نواف الربيع:دراما تفقد عقلها: كيف تراجعت الكوميديا في الدراما التلفزيونية الكويتية؟

نواف جمال الربيع★
في كتابه (فرانسوا رابليه والثقافة الشعبية) يكتب “باختين”: الضحك يُحرِّر الإنسان من الخوف، ويُقرِّبه من العالم.
وهي عبارة صريحة تختزل قيمة الضحك والكوميديا في حياتنا، فليس الضحك نقيض البكاء والجدية دائماً، إنما هو فرصة لزعزعة الخوف المرسوم حولنا ومناوشته بطريقة آمنة. تبرز تلك العبارة ل”باختين” في رؤيتي لتاريخ المسلسلات الدرامية في الكويت، التي انطلقت بخطها الكوميدي منذ البداية، حين أدَّى “عبدالحسين عبدالرضا” شخصية (بوعليوي) في أول مسلسل يُعرَض في منطقة الخليج العربي عام 1964، ناقلاً العمل من أثير الإذاعة إلى شاشة التلفاز، لِيُدَشِّن تلفزيونُ الكويت بذلك سلسلةً من الأعمال الدرامية المُتوازِنة بين التراجيديا والكوميديا حتى يومنا هذا.
لم تكن الكوميديا آنذاك طارئة، بل وليدة تحوُّلات المجتمع ونتيجة طبيعية لتغييراته الاجتماعية والنفسية والاقتصادية، وهو أشبه بوعي فني خالص، يُعيد للمجتمع توازنه ويُؤازره على ذلك، دون أن يُثير ضجيجاً من التنظيرات والرؤى، الصاعدة بنبرتها على المجتمع، لكن الكوميديا برزت من المجتمع وهمومه ووجعه إلى التلفزيون مُدوِّنةً بذلك تأريخاً فنياً لقضايا تلك المرحلة، مثل قضية التثمين في مسلسل (درب الزلق ورقية وسبيجة)، وقضايا الانتخابات وتحوُّلات بعض الأفراد في الحياة السياسية كما في مسلسل (العتاوية) 1980 لـ”عبدالحسين عبدالرضا”.

في طفولتي كانت المسلسلات الدرامية الرمضانية، وسيلة حقيقية للضحك والكوميديا، بخاصة بأوقات بعد الفطور، وفي ذاكرتي مُنوعات “داوود حسين”، و”حسن البلام”، و”انتصار الشراح”، و”عبدالناصر درويش”.. والكثير من مسلسلات “عبدالحسين عبدالرضا” و”حياة الفهد” و”سعاد عبدالله” التي تقتنص من تراجيديا العمل مساحات للضحك والكوميديا، إلّا أننا وخلال الخمسة أعوام الماضية، لاحظنا نكوص الكوميديا وتراجعها في الأعمال التلفزيونية، رغم محاولة العديد صناعة أعمال كوميدية إلّا أنها أعمال عرجاء، باهتة في كثير من الأحيان، وتفتقد لمعنى الفكاهة والكوميديا، مقتصرة على السخرية والاستنقاص، وكوميديا مسرحية مُفتَعَلة لا تُناسب النص الدرامي – المُفتَرَض بأنه مكتوب- ولا أجواء العمل الفني، لكن لماذا الأعمال الكوميدية ضرورية؟ ولماذا تراجعت الكوميديا والفكاهة عن شاشات تلفزيوناتنا وأجهزتنا اللوحية؟
يُؤكِّد حضور الكوميديا في الأعمال التلفزيونية على حقيقة الكوميديا بوصفها بنية درامية متكاملة، إذ كانت الكوميديا تُقدَّم لمساءلة الواقع، وحاضرة بين شخوصه الدرامية المُقتَبَسة من المجتمع، والناقمة في بعض الأحيان على حالته والمُتمرِّدة عليه. ربما يُقارب ذلك رؤية “باختين” للضحك والكرنفالات الشعبية، وهي رؤية مغايرة لرؤية “أفلاطون” للضحك والكوميديا؛ حيث توجَّس “أفلاطون” من الضحك، ودعا لضبطه في مدينته الفاضلة لما فيه من استنقاص وسخرية من الأدنى، بينما جعل “باختين” الضحك وسيلة لتهديد ما هو راسخ ومقدس في المجتمعات، ووسيلة للتصريح بما يمنع التصريح به، أو يخشى مناقشته. تختصر تلك الفكرتان من شكل الكوميديا في الأعمال الدرامية التلفزيونية في الكويت، إذ نجد الكوميديا التلفزيونية مزيجاً بين الاثنين مع تركيز واضح في أعمال السبعينبات والثمانينيات، مثل (درب الزلق) و(خالتي قماشة) و(على الدنيا السلام) على حضور الكوميديا باعتبارها منطقة آمنة للكشف عن العالم وتشخيصه ونقده بتعبير يسمح بتمرير ما يصعب تَقَبُّله، أو تخفيف حِدّة الحقيقة بشكل أو بآخر.. واستمر هذا الشكل حتى بداية الألفية، لتحضر أعمال مثل، قريعان وفضائيات وغيرها بمشاهد تقليد كوميدية تضايق فكرة مرعبة، أو سلوكيات مرفوضة في كثير من الأحيان.

أما في تجربة “عبدالحسين عبدالرضا” فنجد مسلسل (زمان الإسكافي) الذي كتبه “زهير الدجيلي” وأخرجه “عبد العزيز المنصور” لِيُقَدِّموا و”عبدالحسين عبدالرضا” أسطورة الوالي بوشجاع والإسكافي” منتقدين حالة الفساد والفوضى في بعض الدول العربية، وبحالة فريدة – تطابق رؤية “باختين” في الضحك- يقلب الضحك والفكاهة في العمل الفني الحالة الشائعة لنجد أن حكاية الإسكافي المُهَمَّش أهم من كرسي الوالي بوشجاع، وأن دهاليز القصر – في المسلسل التلفزيوني – بداية لفساد السوق والمجتمع.. وهو انقلاب لم يكن يتحقق، لولا الكوميديا التي تسمح بفضح المحاذير.
أما في تجربة “داوود حسين” يكفينا الاستشهاد في مسلسل “إرهابيات” 2001 من تأليف “يوسف معاطي”، وبطولته “داوود حسين، حسن البلام، طيف وآخرون”، الذين سخروا من صورة الكيان الصهيوني ورؤسائها آنذاك مُحَوِّلين الظلم والظغيان مادة للتهكم والسخرية، وهو تجسيد صريح لقيمة الكوميديا حسب رؤية “باختين” الخاصة بالضحك والكرنفال الشعبي.
يرسخ “زمان الإسكافي” و”إرهابيات” من رؤية الكوميديا للضحك كـآلية من آليات مشاغبة الوضع القائم بوجود مسافة آمنة، تُحافظ على عدم الاصطدام به، وشكل من أشكال تقويم المجتمعات بتفاوض لا هجوم أو عداء.

وهكذا كانت الدراما التلفزيونية الكويتية تتنوع في حضور الكوميديا والتراجيديا، بين الضحك والمأساة… محافظة على أشكال الكوميديا وحضورها الحقيقي وقيمتها، لتتحول الكوميديا التلفزيونية – بفترة ما- إلى وسيلة تستقطب الإعلانات، وتسد من الفجوات الإنتاجية، ولم يتحقق ذلك إلا بانتقال الكوميديا وشخوصها من خشبة المسرح إلى شاشات التلفاز، بطريقة تتمادى على النص الدرامي المكتوب وتُدَجِّنه – في كثير من الأحيان- أمام شخوص الفرق المسرحية رغبة في إرضاء جمهورها الخاص، ناقلةً إياهم من المسرح إلى فضاء التلفاز، وهنا فقط كانت أولى مراحل تراجع الكوميديا وفقدان الدراما عقلها المتزن، إذ أصبح النص التلفزيوني يأتي بشخصيات فائضة على الحبكة الدرامية لغرض الإضحاك، وتحوَّلت الكوميديا من أداة تسوية اجتماعية ثقافية إلى فعل استهلاكي طارئ عن مبررات النص الدرامية، بحالة أشبه بانفصال الكوميديا عن البنية الدرامية، تُشبِه الفواصل الإعلانية، التي تأتي بغرض الانتشار والتسويق والضحك وإعادة تكرار الحالات المسرحية إلى التلفاز باختلاط المفاهيم والأشكال وتداخلها.
أمام تلك الحالة، صارت وسائل التواصل الاجتماعي خياراً نقدياً انطباعياً سريعاً لمشاهد مقتضبة من المسلسلات الكوميدية المنشورة عبر تيك توك وانتسغرام وغيرها، فما بين مستحسن ومستهجن عَرف صناع تلك الأعمال الكوميدية ما هو الأكثر انتشاراً ورواجاً بين الجمهور منتجين بذلك عدداً من المسلسلات الكوميدية، التي تُناسِب أهواء الجمهور وتتماشى مع حاجته بإقصاء واضح وصريح ومباشر للنص الدرامي الكوميدي وحاجته، فلم تعُد الكوميديا قضية إنما فرصة انتشار وساعة ضحك، ولم تعُد القيمة في التصريح بما يصعب التصريح به، بل في عدد المشاركات والإعجابات والتعليقات في وسائل التواصل الاجتماعي.. ومثلما ابتدأت الحكاية بمهزلة تسويقية مفصلة حسب مزاج الجمهور، اِنقلب مزاج الجمهور وصارت مشاهد الكوميديا توصف بـ “ملاقة، سخافة، تفاهة، وسماجة”، مما يعني تبدل في المزاج الفني للجمهور ورغبته في أعمال تقول شيئًا لا يستطع قوله، أو يتوجس من مناوشته والإشارة إليه صراحة، ولكن الكوميديا قد فقدت عقلها وفرَّت مُجددَّا إلى المسرح باعتباره احتضاناً للنص والفكاهة بكل أشكالها ومقاصدها ورؤاها، فَرِهان الانتشار السريع عبر الخوارزميات الرقمية، لم يعُد مُجدياً من فرط استهلاكه. ولكن لم يكن صُنّاع الفن والجمهور وحدهم من أفقدوا الدراما عقلها المتزن، إنما أسهمت المِنَصّات الرقمية في وجود معايير واضحة لشكل الدراما التلفزيونية المفترضة؛ حيث الأعمال الدرامية الرشيقة بعدد حلقاتها وسرعة إيقاعها، الجادة والجديدة بمواقع تصويرها، والذاهبة إلى عوالم جديدة تماماً قد لا تستطيع الكوميديا مجاراتها.. لنجد أنفسنا أمام تراجع في شهية الكوميديا مقابل تنامي التراجيديا، تراجع لا زوال.. فما تزال بعض المسلسلات الكويتية تُقَدِّم أعمالاً كوميدية الطابع والإيقاع بقضايا ذات طابع اجتماعي.
هل يعني أن الكوميديا فقدت عقلها؟ لا، ولكن الدراما نعم، لأنها فقدت اتزانها الذي اعتدنا عليه سابقاً، اتزان رؤية بعالمين.. عالم للروح، وآخر للعقل ولكن.. ستعود الكوميديا ذات يوم بولادة جديدة إلى الشاشات التلفزيونية كما عادت إلى المسارح – بشكل نسبي- خلال السنوات القليلة الماضية.. ربما أخطئ، ولكن ما أريده حقاً ألّا تفقد الدراما التلفزيونية في الكويت عقلها الذي نُحِبُّه.
★ناقد ـ الكويت.




