى الرغم من أن الإطار الداخلي للرواية يتكئ على تجربة ذاتية خالصة، فإن السرد تعدى حدود الذات، إذ تتسلل بين ثناياه رؤية ناقدة للواقع الاجتماعي والسياسي، تتجلى في مساءلة سياسات الدولة، وانتقاد أداء قطاع السكك الحديدية، وطريقة إدارة أحداث ثورة 25 يناير، فتحولت التجربة الفردية لوسيط كشف عن اختلالات الواقع العام في تلك الفترة.
” كان المشهد قد تغير إلى استوديو داخلي للأخبار لما وصف بإنجازات السنوات العشر لقطاع السكة الحديد، مشيرًا إلى أن عدد حوادث تلك الفترة بالكاد لامس ألف قتيل!”

وبالرغم من مونودرامية القسم الأول من العمل إلا أنه في النصف الثاني اتجه إلى بنية سردية متعددة الرواة؛ إذ توزع فعل الحكي على ثلاثة أصوات سردية : بدءًا بطاهر باعتباره الراوي البطل الذي قدم تجربته من الداخل، ثم انتقال السرد إلى المحامي بوصفه راويًا شاهدًا عرض ما عرفه عن طاهر، قبل أن يختتم بزوج أخت طاهر الذي تولى استكمال الحكاية من منظور آخر كشف عن صراعات لم تكن ظاهرة في القسم الأول والتي رغم أهميتها وتأثيرها إلا أنها لم تكن جوهر الصراع الرئيسي حتى وإن كانت تبرزه، مما جعل القارىء لايثق بمروية أي منهم، وقد أفضى هذا التناوب لإعادة بناء شخصية البطل عبر زوايا رؤية متنوعة.
” لم تكن حالة السيدة خديجة حرجة، انهال عليها طاهر بلوح من الخشب انتزعه من السرير، وليس بمكواة ساخنة كما ادعى في أوراقه ” ص 203.

الكاتب عمرو دنقل

السير بين التمرد والتعبية

اتخذ السير في العمل وظيفة دلالية فقد وردت في العمل 7 مرات تقريبًا ،4 مرات وأغلبهم في الأوراق، إذ جعل عمرو دنقل فعل “السير” في النص يجسد علاقة البطل بالعالم؛ فهو مرة يرمز إلى رفض التواطؤ مع العنف.
“ما لن أستطيع مواجهته هو السير على كل هذه الدماء الذكية” من الأوراق ص90
وتارةً إلى التمرد والثورة على الامتثال للموروث.
“وقد لا يكون لآبائه وأجداده أي مشاركة فعلية سوى السير في الطريق الذي رسمه الأقدمون” من الأوراق.
ثم تطور إلى إعلان مباشر للثورة على المسارات الجاهزة، مما جعل اختيار الطريق موازيًا لاختيار الموقف الفكري لطاهر.
“لمَ يتحتم علينا السير في الطريق نفسه؟”من الأوراق.
ختامًا العمل تجربة سردية مغايرة رسم شخصياتها، وإيقاعها المتسارع، وبنائها الفني بصبغة مونودرامية منحت البطل مركزية السرد كمحاولة للانتصار لمرويته.


★سكرتيرة التحرير.

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى