شيماء مصطفى: “بلاغة الكود” لمدحت صفوت..هل تلاشت سلطة الناقد في ظل توغل السوشيال ميديا ؟!


شيماء مصطفى ★
في كتابه ” لذة النص” تعامل رولان بارت مع العنوان باعتباره نصًا صغيرًا، فهو بالنسبة له بمثابة مفتاح للنص الأكبر، وفي كتاب ” بلاغة الكود” حاول مدحت صفوت في عنوانه كولجة الأصيل بالمعاصر من خلال ربط ” البلاغة” باعتبارها علم عربي أصيل بـ ” الكود” المعاصر من خلال إيجاد الثيمات المشتركة بينهما ؛ لخلق دلالات جديدة مع ضمان الاستمرارية الثقافية دون أن تطغي الرقمنة على صدق التجربة التي تميز الكتابة البشرية عن الكتابة الآلية عبر تقنية الذكاء الاصطناعي التي تفتقر إلى العاطفة ومن ثم الثأثير، ولا يعني الكاتب هنا في “بلاغة الكود ” أنه قام بإسقاط المفاهيم التراثية “البلاغة “على وسيط معاصر” الكود” قدر ما يتم توظيف الكود لخدمة النص دون الهيمنة عليه ، ودون أن يسلبه أثره، فالعلاقة بينهما علاقة تكاملية لا إحلالية.
كما حاول توظيف الواقع السيوسولوجي لتحرير الإبداع ، أو ربما توظيف الإبداع لخدمة الواقع السيوسولوجي المتصدع والمحفوف بالمخاطر من علاقات سطحية متآكلة، وأمراض تهدده بالتلاشي بعدما نجحت في كشف تناقضات الحداثة، وضغط رقمي بأكواد تفتت هويته ، وذلك بالاستناد على بلاغة الأكواد لخلق جمالًا يدثر به كل ما هو مؤرق ومرير، من أجل تهذيب الألم والفوضى وجعلهما قابلين للترميم، فالأكواد لم تعد رمزًا للتصدع والكسر بل أصبحت أداة ترميم تعيد صياغة الواقع السيوسولوجي إذا ما نجحنا في استخدامه على النحو المرجو فلا يصبح الإبداع مميكن ولا يتم أنسنة الآلة.
ففي دراسة التحولات الاجتماعية والثقافية يحتم على الكاتب الاتكاء على المنهجين السوسيولوجي والثقافي؛كي لا نعزل النص عن سياقه من جهة ، ومن جهة أخرى كي لا نعزل المتلقي عن العملية الإبداعية إذ تحول من متلقٍ إلى شريك فعّال من دون أن يتم طمس مخاوفه داخل نسق تقني ولهذا كان من المنطقي الاعتماد عليهما في البناء.
البلاغة أم النقد وهل يمكن أن يكون للأكواد بلاغتها؟
في الكتابة الإبداعية تنشغل البلاغة بكيف يقال النص، ووفقًا لما ذكره عبد القاهر الجرجاني في كتابه “أسرار البلاغة” فيما يخص موضوع “تعليل بلاغة الكلام بتأثيرها في النفس”، وهو نفسه من قال أن :
“النفيس يبذل بكثرة الاستعمال” للتأكيد على أن قيمة الشيء تفقد بالإفراط في تداولها، وإن كانت البلاغة تنشغل بالطريقة التي قيل بها النص فإن النقد ينشغل بالسياق السيسولوجي والأيدلوجي الذي انبثق منه النص، وبربط النقد والبلاغة والأكواد التي تتعامل بنظام رقمي محكم (نظام العد الثنائي) ، للوهلة الأولى يظن البعض أن ثمة تعارض بين لغة الأرقام (الأكواد) واللغة الطبيعية ، ولكن يأتي صفوت ليؤكد بعد الاطلاع بعين ناقد في عدة مصادر ومراجع متعددة لينفي هذا التعارض وليؤكد على أن داخل منطقية الأكواد ربما يكمن الجمال .
يفسر القارىء النص وفقًا لتجربته وثقافته ، فلا يصبح النص ملكًا لمؤلفه، ونادى بارت بمقالته الشهيرة ” موت المؤلف” بضرورة فصل أعمال الأدب عن مؤلفيها، لكي يحرر النص من التفسير الاستبدادي.
وتحت عنوان “الحاجة إلى النقد..موت الناقد في عصر البابليك فيجرز” تناول صفوت فكرة تحول دور الناقد وتلاشي سلطته على القارىء لاسيما بعدما توغلت السوشال ميديا داخل العقول فتلاعبت بالعواطف ، وشكلت ضغطًا اجتماعيًّا على البعض الآخر ، فساهمت في الترويج والتضليل، وهذا يحتم على الناقد إذا ما أراد الاستمرار أن يتراجع عن دوره السلطوي التقليدي؛لأن في عصرنا الحاضر بات الرأي يُصنع عبر المنصات؛ لذا عليه أن يدرك أن هذه المنصات الرقمية ليست مجرد طريقة للنشر، ولكنها بيئة مستحدثة تركت أثرًا ، وكسرت احتكار المؤسسات للنص ومن ثم النقد، ولهذا لم يعد المبدع منعزلًا عن هذا الفضاء الافتراضي بل بات جزءًا منه.
ورغم أن الكتاب يصنف على أنه كتاب يعنى بالنقد، إلا أنه في تناوله للفنون باعتبارها آلية مقاومة ضد ما يؤرق الإنسانية من مخاطر يوجه للإنسان بشكل عام وليس للناقد فقط؛ لأن الفنون تعزز التوازن النفسي وتتيح لمنتهجها مساحة لفهم العالم وتقبله، فلا شيء غير الفن بمقدوره أن يصيغ من الألم جمالًا، ولا أحد غيره يقدر على إعادة تشكيل الذات بعد وسط ضجيج الفوضى.
زخر الكتاب بمصطلحات ومفاهيم ثرية تم تناولها كنت أريد التوسع في طرحها وتناولها بالتحليل والتفكيك حتى وإن كان في الهوامش كــ”الهانتولوجي،الدادئية،الكود،السيسولوجي،كرونولوجيا” كما طرح العمل عدة تساؤلات منها :هل الفن التوليدي مهددًا للفنان أم موسعًا لمداركه؟ ولكن أخطرها برأيي : هل يمكن أن نصنع مبدعًا؟ التمرد على القولبة.
الكتاب مختلف في طرحه ويحمل دعوة للتمرد على القولبة، ويؤكد مدحت صفوت من خلاله أن العالم الآن بقدر ما يخلق من إنجازات تخلب العقول بقدر ما ينتج مخاطر تهدد أمنه واستقراره سواء كانت رقمية أو وبائية؛ لذا فإنه يقدم نصيحة مخلصة لكل مبدع يرغب في استخدام الكود كأداة إبداع لا هيمنة.
★سكرتيرة التحرير.




