محمد فهمي:”لعبة جهنم” .. عندما أفسدت البهارات وصفة القصة الحقيقية.

محمد فهمي★
في عام 2024، تفاجأ الشعب المصري بجريمة هزت الرأي العام، بعد العثور على جثة طفل يبلغ من العمر خمسة عشر عاماً في شبرا الخيمة.
لم يكن وقوع جريمة القتل هو ما صدم الناس؛ فالقتل جريمة عرفتها البشرية منذ قابيل وهابيل، لكن بشاعة الطريقة، التي عُثر بها على الجثمان، كانت كفيلة بإحداث صدمة حقيقية، فقد عُثر على الجثمان وقد أُفرِغ من أحشائه، مع وجود القرنيتين و الخصيتين داخل كيس بلاستيكي.

لم تكن الصدمة من نصيب أسرة المجنى عليه، بل امتدت إلى الشعب المصري بأكمله، كيف لإنسان أن يرتكب مثل هذا الفعل بحق طفل ضعيف؟ وما الذي يدفع شخصاً إلى ارتكاب جريمة بهذه الوحشية؟ وماذا فعل الطفل ليستحق كل ذلك؟
ولكن المفاجأة الأكبر كانت أن الجاني لم يكن وحده؛ فقد تَمَّ تحريضه على ارتكاب الجريمة من طفل في عمر المجني عليه تقريباً، بينما جرى تصوير الجريمة بالصوت والصورة بهدف بيع المقاطع عبر ما يُعرف بال “دارك ويب”.

هل كان توقيت “لعبة جهنم” مناسباً؟
إذا جلسنا مع فريق العمل من منتجين والمخرج والكُتَّاب والممثلين، وسألناهم عن أفضل توقيت لطرح هذه القصة، فربما تكون الإجابة: الآن.
فالفنان يعاني في كثير من الأحيان للوصول إلى ورق جيد، فما بالك بقصة حقيقية شغلت الرأي العام المصري، وتركت أثراً كبيراً في ذاكرة الناس؟ مجرد تقديم هذه الجريمة درامياً كان كفيلاً بجذب انتباه الجمهور، وهذا ما تحقَّق بالفعل؛ فمنذ عرض العمل، أصبح “لعبة جهنم” حاضراً بقوة على مواقع التواصل الاجتماعي، بين مؤيد للعمل ومشيد به، وآخر منتقد ومهاجم لبعض تفاصيله،لكن نجاح الفكرة لايعني بالضرورة أن تنفيذها كان سهلاً، خصوصاً أن العمل يتناول جريمة شديدة القسوة في المجتمع المصري،الذي يعيش بالفعل حالة من توتر والاحتقان، بسبب كثرة القضايا والمشكلات الاجتماعية، التي نراها يومياً.
لهذا كان على صُنَّاع العمل أن يُدركوا أن التعامل مع قصة بهذه الحساسية صعبٌ للغاية، فأي مبالغة في المعالجة الدرامية، قد تُحوِّل العمل من وسيلة لفتح النقاش والتوعية، إلى مادة جديدة للجَدَل.وبالنسبة لي، كان الموضوع لايحتمل وضع النار بجوار البنزين.

هل تم تحقيق المراد من العمل؟
إذا نظرنا للعمل بالمنظور الإيجابي، فهو يُناقِش قضية هزَّتِ المجتمع المصري، وسلَّط الضوء على كيفية صناعة المجرم، بداية من تعامل عائلته معه، واختفاء الرقابة، والعنف الأسري، وعدم تلبية احيتاجات الأطفال، وعدم مراعاة حداثة سنهم ومناقشتهم بطريقة إيجابية فيما يشعرون ويفعلونه.
فالمتهم الأول “الشيخ علاء” وَاجَهَ عنفاً أسرياً بطريقة وحشية، لدرجة حرق يديه بالنيران، بسبب سرقته مبلغ خمسين جنيهاً من والده، فوجد صراخاً تجاهه وضرباً وحرقاً، دون أن يعرف بالهدوء أنه اقترف فعلاً خطأً، وأن السرقة مُحرَّمة في أدياننا السماوية، والمجتمع يرفضها، وعليها عقوبات جنائية. فالطفل فقط أصبحت لديه ندبة عاشت معه العمر كله، تجعله يُصِرُّ على فعلته مرة أخرى.
المتهم الثاني “سليم”، عائلته لم تقف عند واقعة موت أخيه المفاجئ، واعتبرت أن ما حدث قضاء وقدر، لكن عليهم النبش في كل تفاصيل الحادث، وإذا شعروا بأن ابنهم لديه صلة بموت أخيه فعليهم سرعة عرضه على الطبيب، وألا يكتفوا بدرجاته النهائية وتفوقه، لكن عليهم الغوص في عالمه، خاصة في عدد ساعات الإنترنت، التي يقضيها عليه، ومع من يتحدث؟ ماذا يفعل؟ وأيضاً لماذا كان يشاهد عمليات الجراحة على لاب توب والده؟
المجني عليه “حسن” على الرغم من أنه لم يقترف شيئاً إلا أنه لم يجِدِ الرِّقابة التامّة على الساعات، التي يقضيها في الشارع،
لماذا يتحدَّث مع شاب أكبر منه بعشْرِ سنوات؟
وأيضاً سلَّط العمل على أن المجرم لا ينشأ من ليلة وضحاها، فهناك علامات ودِلالات تظهر على الطفل السيكوباتي، يجب الوقوف عندها ومعالجتها على الفور؛ لأن هناك احتمالاً أنك لاتُرَبّي طفلاً، وإنما وحشاً سيواجه المجتمع، وقد يُعَرِّض نفسه وغيره للأذى.
ولكن لماذا عند طرح العمل، كان هناك طريقة ما للتعاطف مع الجناة؟ هل “طارق” المتهم الأول الحقيقي؟ ذرف دمعة واحدة أثناء قتله لـ “أحمد” المجني عليه الحقيقي، هل “علي الدين” المتهم الثاني الحقيقي، كان يدافع عن زملائه عندما يتعرَّضون للتنمر، أم أنه قد يكون مشاركاً في هذا التنمر؟ هل ما تَعَرَّضا له أثناء طفولتهما، يكفي لهما أن نغفر لهما ما فعلاه في “أحمد” وجثمانه؟
إضافة البهارات للقصة الحقيقية .. هل أفادت أم أضرَّت؟
القصة الحقيقية، كانت كافية مع إضافة بعض التفاصيل غير معلومة لعدد كبير من الرأي العام، وأيضاً صياغة هذا القالب بطريقة درامية تُناسِب المشاهدين، وتكون بصورة ما مناسبة للمسلسل القصير.
ولكن هناك بعض التفاصيل، التي أُخِذَت من العمل ولم تضِفْ له شيئاً، بل جاءت التعليقات بشكل ينتقص من حقوق الممثلين والمبدعين في خروج هذا العمل الدرامي، وكم الجهد، الذي بذلوه في تقمُّص الأدوار والإضاءة والديكور والمونتاج، وأصبح كل ذلك مجرد حِيَل اخترعها فريق العمل للهجوم على فصيل ديني له دوره ومهامّه في المجتمع المصري.
فالمتهم الأول لم يكن شيخاً، ولكنه كان مُدّعياً، فهناك فرق، فالمُدّعي لايستطيع التحدُّث في الدين بِطَلاقَة وغير مسموح له أن يتخذ زاوية في منطقة شعبية مقراً له للتحدُّث مع شباب المستقبل.
فإذا بذلت المعالجة الدرامية “نجلاء الحديني” بعض المجهود للنزول إلى المساجد في الأحياء الشعبية، ستجد أن الإمام مُعَيَّن من وزارة الأوقاف، والخطيب أيضاً؛ لأن ليس أي شخص ملتزم يصلح للحديث عن الدين والمجتمع.

المتهم الأول كان يلعب دوراً سمعنا عنه مؤخراً في مجتمعنا المصري، شخص يَدَّعي إصابته بالمرض الخبيث، وعلى أساسه يكون محل ثقة واطمئنان، والناس تساعده وتُؤنِس وَحدته وتُخفف عنه آلامه، ولكن في الحقيقة هو شخص سليم قام ببيع أجزاء من أعضاء جسده بكامل حريته من أجل المال.
فكم من هولاء المُدَّعين، الذين يجمعون التبرعات، ويَدَّعون الأمراض، كما كانت تفعل البلوجر “دينا فؤاد” وادعائها أنها مصابة بمرض سرطان الثدي، وجمعت على إثر ذلك مبلغ 4 ملايين جنيه، وهي الآن مُوَجَّهٌ لها تُهَمُ نصب، وفي انتظار إصدار حكم قضائي ضدها.
أعني بكلامي أن من حقك كصانع للدراما أن تضيف بعض البهارات، ولكن بشكل يضيف للعمل، وليس أن تجلعه محل نقد من عدد كبير من المجتمع.
“لعبة جهنم” .. عمل درامي كما يجب أن يكون من الناحية الفنية، فأنت أمام عمل متكامل الأركان، وهو من أصعب أنواع الدراما؛ حيث إن الرعب النفسي ليس سهلاً تقديمه، أو تقمُّصُه.
فأنت أمام شخصيات سيكوباتية من الدرجة الأولى، وهو مرض يصعب على الأطباء النفسيين التعامل معه، أو استبيان مدى خطورته في حالة عدم الكشف عن المريض مبكراً وأخذ الإجراءات الروتينية لعلاجه، أي أن نفسية هؤلاء المرضى قد لا تكون مفهومة لنا ولبعض ممتهني هذه المهنة.
ولكن “محمد فراج” و”عمر رزيق” تحدَيَا نفسيهما، لتقديم شخصيات بعيدة كل البعد عنهما، والغوص في أعماق خبراتهما وتجاربهما الحياتية، لتقديم تلك الشخصيات.
وعلى الرغم من أن “عمر رزيق” لم يكن مشواره طويلاً، وشاب في مقتبل العمر، إلا أنه قدَّم تلك الشخصية، التي أعتقد أنها ستكون خطوة مهمة له في مشوار النجومية.
وأيضاً لاننسى الأداء العبقرى من الممثلة “راندا إبراهيم”، التي لامَسَتْ مشاعر كل أم مصرية، بعد أن عثرت على جثمان ابنها فارغاً، وهو إحساس أيِّ أم منكوبة على فقدان صغيرها.
وكانت لتلك السيمفونية إيقاع سريع دون مط في الأحداث، وإيقاع منضبط لايتوقَّف، وكل ذلك جاء عن طريق المخرج “إسلام خيري” وأيضاً “سامح سند ومجدي الهواري” اللذان تَبَنَّيَا تلك الفكرة، وقرَّرا أن تخرج إلى النور ، وأن تكون كل قصة بِكاسْت مستقل عن الآخر.
“لعبة جهنم” هي القصة الأولى من قصص “القصة الكاملة” في الموسم الأول، وتلك قصص وقعت بالفعل، وشغلت الرأي العام، وتناولها درامياً بأسلوب ذكي منضبط، بهدف توعية المجتمع والأسرة المصرية، سيكون له بَاعٌ كبير عند الجمهور.
★كاتب ـ مصر.




