مريم الخشتي: حين يصبح الحلم قاضياً “ليلة رعب”: الرعب بوصفه لغة للضمير.


مريم الخشتي★
ماذا لو كان الرعب الذي نهرع منه في أحلامنا، هو الصوت الأخير لضمير لم نعد نسمعه في يقظتنا؟ مسرحية “ليلة رعب” لعبد العزيز المسلم؛ حيث يؤدي البطل دوره باسمه الحقيقي، لا تنتمي إلى المسرح الجماهيري الخالص، بل إلى مسرح الوعي المتأخر.
إنها عمل يُؤمن بأن الخشبة لا تحكي فقط، بل تحاكم، وتُوظِّف الفانتازيا والرعب لا لإثارة الذعر، بل لإنتاج مختبر أخلاقي افتراضي، يَمُرُّ فيه البطل بتجربة الموت، لِيكتشِفَ أنه كان حيّاً دون أن يعي.
البنية الدائرية هنا ليست خدعة سردية، بل حيلة وجودية: البطل يموت في الحلم، يعود، لكن وعيه الجديد ليس حلماً.
أولاً: الحلم ليس هروباً، بل محاكمة ذاتية
يُفتتح التحوُّل الأخلاقي للبطل ليس بموته، بل بلحظة ازدواج وعيه: يرى نفسه جثة على الأريكة، بينما يقف شبحه يشاهد، هذا الاِنقسام هو البرهان البصري على أن الحلم فضاء تأديبي للذات.
مواجهة الشياطين والملاك، لا تُثير الرعب بقدر ما تُثير الاِعتراف؛ الرعب الحقيقي هنا ليس في شكل الشيطان، بل في اكتشاف البطل أنه يعرف تقصيره منذ زمن، ولم يغيّره.

ثانياً: الضوء الأحمر بوصفه ضميراً مرئياً
اِعتمدت المسرحية على تدرُّج لوني أخلاقي:
الأحمر البنفسجي: لون الخطر الخارجي المُهيمن على مشاهد المواجهة، لكنه في الوقت نفسه لون الغفلة الداخلية.
الأبيض الخافت: لون الكشف والاِعتراف، يُهيمن على مَشاهد العزاء والتوبة.
التحوُّل اللوني ليس جمالياً، بل توقيعاً بصرياً على مسار وعي البطل. الضوء هنا لا يُضيء المكان، بل يكشف الضمير.
ثالثاً: المكان – من مأوى إلى مرآة
البيت المسرحي ليس فضاءً محايداً.
في “ليلة رعب”، يتحوّل المأوى إلى حلبة اعتراف:
ـ الزوايا المغلقة تَعزِل الشخصيات وتُعرّي انكساراتها.
ـ الصمت في لقاءات الأهل والأصدقاء يختزل مساءلات لم تُنطق.
حركة الأطفال البطيئة نحو الأب في الختام ليست إخراجاً عاطفياً، بل إيقاع أخلاقي يعكس ثقل العودة إلى الواجب بعد طول غياب.
رابعاً: الملصق البصري “Poster” بوصفه اعترافاً مرئياً
لا يعمل الملصق البصري لمسرحية “ليلة رعب” بوصفه مادة ترويجية مُكمِّلة، بل كنص بصري مُوازٍ للعرض المسرحي. الوجه المنقسم إلى نصفين—نصف إنساني بعين متقدة، ونصف متآكل متشقق—لا يُحيل إلى ثنائية الخير والشر بقدر ما يُحيل إلى انقسام الوعي. إننا لا نشاهد شيطاناً في مواجهة إنسان، بل نشاهد وجهاً واحداً، في لحظتين: قبل المحاكمة وبعدها.
التشقُّق البصري لا يُؤدي وظيفة الرعب التجميلي، بل يعمل كأثر زمني؛ كأن الجسد نفسَه يحمل آثار الحكم قبل أن يُنطق به.
العين الحمراء لا ترمز إلى الشر بقدر ما ترمز إلى الانتباه المتأخر: لحظة الإدراك التي تأتي حين يصبح الوعي عبئاً لا خلاصاً.
أما هيمنة اللون الأسود، فلا تُمهّد للذعر بقدر ما تعزل المتلقي أخلاقياً، وتضعه في فضاء ليلي مغلق، يُشبِهُ تماماً فضاء الحلم في المسرحية.
ليل لا يُستخدم كستار زمني، بل كحيّز مساءلة.
بهذا المعنى، لا يَعِد الملصق بالخوف، بل يُهدِّد بالسؤال ذاته الذي ستطرحه الخشبة لاحقاً:
ماذا لو كنتَ أنت هذا الوجه المنقسم؟
خامساً: شفرات جديدة – الليل، الجسد، الصمت
لم تلتفت القراءات السابقة إلى ثلاث شفرات أدائية كبرى:
ـ الليل بصفته زمناً أخلاقياً: اختصار عمر البطل في ليلة واحدة لا يخدم فقط الكثافة الدرامية، بل يجعل من الليل رمزاً للوقت المنتهي، عمر يُقرأ كشهادة وفاة قبل الوفاة.
الجسد بصفته وعاء توبة: التوبة في المسرحية ليست خطاباً، بل هي وضع جسدي: وضوء، ركوع، سجود، حركة بطيئة نحو الجماعة. الطقس هنا يحُلُّ محل الخطبة.
الصمت بصفته اعترافاً: في مشاهد العزاء والمواجهات الأسرية، الصمت ليس فراغاً، بل أبلغ أشكال المساءلة. البطل لا يُتهم بالكلام، بل يُدان بصمت الآخرين.
سادساً: نقد السلطة – الاِنهيار الصامت
مشهد “فريد” الذي يغازل زوجة صديقه المُتوفَّى، ومشهد المكتب الحكومي، الذي يتخلَّى عن أسرة الموظف بعد رحيله، لا يُقدِّمان وعظاً سياسياً، إنهما تشريح بارد لوهم الأمان المرتبط بالمنصب.
السلطة هنا، كما في قراءة “فوكو”، ليست جهة قمع، بل هي شبكة مصالح؛ ما إن تنتهي فائدتك حتى تُستَبعدَ، وكأنك لم تكن.
سابعاً: الكوميديا – مصيدة الضمير
الضحك في “ليلة رعب” فخ درامي بامتياز. التفاعل الساخر مع الشيطان، والمزاح مع الشبح، يُهيئان المتفرج لصدمة أكثر إيلاماً.
الكوميديا هنا لا تُخفِّف الرعب، بل تؤجله وتكثفه، تسقط الأقنعة الهزلية لِيكشف الوجه المأساوي للغفلة.
خاتمة: لا تنتظر الموت
ما يبقى من “ليلة رعب” بعد انطفاء الأضواء ليس الخوف، بل السؤال: ماذا لو كنت أحلم الآن؟
الحلم هنا ليس مهربَ كاتبٍ من مأزق سردي، بل فضاء وجودي يُختبر فيه الإنسان قبل أن يُختبر.
“عبد العزيز المسلم” لا يكتب مسرحاً دينياً، بل مسرحاً أخلاقياً بالمعنى الفلسفي، يجعل من الخشبة ضميراً، ومن الرعب لغة بصرية، ومن الحلم يقظة. لا تنتظر الموت لِيُعَلِّمَك.تعلَّمْ قبل أن يأتي.
★ناقدة ـ الكويت.




