مسرح

حيدر الجعيفري:” أهمس في أذني السليمة” ..الهمس بوصفه مقاومة.

 


حيدر محمد الجعيفري

يستعيد العرض المسرحي (أهمس في أذني السليمة) المُعدّ والمُخرج من قبل د.محمد حسين حبيب ، الذي أدّى دور (ماكس)إلى جانب أحمد عباس بدور (تشارلي)، جوهر النص الأصلي (لوليم هانلي) لكنّه لا يكتفي بإعادة إنتاجه، بل يعيد تفكيكه وإعادة بنائه ضمن سياق مجتمع عراقي مشبع بالذاكرة، والخسارة، والتشظي النفسي والاجتماعي.

كما فعل مسبقآ المخرج محمد حسين حبيبب في مسرحية (لعنة بيضاء) حين كسر قاعة العرض التقليدية واختار فضاءً رياضياً، يواصل هذا العرض الرهان على تحرير المكان المسرحي، متخذاً من فضاء نقابة الفنانين في بابل ساحةً للعرض، ليحوّل المكان إلى ما يشبه حلبة صراع وجودي بين شخصيتين هرمَتين، تتنازعهما الذاكرة والنسيان، النقاء والتردد، الضحك والبكاء.

الفضاء هنا يشبه حلبة مصارعة لا يعمل بوصفه إطاراً شكلياً، بل كتصور فلسفي قريب من رؤية (ميشيل فوكو) حول الفضاءات غير المتجانسة، حيث يصبح المكان نفسه شاهداً على الصراع، لا مجرد حاضن له، بينما التوزيع المتوازن لحركة الممثلين على الخشبة يعكس صراعاً جدلياً مستمراً، أقرب إلى ما وصفه (هيغل) بصراع الأضداد، حيث لا ينتصر طرف، بل تستمر الحركة بوصفها شرط الوجود، حيث اعتمد العرض على سينوغرافيا مقتصدة لكنها شديدة الثراء الدلالي ومنها الكراسي التي تحوّلت إلى كرسي اعتراف، كرسي خوف من الموت والبرد، واحيانا منصة للصعود حلم، ومرة أداة مواجهة وحوار، وسيلة للتخفي انسحاب من الواقع، هذا الاستخدام المتحوّل ينسجم مع مقاربة (أنطونان آرتو) في (مسرح القسوة) حيث تتحرر الأشياء من وظيفتها اليومية لتغدو لغة صادمة ومفتوحة على التأويل، ويعمل الجسد والذاكرة من خلال تجسّد الشخصيتان حالتي الزهايمر والنسيان المتقطّع، لكن العرض لا يتعامل مع المرض بوصفه حالة طبية، بل كاستعارة وجودية عن(ذاكرة جمعية مثقلة، ماضٍ لم يُحلّ، طفولة مشروخة لا تزال فاعلة) وهنا يمكن ربط هذا الأداء برؤية (سيغموند فرويد) حول (عودة المكبوت) إذ تعود أحداث الطفولة، وما تعلّمه الطفل داخل البيت المليء بالأسرار، لتطفو على السطح في لحظات ضعف الوعي، وحالة البكاء لدى الشخصيتين، فيصبح الماضي هو الساحة الوحيدة للصراع، كما وظف المخرج إشارات التسكع، التشرد، التسول، كبنية اجتماعية ضاغطة تُعيد تشكيل الشخصية، وتجلى هنا العنف باستخدام السلاح ليس مادياً فقط، بل رمزي، يتجسد في الإقصاء، والتهميش، وفقدان الصوت داخل مجتمع يضج بالكلام ولا يُصغي، ثم نشاهد أثناء العرض تقلبات أدائية حادة تجلت (بكاء حقيقي، ضحك هستيري، كوميديا ساخرة، وضحك يحمل طابعاً مأساوياً) هذه التقلبات تضع العمل ضمن تقاليد الكوميديا التراجيدية التي تحدث عنها (برغسون) حيث يصبح الضحك آلية دفاعية ضد الألم،، لا وسيلة للترفيه، ثم استخدم ( الحبيب ) رموز اسميها رموز صامتة، مثل(السيجارة، الرمان، الرقص) فالسيجارة جاءت كزمن يُحترق ببطء، بينما رمزية الرمان رمز مزدوج للحياة والخصوبة، ليأتي دور الرقص وهي لحظة تحرر مؤقتة للشخصيتين كمقاومة جسدية ضد الفناء، بالتالي هناك قراءة قريبة من (غاستون باشلار) في تأمله للرموز اليومية بوصفها حوامل للذاكرة العميقة، كما أكد (باشلار) على أهمية المكان المعادي ومكان الفرح والألفة والطفولة، ثم يتحول مفهوم الهمس من الضعف إلى موقفاً أخلاقياً في مواجهة عالم صاخب، فالهمس هنا بمثابةالحقيقة الاعتراف،الصوت الداخلي وعليه لا قيمة للكلام إن لم يكن قائماً على الإصغاء….

وفي النهاية يقدّم العرض المسرحي (أهمس في أذني السليمة) تجربة مسرحية عالية الحساسية، لا تكتفي بسرد حكاية شخصيتين هرمتين، بل تفتح جرحاً جمعياً يتصل بالذاكرة، والتنشئة، والفقر، والعزلة، وفقدان المعنى، إنه عرض يؤكد أن المشكلة ليست في من لا يسمع، بل في مجتمع فقد القدرة على الإصغاء، وأن الهمس قد يكون آخر أشكال المقاومة الإنسانية في زمن الضجيج.

مسرحية(أهمس في أذني السليمة)
تأليف: ويليام هانلي
إعداد وإخراج: أ.د.محمد حسين حبيب
تمثيل : أحمد عباس و، أ.د.محمد حسين حبيب
مكان العرض : نقابة فنانين بابل
تاريخ العرض : ٢٠٢٦/١/٩ .


★ناقد ـ العراق

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى