قصة

بكر صابر:” متاهات السرد والروح .. قراءة في تقاطعات الصوفي والشعبي في الأعمال القصصية لأيمن الداكر.

بكر صابر
إن السرد كما هو معروف جوهر الروح بالنسبة للعمل ، وبالنظر للأعمال القصصية للكاتب المصري أيمن الداكر ، والتي تضم مجموعاتها الثلاث الرائدة (عمامة خضراء ، وشجرة الرمان ، وقلب صعيدي)، مثلت هذه المجموعات القصصية محاكاة لواقع قرى الصعيد ، ليس الواقع الاجتماعي فحسب بل تعمقت هذه المجموعات القصصية في الثقافة والروح حتى أضحت نموذج سردي فريد من نوعه، ضم في طياته ما هو صوفي وما هو شعبي أو فلكوري ، وما هو اجتماعي أو مادي، حتى كأننا أصبحنا في متاهة سردية نخوض من خلالها رحلة حول معتقدات راسخة وتحولات عنيفة تعصف بالإنسان والمكان ، عندما نخوض في العالم القصصي لهذه المجموعات نجد أن المكان أصبح كائنا حيا ، والشخصية مثل الجسر بين الأسطورة والحقيقة ، إننا نعيش في عالم قصصي جعله الكاتب أيمن الداكر مفعم بالرمز المعبر ، والكلمة التي تمثل جوهر الإنسان ، وجدنا صراعاً رسمه الكاتب بين نقاء الروح وملذات الحياة ، هذه ليست قصص عابرة وإنما واقع مرسوم بفلسفة عميقة.

بالنظر لاختيار الكاتب عنوان المجموعات القصصية ، نجد أن الكاتب المصري أيمن الداكر اختار عنوان كل مجموعة لمغزي معين يحمل دلالة رمزية ، كما سيتضح:
أولاً: دلالة العنوان:

عمامة خضراء:
كما هو معروف في صعيد مصر ، العمامة تمثل الوقار والهيبة ورمز للمكانة الاجتماعية ، ويمثل اللون الأخضر رمز الصوفية والزهد ، وهو لباس الأولياء والصالحين والزهاد ، إذن جمع الكاتب في العنوان بين الروح والمكانة الاجتماعية ، وهذا الأمر يجعلنا نطرح سؤال كيف بذلك الرجل النقي الورع أن يعيش بين عشيرته أو قومه ؟
إن الإجابة على هذا السؤال تشكل مدخل لتحليل شخصية ذلك الغريب الصامت الذي يعب بالفرح أو الحزن ، ويترفع عن صغائر الأمور ، ليتحول بعد وفاته إلى ما يسمي ” بالمبروك” ، مجسداً بذلك المفهوم الشعبي التدين.

شجرة الرمان:
اختار الكاتب شجرة الرمان بالتحديد لتجسد له الوطن الممتليء بالعطاء والخير رغم قسوته الخارجية، فشحرة الرمان هنا رمز للغربة واستعارة الوطن ، وتحمل فاكهة الرمان دلالات روحية في التراث الديني ، تمثل شجرة الرمان الوطن الذي ينتظر المغترب ورغم القسوة لازالت شجرة الرمان تمثل شجرة الذاكرة التي تستدعي الحوار الإنساني سواء بينها وبين المغترب أو بين الجد وحفيده ، جعل الكاتب أيمن الداكر شجرة الرمان بمثابة الدليل السردي الذي يدعو للتجذر والانتماء، في مقابل حالة الضياع التي يفرضها السفر.

قلب صعيدي:
إن اختيار الكاتب للقلب تحديداً يدل على تمكنه السردي ؛ لأن القلب هو جوهر الإنسان وهو مكان الفرح والحزن ، فالقلب هو الذي يتأثر بالصدمات والمواقف السلبية ، وسلط الكاتب من خلال عنوان ” قلب صعيدي” الضوء على انتصار الحقد والغيرة والحسد على النقاء أو الفطرة ، وكيف أدت عوامل العوز والتنافس المادي إلى تشويه العلاقات الاجتماعية البسيطة في القرية القديمة.

ثانياً: تقاطعات الصوفي والشعبي :
إن هذا التقاطع يمثل جوهر المجموعة القصصية ، فالكاتب هنا لا يستدعي التصوف كفلسفة ، وإنما كحالة وجودية متجذرة أو متجسدة في شخصيات القرية ومعتقداتها.
لو نظرنا إلى شخصية ” الغريب” في قصة ” عمامة خضراء” نجد أنه يجسد نموذج للبطل الصوفي الغامض الذي يلتزم الصمت لا يتحدث إلا قليلاً ، لا تعنيه مغريات الحياة ، إنه نموذج للولي الصالح الذي ارتبط بالمخيلة الشعبية للناس ، هذا النموذج هو جزء من اعتقاد الناس وتفكيرهم ، حيث يعطي تفسير لما يحدث لهم من أحداث معقدة عبر الكرامات.
وتظهر براعة الكاتب أيمن الداكر في تحويل النقاء الصوفي إلى تدين شعبي ، والمفارقة هنا هي عدم إدراك الناس قيمة الغريب الحي بينهم ، بينما يقدسون المبروك بعد موته ، وهذا هو جوهر الصراع بين محورين أو مسارين ، المحور الأول الزهد الذي ينادي به الولي ، والمحور الثاني النظرة النفعية للسكان الذين ينتظرون منه تحقيق الأمنيات أو شفاء المرضي، وبذلك نجح الكاتب أيمن الداكر في استخدام السرد كمقياس لتحديد المسافة بين النقاء الروحي الأصيل وبين التفسيرات الشعبية. التي تحول الرمز إلى مجرد أداة أو خرافة.

أيمن الداكر

ثالثاً: المكان نقطة الارتكاز والزمن نقطة التحول ، القرية مسرح الأحداث:
لم تكن القرية في الصعيد في وجهة نظر الكاتب أيمن الداكر مجرد مسرح للأحداث ، بل كانت بمثابة الكائن الحي المفحم بالتراث والأساطير، إنها ذلك المكان الذي يشكل نقطة الصراع بين القيم المتأصلة وبين رياح التغيير والعولمة القادمة.
يرتكز السرد على ثيمة الغياب القسري للأب أو الابن بحثاً عن لقيمة العيش ، هذا الغياب أو الفراغ يؤثر على الهيكل الاجتماعي والنفسي للأسرة ، فتصبح الأسرة في حالة إنهاك مستمر، ولعل أبرز من رصده الكاتب أيمن الداكر هو أثر ” تحولات النفط ” على القرية في فترة الثمانينات والتسعينيات ، فالقرية التي كانت تتسم بالبساطة ، أضحت بفعل المال الطارئ مجتمع منقسم ، فالمال القادم من النفط لم يجلب السعادة للقرية بل جلب الغل والتنافر المدمر والتنافس المادي الموحش ، فتشوهت قيم القرية من كرم وغير ذلك ، وتحولت القرية من ملاذ روحي يضم ” العمامة الخضراء” إلى مكان يسيطر عليه ” القلب الصعيدي” المتوجع والمحاصر بالعوز والطمع.

رابعاً: اللغة والتقنيات السردية:
وتشمل العناصر التالية :
الكثافة اللغوية والبعد الإيحائي:
يستعير الكاتب أيمن الداكر من لغة الشعر القدرة على الايحاء، نجد في قصصه الجمل القصيرة التي تغني عن الفقرات الطويلة ، وهذا الاقتصاد يخلق إيقاعا سريعا مفعما بالتوتر ، على سبيل المثال استخدامه لمفردات مثل : ” الليل ” و ” الظل ” و ” العمامة” ، و” الثرى ” ، و ” الرائحة” ، وهذه ليست مجرد أسماء بل تحمل دلالات رمزية تتراوح بين
الأرضية والروحية.

السرد متعدد الأصوات والمنظورات:
يتميز الكاتب أيمن الداكر بإجادة تقنية تعدد الأصوات وتغير المنظور السردي، فهو ينتقل بين ضمير المتكلم إلى ضمير الغائب مما يجعل المتلقي في حالة يقظة دائمة لتجميع خيوط الحدث وتحديد مصدر الصوت السارد.

تقنية المشهد واللقطة السريعة:
يعمل الكاتب أيمن الداكر على بناء القصص عبر مشاهد قصيرة ومركزة تشبه لقطات الكاميرا السينمائية ، وهذه المشاهد تعكس حالات نفسية واجتماعية دون إسهاب أو حشو ، وهذه التقنية تتلاءم مع طبيعة القصة القصيرة ، حيث يكون الهدف إحداث صدمة لدى القارئ بدلاً من بناء حبكة طويلة مطولة.

خامساً: الشخصيات الثانوية:
إذا كانت شخصية ” الغريب” تمثل المحور الروحي، فإن الشخصيات الثانوية في قصص الكاتب أيمن الداكر تمثل مرآة صادقة للواقع الاجتماعي المركب والمنكسر في صعيد مصر.

الخاتمة :
إن الكاتب أيمن الداكر استطاع بكل جدارة تقديم نصاً كاشفاً مزج فيه بين الكثافة اللغوية العمق الرمزية وأظهر الصراع الدائر بين القوى الروحية والقوى المادية ، كما استطاع الكاتب التعبير عن القلب الصعيدي الأصيل مسجلاً اسمه بحروف من نور.


مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى