سيف الأمير: “أم كلثوم”.. دايبين في صوت الست «حين يستعيد المسرح الغنائي المصري هيبته.


سيف الأمير★
في لحظة فارقة من تاريخ المسرح الغنائي المصري، تأتي مسرحية »أم كلثوم.. دايبين في صوت الست «لتؤكد أن هذا الفن العريق لا يزال قادرًا على استعادة بريقه، متى توافرت له الرؤية، والجرأة، والاحترام العميق لقيمة ما يُقدم. العمل، الذي أنتجه وألّفه الدكتور مدحت العدل، لا يقدّم مجرد عرض غنائي عن كوكب الشرق، بل يطرح تجربة مسرحية متكاملة، تليق باسم أم كلثوم، وبمكانتها في الوجدان العربي.
منذ اللحظة الأولى، يعلن العرض عن نفسه بوصفه رحلة عبر الزمن، لا تكتفي بتتبع المسيرة الفنية لأم كلثوم من قرى الدقهلية إلى قمة المجد، وإنما تنفذ بذكاء إلى عالمها الإنساني، وتكشف عن التكوين الداخلي لأسطورة صنعت وجدان أمة كاملة. هنا تحضر “الست” لا بوصفها أيقونة متحجرة، بل كإنسانة من لحم ودم، عرفت الطموح، والتحدي، والقلق، والقدرة النادرة على تحويل المعاناة إلى فن خالد.
نص الدكتور مدحت العدل يتسم بوعي ثقافي وفني واضح، ويبتعد عن فخ التقديس الأجوف أو السرد التوثيقي الجاف، ليقدم كتابة درامية متوازنة، تنحاز إلى الجوهر لا إلى الاستعراض. العدل يخوض ما وصفه بنفسه بـ “المغامرة”. وهي بالفعل مغامرة محسوبة، تقوم على إعادة إحياء ذاكرة الفن المصري بلغة مسرحية معاصرة، تحترم التاريخ دون أن تتجمد داخله.

أما الإخراج، فقد نجح أحمد فؤاد في الإمساك بخيوط عرض بالغ الصعوبة، يجمع بين الغناء، والدراما، والاستعراض، دون أن يطغى عنصر على آخر. الإيقاع محكوم بدقة، والانتقالات الزمنية جاءت سلسة، ما منح العرض حالة من الانسياب، جعلت المتفرج شريكًا في الرحلة لا مجرد متلقٍ لها. ويحسب للإخراج قدرته على خلق صور مسرحية ذات دلالة، بعيدًا عن الزخرفة المجانية.

الموسيقى والألحان، التي وضعها خالد الكمار وإيهاب عبد الواحد، تشكل أحد أعمدة العرض الأساسية. فهي لا تحاول استنساخ تراث أم كلثوم، بل تحاور روحها، وتعيد تقديم مناخها السمعي بما يتناسب مع المسرح الغنائي الحديث. جاءت الألحان معبرة، متوازنة، وتحمل احترامًا واضحًا لذائقة الجمهور وذاكرته الموسيقية.

في المُجمل، تُمثل مسرحية مسرحية »أم كلثوم.. دايبين في صوت الست «علامة مضيئة في مسار المسرح الغنائي المصري، ودليلًا على أن الاستثمار في الفن الجاد، حين يقترن بالاحتراف والرؤية، قادر على استعادة الثقة بين الجمهور والمسرح. إنه عرض لا يكتفي بالاحتفاء بأم كلثوم، بل يحتفي بالفن المصري ذاته، ويذكرنا بأن لدينا من التاريخ والموهبة ما يكفي لصناعة حاضر يليق بالماضي، ومستقبل يستحق الرهان.
★ كاتب صحفي ـ مصر.




