طارق بن هاني:متى يضطر المبدع للتنكر لإبداعه؟


طارق بن هاني★
في الذّاكرة الإبداعيّة العالميّة أسماء جمعت بين الإبداع والتّنظير، وإذا كان المبدع إنسانًا – في الأصل – والإنسان لا يعدِم رؤية تكمن وراء تفكيره وسلوكه، فإنّ الأمر هنا يختلف، لأنَّ المبدع لا يكتفي بالرؤية كامنةً، بل يخرجها من كمونها – بعيدًا عن مخاتلة الأدب – لتصير مشروعًا فكريًّا مباشرًا موازيًا لمشروعه الأدبيّ، نعرف من هؤلاء في التَّاريخ – على سبيل المثال لا الحصر – فولتير، وسارتر، وبريخت، وغيرهم…
وفي العالم العربيّ، نعرف – على سبيل المثال – صنع الله إبراهيم في الرواية، وعبد الأمير التّركيّ في المسرح الكوميديّ، على الأقلّ في مواقفهما التي يعبّران فيها عن مواقفهما الفكريّة والاجتماعيّة والسياسيّة، إن لم يكن لهما إنتاج فكريّ محض، ويمكن أن نضمّ إلى القائمة طه حسين، وغازي القصيبي، إلا أن الأمر معهما لم يكن بوضوحه مع الأولين في تقديري، إذ هما اتّصلا بقضايا شتّى لا يتبين معها موقفًا فكريًّا واضحًا، ولا أدري إن كان يصحُّ أن يعدّ تنظيرهما صدى لإبداعهما، أو العكس. وكذلك تجربة مدرسة الدّيوان مع العقاد والمازنيّ وشكري.
ومن هنا ينبثق هذا السؤال، هل كان المبدع العربيّ منظّرا فكريًّا بالمعنى الذي يدفعه إلى إنتاج فكريّ موازيًا لإبداعه؟ لا يبدو الأمر بهذا التجلّي والوضوح والتكامل – كما عند فولتير وسارتر وبريخت -، إلا في حالةٍ فذَّة يمثِّلها أدونيس الذي جمع بين التنظير للشّعر والحداثة ومناقشة الطوارئ الحضاريّة للشرق العربيّ، وإبداعه للشِّعر، لتكون قراءة الفكريّ مشروطةً بقراءة الإبداعيّ أو العكس في سياق التّجربة الأدونيسيّة نفسها.
وليس الهدف تقييم هذه الأمثلة، ولا حسم الموقف تجاهها، لكن الذي يلفت النّظر في هذه المسألة، هو أن الإبداع لا ينفصل عن الفكر أبدًا، ولم لا يدفعنا ذلك لا إلى مساءلة ذلك المركّب (الفكريّ – الإبداعيّ) ومنابعه وملابساته فقط؟ بل إلى الفكريّ في قطيعته (المزعومة) عن الإبداعيّ، لا من أجل تصنيفه في ثنائيات التقليدي والحداثي، أو اليساريّ واليمينيّ، أو الجيد والرديء، كما جرت العادة، بل للنّظر فيما يمكن أن تقولَه تلك التجارب للأجيال الصاعدة.
فمتى يُضطرّ المبدع للتّنظير، والتنكُّر – مؤقتًا – لإبداعه؟
أستفيد من هذه المسألة أيضًا، أن الأدبَ لم يكن ضربًا من المجّانيّة – كما يتصوّر بعض المبدعين؛ فضلاً عن غيرهم -، وإن خلود بعض الآداب لم يتأتَ إلا لتواشجها والأفكار التي عبّرت عنها، والتي جاءت تعبيرًا عن مؤلّفها، وتجربته الخاصة، وملابسات عصره، وأسئلته، ملقّحة آفاق وإمكانات التلقّي، وذلك ما سيعني أن الأدب لا يقول كلّ شيء في أدبيته، بل يقول أشياء أخرى تتجاوزه، أو تسبقه.
نعود مجددًا لنقول؛ أن يكون المبدع مفكّرا شاعرا بالرؤية الكامنة فيه أمرٌ، وأن يكون منظّرا صاحب مشروع فكريٍّ موازٍ، يبرر، أو يمهد لمشروعه الإبداعي، أمرٌ آخر.
وما الذي يعنيه غياب أو تغييب ذلك النوع من التّنظير؟
هو في المجمل قد يعني أشياء كثيرة، قد يشير إلى موقع المبدع المعاصر من إبداعه، وقد يشير إلى مدى أسئلته ونضجه الفلسفيّ، وإلى ملابسات مجتمعه، وربما إشكالات الحضارة التي ينتمي إليها، وأشياء أخرى.
كما يتعذّر فهم أدب فولتير، وأدب سارتر، وأدب بريخت، وأدب أودونيس، بالعمق الذي يفرضه اطلاعنا على إنتاجهم الفكريّ، أو النقديّ، أو الفلسفيّ.
★ناقد ـ عمان.




