رواية

محمد التوني:السخرية وكسر المألوف في رواية ( ويكأنه أنا ) للكاتب “مجدي شلبي”.

محمد عبدالقادر التوني
اِنطلاقاً من هذا العنوان ؛ فإن رواية (ويكأنه أنا) تنتمي إلى الأدب العجائبي .. والعجائبية : هي نزعة إنسانية قوامها ما يكسر المألوف ،ويتجاوز الممكن ، ليخترق المستحيل ! .
فرواية ( ويكأنه أنا ) رواية ساخرة ، فيها كثير من التمرد والسخرية من الواقع المرير الذي نعيشه؛ حيث تُسَلِّط الضوء على أشكال الحرمان المختلفة، التي نعيشها في واقعنا الاجتماعي والمعيشي.
ولم تقتصر السخرية في الرواية على الواقع الاجتماعي والمعيشي فقط ، لكنها امتدت إلى السخرية والتمرد على الكتابة نفسها عن عمد وبطريقة غير مباشرة ، وذلك في الأعمال السردية التي تضع السرد في المقام الأول ، في مقابل تهميش الموضوع الذي تتناوله ، والذي يكون في الغالب بعيداً عن واقعنا الاجتماعي، ولا يَمُتُّ له بصلة ، مما يجعل العمل خالياً من الروح التي تجذب القارئ ، وتُشعِره أنه في داخل العمل ، وأنه يرى نفسه فيه كأنه هو أو هي أو أنا ، وهو هنا يأخذنا إلى قضية أخرى ، وهي قضية الكم والكيف .. كأنه يقول : إن العمل بقيمته ، وليس بكميته ، كما يثبت من خلال روايته هذه : أن الأعمال الأدبية يخدم بعضها البعض ؛ فنجد أنه وَظَّفَ الأجناس الأدبية الأخرى في خدمة الرواية ، مثل : المسرح من خلال تقسيم الفصل السابع ( ويكأنها طاهرة ) إلى مشهدين .
وكأنه يقول : دعوا الثرثرة وغوصوا في أعماق مشاكل الناس ، حتى يقرأ الناس أعمالكم ؛ فيشعرون بصدق أنهم في داخل العمل. أي ، الصدق في الطرح دون مغالاة ؛ فكم حالة في مجتمعنا تُشبِه حالة ( عم حمدان ) ، وكم حالة تُشبِه حالة المرأة المتهمة في سرقة تفاحة ! وكم .. وكم … لكننا نهتم بالشكل والاستعراض في السرد حتى يغيب الموضوع الحقيقي ( لُبُّ المشكلة ) في هذا الزحام .
السخرية من الواقع الأدبي والنقدي بالتحديد :
فرواية ( ويكأنه أنا ) رواية ساخرة ، مُتمردة على الواقع الأدبي والنقدي بالتحديد، الذي يهتمُّ بالمبنى على حساب المعنى ، وربما كانت هذه مأخوذة من النظرة العامة في المجتمع ؛ فالشخص الذي يرتدي بذلة فخمة يحظى باحترام الأخرين حتى وإن كان فارغاً ، (والعكس ) .
البحث عن الدهشة المفتقدة :
رواية ( ويكأنه أنا ) تبحث عن الدهشة المفتقدة ، ومحاولة الارتقاء بها أو الوهم بالوصول إليها ! . فالكاتب هنا ، يبحث عن الدهشة المفتقدة ، وهو ينظر في هذا الغثاء الذي ملأ الدنيا بموضوعات وأحداث تبعد عن مجتمعنا ولا تنبض بالحياة ، كأن الكُتّاب من عالم آخر ، يبعدون كثيراً عن واقعنا ؛ فيمعن الواحد فيهم في التقليد ، التقليد فحسب ! حتى يقال عن روايته إنها رواية عالمية، ولهذا، اِتسعت مساحة المشكلات في مجتمعنا، وأصبحت أكثر ضراوة؛ فأصبحنا نرى العقوق في أبشع صوره ، وأصبحنا نرى حالات الاغتصاب المفرطة ، وأصبحنا نرى انعدام الضمير مثل : الترقيع ، والإسقاط … إلخ .
الحياة رجل وامرأة :
تؤكد الرواية على أن الحياة رجل وامرأة ( آدم وحواء ) ومع غياب أي منهما يختَلُّ التوازن وتتولد المشكلات، وحالة (عم حمدان ) في الرواية تُؤكِّد على ذلك ، وتُذكرني بما يقال عندنا في القرية عندما تموت الزوجة قبل زوجها ؛ فإنهم يصفونه بالفقر ، ويقال عنه : رجل فقري ! 
توظيف التراث :
اِستطاع ” مجدي شلبي ” في روايته هذه أن يوظف أشكالاً عديدة من التراث ، منها على سبيل المثال :
1 ـ التراث الديني : في استدعاء قصة سيدنا آدم مع التفاحة، وكذلك في أبواب جهنم ” لها سبعة أبواب ” سورة الحجر آية 44 ، وفي قصة سيدنا موسى مع فرعون وشق البحر ، والربط بينها وبين أسطورة ” شلقوم ” ، وفي هذه بالذات : بالنسبة للرجل الذي ظنا أنه يتعقبهما ، لكنهما (عم حمدان ، وحفيد صديقه بكر ) اِكتشفا عكس ذلك ؛ حيث قام الرجل بمساعدتهما في الهروب قبل أن يأتي ” شلقوم ” وهي تُوحي بأن المناطق الموبوءة يوجد بها من يحمل قلباً طيباً ، وربما أجبرته الظروف ظلماً على التواجد فيها ، وأنه موجود تحت ضغط المجرمين ، لكنه ما يزال يحمل قلباً طيباً يسعى إلى الخير مع التحفظ والخشية .
2 ـ التراث الفني : في توظيف الأغاني التراثية الجميلة : ( يا حلو صبِّح يا حلو طل ) ، ( يا هناه اللي يفوق من نومه قاصد ربه وناسي همومه ) ، يا صباح الخير ياللي معانا ياللي معانا .
ـ أيضاً توظيفه لبعض السخافات على ألسنة الشباب والشابات مثل :
( ما يقع إلا الشاطر ) ، ( عيب عليك يا شايب يا عايب ) ، ( أنت بتشبه عليَّ يا جدو ) … إلخ .
صناعة حدث كبير ومؤثر من العادي واليومي في رواية قصيرة :
حيث استطاع ” مجدي شلبي ” أن يصنع حدثاً كبيراً من العادي واليومي والبسيط الذي لا يلفت النظر ، اِستطاع أن يصنع شيئاً من لا شيء .
وبها يثبت أنه مثقف ، والثقافة في معناها البسيط : هي معرفة شيء عن كل شيء .
إذن ، هو يطالب بالوعي ، ويطالب بالثقافة ، ويطالب بالعودة إلى القيم والمبادئ والعادات والتقاليد، التي كان يتحلَّى بها مجتمعنا المصري.
كما يُطالَب الأدباء في نفس الوقت بعدم البعد عن واقعنا المعاش.


★ناقد ـ مصر

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى