محمد فهمي:فيلم”Roofman” .. الرجل الغامض بسلامته!


محمد فهمي★
ما زالت السينما تُقاوم شتى عوامل التقنيات الحديثة، وتُدافع عن ماهيتها الحقيقية، باعتبارها محاكاة الواقع. وحتى في عام 2025، ما زالت قضايا الأفراد الحقيقية تشغل بال صُنّاع السينما، وهو ما نجح فيه صُنّاع فيلم Roofman.
الفيلم أمريكي، صُنِّف في المقام الأول كفيلم جريمة وإثارة، ولكن قبل الاكتفاء بهذا التصنيف، علينا الخوض في تفاصيله، وخطوطه الدرامية، والتساؤل عما إذا كان صناعه قد نجحوا في تقديم عمل متماسك، أم أنها مجرد محاولة بائسة؟
قصة الفيلم
الفيلم من بطولة تشانينج تاتوم، كيرستين دانست، وبيتر دينكلاج، ومن إخراج ديريك كيانفرانس. وهو قائم على قصة حقيقية لمجرم يُدعى جيفري مانشستر، وقعت أحداثها في آواخر التسعينات.
يعاني جيفري من أزمة انفصاله عن زوجته، وابتعاده عن أبنائه الثلاثة، الذين يعيشون معها. وفي المرات القليلة التي يلتقي بابنته الكبرى، يُحاول إدخال البهجة إلى قلبها؛ سواء بالاِحتفال بعيد ميلادها، أوتقديم هدية تناسب إمكانياته المادية المحدودة، بعد تركه للجيش الأمريكي. كما يتمنى أن يتجاوز النزاعات المستمرة مع طليقته.

يلتقي جيفري بأحد أصدقائه القدامى في الجيش، الذي يُذَكِّره بإمكانياته الفائقة وقت التحقاهما بالخدمة، ويقترح عليه استغلال تلك القدرات للإنفاق على نفسه وأبنائه.
ومن هنا، يُقرِّر تنفيذ سلسلة سرقات وصلت إلى 45 فرعاً من فروع مطاعم ماكدونالدز، بهدف توفير حياة كريمة له ولعائلته.
لكن الشرطة تكتشف سريعاً التشابه بين الجرائم، ولا يشفع له ذكاؤه أو ملاحظته الحادة، ليُحكم عليه بالسجن لمدة تصل إلى 45 عاماً.
تستغل طليقته هذه الأزمة وتُبعد أبناءه عنه، في حين لا يتوقف هو عن البحث عن عائلته، أو على أقل تكوين عائلة كما كان يحلم، وأن يصبح الأب الذي يُحتذى به ويكون مصدر فخر لهم.

ننقل الواقع كما هو
هذا هذا هو الشعار غير المعلن لِصُنَّاع العمل، فالفيلم قائم على قصة حقيقية، ونقلها كما هي ليس بالأمر السهل، لكن الوصول إلى تفاصيل تلك الحقبة الزمنية، وإدخال الجمهور فيها، كان هو الحل الأمثل.
تم ذلك بأسلوب ذكي لا يُشعر المتلقي بالملل، بَدءاً من بوستر الفيلم نفسه. فعند مشاهدته، تشعر وكأنك أمام فيلم كوميدي خفيف عن شخصية لطيفة، وهو ما يعكس الصورة التي كان يتمنى جيفري مانشستر أن يكون عليها يوماً ما.
الأب الحنون، يرسم البسمة على وجوه أبنائه، ويعيش أجمل لحظات عمره.
اِستند الفيلم إلى حقيقة الطبيعة البشرية، فليس هناك مجرمٌ يُصنع في لحظة، بل هي تراكمات ودوافع تدفع الإنسان إلى اتخاذ قرارات مصيرية، ولأنها شخصية حقيقية، اِعتمد الفيلم على خلق حالة من التناغم الذي بين جيفري والمتلقي، ليضع المشاهد نفسه في مكانه.
هل كان سيفعل الشيء نفسه، أم يرضى بما قُدِّر له؟ لا تندهش إذا شعرتَ بتعاطف كبير مع المجرم، وتمنّيتَ في لحظة ما أن تبتعد عنه الشرطة، فهو ليس المجرم التقليدي الذي ينفر منه الجميع، بل شخص يحصل على ما يريد دون أن يؤذي أحداً، ويحاول دائماً طمأنة ضحاياه، وعدم بث الرعب في قلوبهم.

تشانينج .. الأفضل
في اعتقادي، يُعَدُّ هذا الأداء هو الأفضل في مسيرة تشانينج تاتوم الفنية. فالشخصية صعبة، حائرة، ومشحونة بالمشاعر المتناقضة، وقد نجح في تقديمها بشكل لافت.
تعبيرات وجهه كانت صادقة، حتى في لحظات الصمت، والتي تُجبرك أحياناً على التعاطف مع جيفري مانشستر.
كيرستين دانست ظهرت ببساطة وجمال حقيقي، دون الحاجة لعمليات تجميل لا تُناسب الفئة العمرية التي تلعبها.
متصالحة تماماً مع ملامح الزمن، وقد نجحت رغم ظهورها المتأخر في إبراز الجانب العاطفي
من شخصية جيفري، وأصبح الحب الأعمى هو من يقوده نحو مصيره المحتوم.
ولا يمكن تجاهل الأداء العبقري لبيتر دينكلاج، الذي قدَّم شخصية المدير الغليظ، المتنمر على موظفيه، والذي يرى العمل أمراً مُقدَّساً لا يقبل التهاون، رغم أن هذا الخط درامي لم يُستغل بالشكل الكافي.
الخطأ معدوم .. والتنفيذ عبقري
اِعتمد المخرج ديريك كيانفرانس على تحقيق توازن دقيق في كل تفاصيل الفيلم من التصوير، والديكور، والمونتاج، إلى السيارات، وأجهزة التلفاز، وحتى ألعاب الأطفال، وكلها تعكس موضة وبصمة أوائل الألفينيات، ولم ينسى أسلوب وطريقة البيع لموظفي متجر ألعاب الأطفال.
كما حافظ على الخطوط الدرامية والنفسية لدوافع البطل، مُكرراً إياها بذكاء لتذكير المتلقي بأن هذا الرجل العفوي والرومانسي يتخفّى خلف قناع مجرم هارب من العدالة.
ورغم ذلك كان هناك تَكرار في بعض المعلومات، وكان من الممكن اختزالها، خاصة الخط الدرامي المتعلق بابنة حبيبته الجديدة، والذي لم يضف جديداً لتطور الأحداث.
تميز الفيلم بواقعيته، وهو نوع أصبح نادراً في دور العرض حالياً، إذ يناقش قضايا تتعلق بمحدودي الدخل، وهي معاناة تعكس حال شريحة واسعة من المجتمع.
وفي النهاية، عُرضت صور ومقاطع فيديو للأبطال الحقيقيين، مع تتر ختامي يكشف مصير جيفري مانشستر، الذي ما زال خلف القضبان، على أن يتم إطلاق سراحه بشروط في عام 2036.ورغم بساطة الحبكة، كونها منقولة من الواقع دون تغيير، فإن إحكام التفاصيل في تقديم تلك الحقبة الزمنية تجعلك تتغاضى عن أي معوقات للمشاهدة، فالفيلم يناقش قضية وقعت في عام 1998، لا في 2026.
★ كاتب ـ مصر




