مسرح

بكر صابر: “رحلة مرح “حين يكون المسرح أداة لتنمية الوعي والمهارات لدى الطفل.

بكر صابر
لم يَعُدْ دور المسرح في حياة الطفل مجرد محطة ترفيهية عابرة، بل بات يُنظَر إليه على أنه أداة بناء وورشة عمل لتشكيل الوعي، وفي هذا السياق تَبرُزُ قيمة مسرح الطفل؛ لأنه الجنس الأدبي الوحيد القادر على دمج المتعة البصرية والحركية بالعِبْرَة الأخلاقية والمهارة الحياتية، وتبرُزُ النصوص المسرحية في كتاب ” رحلة مرح” للدكتورة “إيمان الكبيسي”
( الصادرة عام 2024 م ) كإضافة قوية للمكتبة العربية، مؤكدة أن المسرح هو الأداة الأكثر كفاءة لتنمية المهارات ، فالدكتورة “إيمان الكبيسي” لا تُقَدِّمُ نصوصاً مسرحية للقراءة فحسب، بل تضع بين أيدي المعلمين والآباء مخططاً حركياً يهدف إلى بناء شخصية الطفل على أسس التفكير الناقد ، والتعبير الواثق ، والذكاء الاجتماعي.

تعمل النصوص المسرحية في كتاب ” رحلة مرح” للدكتورة “إيمان الكبيسي” على إكساب الأطفال العديد من السِّماتِ ، وهذه السِّماتُ تأخذ مِحوَرَين هما :
المِحوَر الأول : تنمية المهارات:
إن القيمة الحقيقية للنصوص المسرحية في كتاب “رحلة مرح ” تكمن في قدرتها على تنمية مهارات حيوية لا يمكن اكتسابها عَبْرَ القراءة الصامتة، أو الدراسة الأكاديمية التقليدية ، ومن أبرز هذه المهارات:

تعزيز مهارات التواصل الشفهي:
قد يُطرَحُ سؤال هنا، كيف تستطيع هذه النصوص المسرحية تحقيق مهارات التواصل الشفهي؟
الإجابة تكمن في أن المسرح كما هو معروف مدرسة للتعبير والخطابة ، ومِنْ ثَمَّ، فالطفل حين يقوم بنطق الحوارات بوضوح ، ويقوم برفع صوته ، وتغيير نبرة صوته؛ ليناسب الشخصية، فإنه يقوم بتدريب مُكَـثَّف على عِدَّة مهارات هي :
الإلقاء الواثق: الذي يُزيل رهبة الوقوف أمام الجمهور. الوضوح اللغوي: يُصَحِّحُ مخارج الحروف ويُحَسِّنُ مستوى اللغة العربية المستخدمة.

د.إيمان الكبيسي

التعبير العاطفي: يُعَلِّمُ الطفلَ كيفيةَ مواءمة تعابيره الداخلية مع مظهره الخارجي.

بناء التفكير الإبداعي وحَلُّ المشكلات:
كما هو معروف تتطلَّب النصوص المسرحية من الطفل أن يكون مشاركاً فعّالاً، وليس متلقياً سلبياً ، حتى في أبسط مراحل التمثيل ( القراءة المسرحية ) ، يجب على الطفل أن يَتَخَيَّلَ المشهد ، وأن يبتكر حركة لشخصيته.
ومن مهارات التفكير الإبداعي حَلُّ المشكلات الموقفية ، بمعني أوضح نعلم جميعاً أن كثيراً ما تُطرَح في المسرحيات عقدة تتطلَّب حَلّاً جماعياً ، وهو ما يُدَرِّبُ الأطفالَ على التفكير المنطقي، والعمل المشترك لإيجاد المَخْرَجِ الدرامي.
ومن مهارات التفكير الإبداعي أيضاً ، القدرةُ على التفسير، أو الإبداع في التفسير فالنصوص المسرحية تُتيحُ مرونة للمُخْرِجِ أو المعلم، أو الطفل في تفسير الشخصيات والديكور ، مما يُحَفِّزُ الخيال الإبداعي .

إثراء الذكاء العاطفي والتعاطف:
من خلال تَقَمُّصِ أدوار مختلفة (الطيب، الشرير، المحايد)، يَختبِر الطفلُ مجموعةً واسعة مِنَ الاِنفعالات والمشاعر.
هذا التمرين العاطفي يُساعِدُه على فهم دوافع الآخرين (نظرية العقل)، وبالتالي يُنَمِّي لديه مهارة التعاطف ، وهي لَبِنة أساسية في بناء العلاقات الإنسانية السليمة، والحد من ظواهر التنمر.

المِحوَر الثاني: النصوص المسرحية في كتاب ” رحلة مرح ” كمنصة لغرس الوعي والقيم.
تتميَّز النصوص المسرحية في كتاب ” رحلة مرح” بالقدرة على توصيل رسائل كثيرة ، لعل من أبرزها:
الإشارةُ إلى الوعي البيئي والمسؤولية المجتمعية:
لعل هذه الرسالة من أقوى رسائل النصوص المسرحية في كتاب ” رحلة مرح” ؛ حيث معالجة القضايا البيئية بأسلوب غير مباشر ، بدلاً من الوعظ عن النظافة ، تُقَدِّم الكاتبة حكايات تضع الطفل في قلب المشكلة والحَلّ.
هذه المسرحيات تُحَوِّل مفاهيم التلوث ، وإعادة التدوير ، وحماية الطبيعة ، إلى أفعال حركية ومواقف درامية ، مما يجعل الطفل يتقمَّصُ دور الفاعل ، ويصبح مسؤولاً عن إنقاذ البيئة في خياله، ثم في واقعه ، إنها تُعَلِّمُ الطفل أن محيطه ليس مجرد ديكور ، بل هو جزء من هُويته يجب الحفاظ عليها.
القدرة على ترسيخ الذكاء العاطفي والاجتماعي:
الدكتورة “إيمان الكبيسي” كثيراً ما تعتني ببناء الجانب العاطفي والاجتماعي لدى الأطفال ، فالمسرحيات تُقَدِّمُ مواقف تتطلَّب من الشخصيات التعاون ، وحَلُّ النزاعات سلمياً ، وتقبل الاختلاف ، عندما يشاهد الطفل هذه المواقف، أو يشارك في تمثيلها ، فإنه يتدرَّبُ على فهم المشاعر ، والتعاطف ، وإدارة الجماعة.
إن النظر إلى النصوص المسرحية في كتاب ” رحلة مرح ” للدكتورة “إيمان الكبيسي” بنظرة نقدية شاملة، يُوَضِّحُ لنا أن نجاح كتاب ” رحلة مرح ” لا يكتمل إلا بالجانب التطبيقي، وهذا يتمَثَّلُ في عِدَّةِ نقاط هي :
التنفيذ:
النصوص ممتازة نظرياً ، لكن تنفيذها يحتاج إلى مُخرِج تربوي يمتلك الرؤية والإمكانيات ، فإذا لم تتوفر البيئة المسرحية الداعمة ، تبقى النصوص مجرد حبر على ورق ، وتفقد قيمتها الحركية والتدريبية.

الإهمال في التطبيق:
والمراد بذلك ميل بعض المعلمين، أو المربين إلى التركيز على العرض المسرحي ، بدلاً من التركيز على العملية التربوية نفسها (التدريب ، والمناقشة ، وتحليل الشخصيات) ، فإذا تَمَّ تقديم النصوص بطريقة تلقينية سريعة، حينها تَفْقِدُ المسرحيات قدرتها على تنمية المهارات بعمق.

خطر التعليم على حساب الفن :
في الأدب المُوَجَّه، هناك دائماً خطر أن تطغى الرسالة التعليمية والوعظية على الجمال الفني والحبكة الدرامية.
قد يرى بعض النقاد أن “إيمان الكبيسي”، في سعيها الحثيث لـ “تنمية المهارات”، قد تكون في بعض الأجزاء قدَّمتِ الغاية (الدرس الأخلاقي) بشكل مباشر، مما يُقَلِّلُ من مِساحة التشويق، أو الكشف الدرامي الذاتي، التي يُفَضِّلُها النُّقّاد، والتي تُتيحُ للطفل استخلاص العِبْرَةِ بنفسه.

تحليل نماذج مسرحية من كتاب ” رحلة مرح ” للدكتورة “إيمان الكبيسي“:
تُقَدِّمُ مسرحية ” مصباح” نموذجاً فريداً للحكاية الخرافية، التي يتم فيها عملية إسقاط على قيم معاصرة ، وهي مُوَجَّهَةٌ بشكل أساسي للأطفال من عمر ( 9-12) ، تستخدم مسرحية ” مصباح” شخصيات حيوانية معروفة للكل لكل منها وظيفة رمزية واضحة :
الطاووس ( الجمال والغرور) : ويمثل السطحية والتباهي بالمظهر الخارجي ، الحمار ( الخدمة الصادقة) : هو الشخصية الأكثر إيجابية لا تسعي للقيادة .
وحيد القرن ( القوة المادية والغباء ) : يُمَثِّل القوة المادية الخالية من التفكير والتعلم .
الفيل ( الذكاء والتفكير) : يمثل الشخصية المُفَكِّرةَ التي تسعي لتغيير نحو الأفضل.
القرد ( القاضي والحكمة ) : هو سلطة الفصل والتحكيم .
تتسم مسرحية ” مصباح ” بالبساطة فهي تبدأ بنشيد عن الصداقة والتعاون، لكن سرعان ما يتم كسر هذا الانسجام بفعل التفاخر، ثم نلحظ التحوُّل والذي يتمَثَّل في نداء استغاثة السمكة المُحْتَجَزَةِ في الشبكة، هنا يتم اختبار الادعاءات الخاصة بتلك الشخصيات على أرض الواقع: يفشل الطاووس ووحيد القرن، وينجح الحمار والفيل في إنقاذها.
تَمنحُ السمكة المصباحَ السحريَ (المكافأة) لـ “الأجدر” بالقيادة.
هذا يُحوِّل الصراع من صراع إنقاذ إلى صراع استحقاق وجدارة ، يبدأ كل حيوان بالدفاع عن صفته كأولوية للقيادة (القوة، الجمال، الخدمة).
ينتهي النزاع أمام القرد القاضي؛ حيث يحكم القرد بأن القيادة لا يستحقها فرد واحد بصفة واحدة ، بل القائد الحقيقي هو الذي تتكامل فيه جميع الصفات الإيجابية للمجموعة (القوة بذكاء، الجمال بأخلاق، الخدمة بتواضع).فيما يبدو لي تُعَدُّ مسرحية “مصباح” أداة تعليمية فعّالة جداً، ومسرحياً مُرضية، نجحت المؤلفة في تفكيك مفهوم القيادة المعقَّد إلى أجزاء بسيطة ومرئية للطفل، الدرس الأساسي عن التكامل والعمل الجماعي هو من أهم الدروس الاجتماعية، التي يحتاجها الطفل في عصرنا، تميَّزت مسرحية ” مصباح ” بِعِدَّة مميِّزات، لعل من أبرزها استخدام الأغاني والحركات المتوقعة للشخصيات (كغرور الطاووس، وخفة حركة القرد) بما يضمن تفاعلاً عالياً من الجمهور الصغير ، كما أن الحوارات بسيطة ومباشِرة ومُفعَمَة بالفكاهة الطفولية، إنها مسرحية مُتقنة البناء، ومؤثرة في رسالتها.

الخاتمة:
لا شك أن النصوص المسرحية في كتاب ” رحلة مرح ” للدكتورة “إيمان الكبيسي” إضافة كبيرة للمسرح العربي ؛ لأنها ليست مجرد مسرحيات ، بل هي مِنصات تربوية، تُفيد الطفل وتُوَجِّهُه ، فالنصوص تحمل رسالة واضحة لكل مُرَبٍ ووالد : بأن المسرح هو استثمار في المستقبل ؛ لأنه يمنح الطفل القدرة علي التعبير بثقة ، والتعامل بذكاء، والمساهمة بمسؤولية في بناء عالمه ، إنها بحق ” رحلة مرح” تقود إلى العقل والحكمة.
كما تُثبِتُ “رحلة مرح” أن المسرح ليس غاية في حد ذاته، بل هو أنجح وأمتع أداة لتخريج جيل واعٍ، قادر على اللعب بذكاء والعيش بمسؤولية.


★باحث مسرحي ـ مصر.

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى