رأي

حنين سالمة:مجلة نقد × نقد… حين تتخذ حرية الرأي والتعبير مقامًا لها.

احتفالاً بدخول المجلة عامها الرابع.

يسرني أن أكتب اليوم عن مجلة كانت بالنسبة إليّ أكثر من منبر نشر، كانت عتبة العبور الأولى إلى فضاء القول الحر، والنافذة التي تنفست منها تجربتي النقدية في بداياتها. منذ تخرجي من المعهد العالي للفنون المسرحية قسم النقد والأدب المسرحي وجدت في مجلة نقد × نقد فضاءً يتّسع لصوتي دون وصاية، ومنصّة تؤمن بأن الكتابة فعل حر قبل أن تكون مهنة، وبأن المقال ليس بيانًا أيديولوجيًا بقدر ما هو ممارسة جمالية وفكرية تنشد الصدق.
فتحت لي المجلة باب الاطلاع والكتابة دون قيود فكرية أو محاذير تفرغ النص من روحه. كان الشرط الوحيد أن يكون المقال منحازًا إلى الأدب أو الفن، وأن يُكتب بوعيٍ نقدي وبصوتٍ صادق.
وفي زمن تتكاثر فيه محاولات الهيمنة على الخطاب الثقافي وتوجيهه وفق أجندات ضيقة، بدا هذا الهامش الحر استثناءً نادرًا يستحق الامتنان.
لم تقتصر قيمة المجلة على كونها منصة نشر، بل شكلت جسرًا معرفيًا يربطني بالحركة الفنية والفكرية في الوطن العربي. عبر صفحاتها عرفت عن مهرجانات مسرحية في مصر، وندوات فكرية في العراق، وإصدارات وتجارب تتجاوز المحلي إلى الأفق العربي الرحب.
خلال هذا العام، تنوعت كتاباتي بين تغطيات نقدية وأخبار ثقافية: من مهرجان مسرح الطفل في الكويت، إلى إشكالية الإعلانات في مسارح الطفل، مرورًا بتغطية معرض “نبض الحديد” بما يحمله من اشتغال على المادة وتحويلها إلى دلالة. كما تناولت أخبارًا مفرحة وأخرى موجعة، من خبر إنتاج أول فيلم قصير من تأليفي، إلى رحيل الكاتب المسرحي فرحان بلبل، الذي ترك أثرًا لا يمحى في المشهد المسرحي العربي.

غير أن المقال الأقرب إلى قلبي سيظل نصًا كتبته قبل ثلاث سنوات بعنوان “خطوات مكبّلة بالأغلال”. لم يكن مجرد مقال، بل خلاصة رحلة امتدت قرابة عام، تشابكت فيها مشاعر الأسى والفرح، والخذلان والرجاء. كان نصًا يتقاطع فيه الذاتي بالموضوعي، ويختبر فيه النقد حدوده بين الشهادة والتحليل، وبين البوح والتأمل.
أما عن واقع الكتابة والنقد اليوم، فإن التحديات لم تعد أحادية البعد، بل باتت شبكة معقدة من الإشكالات المتداخلة، يمكن تلخيص بعضها في النقاط الآتية:
أولًا: صعوبة البروز في فضاء مكتظ
في ظلّ فيضان الأعمال الفنية وتكاثر الاتجاهات النقدية، ومع ظهور آلاف الهواة والمحترفين على حد سواء، أصبح من العسير على الناقد أن يجد موقعًا واضحًا لصوته. المشهد أشبه بسوق صاخب تتجاور فيه النصوص، وتتنافس على انتباه متلق مرهق.
ثانيًا: تغليب الإثارة على القيمة الجمالية
سعيًا وراء التفاعل السريع، يلجأ البعض إلى العناوين المستفزة والآراء الحدية التي تثير الجدل أكثر مما تثير التفكير. يهمل الاشتغال على اللغة بوصفها بنية دلالية وجمالية، ويختزل النقد في رد فعل آني. هذه النزعة لا تمس الكتابة النقدية وحدها، بل تمتد إلى مختلف الحقول الفنية والأدبية، فتؤثر في الذائقة العامة وفي مفهوم الجودة ذاته.
ثالثًا: تراجع الدور النقدي المؤسسي
تقلّصت المساحات المتخصصة في النقد الجاد، وغاب في كثير من الأحيان الحوار العميق القائم على التحليل البنيوي والسيميائي واستقراء السياقات الثقافية. ونتيجة لذلك، تراجع حضور الناقد بوصفه وسيطًا معرفيًا بين العمل والمتلقي، وبات دعمه محدودًا في ظل تحولات السوق الثقافي.
ومع ذلك، فإن التاريخ الثقافي يعلمنا أن التحولات، مهما اشتدت، لا تثبت على حال. يبقى الشغف هو الوقود الحقيقي للكاتب، وتبقى المثابرة شرطًا جوهريًا لنضوج التجربة. قد تتأخر الثمار، وقد يطول الطريق، لكن الإيمان بقيمة الكلمة كفعل مقاومة جمالية وفكرية يجعل الرحلة مستحقّة.
ختامًا، أتمنى لمجلة نقد × نقد التي احتضنت أصوات نقادها ومنحتهم فضاءً رحبًا للتعبير مزيدًا من التطور والازدهار. فهي بيتي الأول للنقد الذي أحلم به: نقدًا حرًا، رصينًا، ومنحازًا إلى الجمال والإنسان.


★ناقدةـ الكويت.


مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى