

سليمان عبد الدايم★
ثَمَّةَ سؤال يبدو بسيطاً، لكنه ظل يُطارِد المسرح الإفريقي طويلاً: متى بدأ المسرح في إفريقيا؟ قد يبدو السؤال تاريخياً في ظاهره، لكنه في الحقيقة سؤال عن السلطة أكثر مما هو سؤال عن الزمن. فمن يملك حق تعريف المسرح؟ ومن يُقرِّر أن شكلاً أدائياً ما يستحق أن يسمى «مسرحاً»، بينما يُدفع شكل آخر إلى خانة الطقس، أو الاحتفال الشعبي، أو الحكاية الشفاهية؟ لوقت طويل، جرى التعامل مع المسرح الإفريقي من خلال لحظة وصول المسرح الأوروبي إلى القارة، وكأن الخشبة الإفريقية لم تعرف نفسها إلا عندما وصل إليها النص المسرحي بصورته الغربية، لكن هذا التصور لم يَعُدْ قابلاً للصمود أمام الدراسات التي أعادت النظر في تقاليد الأداء الإفريقية، وأظهرت وجود أشكال أدائية سابقة على الاستعمار الأوروبي، قائمة على الحكاية والرقص والموسيقى والقِناع والطقس والمشاركة الجماعية. المشكلة، إذن، ليست أن إفريقيا لم تعرف المسرح، بل أن تاريخ المسرح نفسه كُتب طويلاً من زاوية لم تكن إفريقية.
في كثير من المجتمعات الإفريقية التقليدية لم يكن هناك ذلك الحاجز الصارم بين الممثل والجمهور الذي نعرفه في المسرح الأوروبي الحديث.
كان الأداء يحدث داخل المجتمع، لا أمامه فقط. الحكّاء يروي، والجمهور يرد، والموسيقى تتداخل مع الكلام، والرقص ليس زينة بصرية، وإنما جزء من إنتاج المعنى. في هذه البيئة، لا يصبح السؤال: أين المسرح؟ بقدر ما يصبح: متى يبدأ الأداء في تحويل الجماعة إلى جمهور؟ طقس ديني، اِحتفال، حكاية شعبية، جِنازة، مِهْرَجان، رقصة جماعية، أو قصة يرويها حكّاء؛ كلها يمكن أن تتحول إلى لحظة أدائية تمتلك عناصر مما نسمّيه اليوم مسرحاً. ولذلك فإن قراءة المسرح الإفريقي تبدأ، في جانب مهم منها، من إعادة النظر في الحدود التي وضعها تاريخ المسرح التقليدي بين المسرح وغيره من أشكال الأداء.
وحين وصل الاستعمار الأوروبي إلى إفريقيا، لم يحمل معه شكلاً فنياً جديداً فحسب، بل جاء أيضاً بمنظومة كاملة من القيم والتصورات حول الأدب والفن والتعليم واللغة.
دخل النص المكتوب إلى فضاء كانت الشفاهية فيه وسيلة أساسية لحفظ الذاكرة ونقل التاريخ، وأصبحت اللغة الأوروبية، في مناطق كثيرة، أداة للتعليم والإدارة والثقافة، ثم دخلت المسرح باعتباره أحد أشكال التعبير الحديثة.
لكن السؤال الذي ظهر لاحقاً لم يكن: هل نستخدم المسرح الغربي أم نرفضه؟ كان السؤال الأكثر تعقيداً: ماذا نفعل به بعد أن أصبح جزءاً من تجربتنا التاريخية؟ وهنا تختلف التجارب الإفريقية. فبعض المسرحيين اتجهوا إلى استعادة الأشكال المحلية، وبعضهم استخدم اللغات الإفريقية، وبعضهم كتب بالإنجليزية أو الفرنسية، لكنه أعاد تشكيل البِنية المسرحية من داخل الذاكرة المحلية.
لم يكن الحل في كثير من الأحيان هو العودة إلى الماضي، وإنما إعادة التفاوض مع الحاضر.
وربما لا يوجد ما يوضح هذه المسألة أكثر من تجربة “نغوجي وا ثيونغو”، الذي لم يتعامل مع التراث الشفاهي بوصفه مادة فولكلورية تُضاف إلى النص لتمنحه نكهة محلية، وإنما بوصفه جزءاً من بِنية الكتابة ذاتها. في تجربته المسرحية، تتحَوَّل تِقْنيات السرد الشفاهي إلى وسيلة لإعادة بناء العلاقة بين النص والجمهور، كما تتداخل تِقْنيات المسرح الحديث مع تقاليد الأداء المحلية.
وهنا يصبح السؤال أكثر إثارة: هل يستطيع المسرح أن يستعير من الخارج ثم يُحَوِّل الاستعارة نفسَها إلى فعل مقاومة؟ يبدو أن الإجابة نعم، لأن الفن لا يصبح أقل أصالة لأنه تأثر بغيره.
الأصالة ليست غرفة مغلقة لا يدخلها الهواء؛ الثقافة بطبيعتها عملية أخذ وإعادة تركيب وتحويل. المشكلة تبدأ عندما يصبح الأخذ استنساخاً، أما حين تدخل التِّقْنية الأجنبية في حوار مع الذاكرة المحلية، فإن الناتج لا يعود غربياً تماماً ولا تقليدياً تماماً، بل يصبح لغة جديدة.
وتظهر علاقة أخرى بالتراث في تجربة “وول سوينكا” ؛ حيث لا تبدو الأساطير والطقوس والمفاهيم اليوروباوية مجرد عناصر زخرفية، وإنما تدخل في بناء العالم الدرامي نفسِه.
هنا لا يعود التراث قطعة محفوظة داخل مُتْحَف ثقافي، بل مادة حية قابلة لإعادة التفسير.
وهذه نقطة أساسية في فهم علاقة المسرح الإفريقي بماضيه: السؤال ليس هل استخدم الكاتب عناصر من التراث، وإنما ماذا فعل بها؟ هل أعاد إنتاجها كما هي، أم أعاد اكتشافها؟ فالتراث حين يدخل المسرح لا يعود تراثاً بالمعنى المُتْحَفي للكلمة؛ إنه يصبح مادة قابلة لأن تتحدث مع الحاضر، وربما تكون هذه إحدى أهم وظائف المسرح: أن يجعل الماضي قابلاً لإعادة القراءة بدل أن يُحَوِّله إلى ذكرى جامدة.
ومن أكثر العناصر التي تستحق إعادة النظر أيضاً صورة الجمهور.
ففي النموذج المسرحي الحديث، يجلس الجمهور في جهة، ويقف الممثلون في الجهة الأخرى، وهناك حدود واضحة بين الخشبة والصالة.
لكن بعض تقاليد الأداء الإفريقية قامت على علاقة أكثر مرونة بين المؤدي والمتلقي، بحيث يمكن أن تتداخل الأدوار ويتحَوَّل الجمهور من مُتلقٍ إلى مُشارِك في الحدث.
وهذه ليست مسألة تِقْنية فحسب، وإنما اختلاف في فلسفة المسرح نفسها. فعندما يكون الجمهور جزءاً من الحدَث، لا يعود المسرح مجرد عرض يُقدَّم أمام الناس، وإنما يصبح فعلاً اجتماعياً تُشارِك الجماعة في إنتاجه.
ولعل هذا أحد المفاتيح المهمة لفهم المسرح الإفريقي؛ فالجمهور ليس دائماً نهاية العملية المسرحية، بل يمكن أن يكون أحد عناصرها الأساسية.
وتحتَلُّ الحكاية الشفاهية موقعاً مركزياً في عدد من التجارب المسرحية الإفريقية، لكنها ليست مجرد وسيلة للترفيه.
ففي المجتمعات التي اعتمدت طويلاً على الذاكرة الشفوية، كانت الحكاية وسيلة لحفظ التاريخ ونقل القيم ومناقشة السلطة وتفسير العالم. ولذلك فإن انتقالها إلى المسرح الحديث لم يكن مجرد انتقال من الحكي إلى التمثيل، بل انتقال لطريقة كاملة في النظر إلى الإنسان والمجتمع. وحين يُعيد المسرح توظيف الحكاية، فإنه لا يستعيد الماضي فقط، وإنما يستخدم ذاكرة الماضي للتعليق على الحاضر.
وهنا يصبح التراث أكثر من ذاكرة؛ يصبح أداة للتفكير.
لكن النقد ينبغي ألا يتوقف عند الاحتفاء بهذه العلاقة بين المسرح والتراث، لأن هناك خطراً آخر ظهر في المقابل: أن يتحَوَّل مفهوم «المسرح الإفريقي» نفسِه إلى صورة نَمَطية عن إفريقيا. طبول، وأقنعة، ورقص، وألوان، وطقوس، وقرى فقيرة، وحروب، ومآسٍ.
قد تكون هذه العناصر جزءاً حقيقياً من بعض التجارب الإفريقية، لكنها تصبح مشكلة عندما تتحَوَّل إلى الطريقة الوحيدة التي يسمح بها العالم للمسرح الإفريقي بأن يظهر.
هناك فَرْق بين أن يستعيد الفنان ذاكرته، وبين أن يعرضها لأن السوق الدولية تتوَقَّع منه ذلك.
والمسرح الإفريقي لا يحتاج إلى إثبات إفريقيته في كل مشهد. الفنان الإفريقي ليس مُطالَباً بأن يحمل على كتفه قارة كاملة كلما دخل الخشبة. يمكنه أن يكتب عن الحب، والمدينة، والوحدة، والطبقة الوسطى، والهجرة، والمرأة، والسلطة، والهُوِيَّة الرقمية، والجسد، والذاكرة، وحتى عن أشياء تبدو عادية تماماً. فالإنسان الإفريقي لا يصبح أقلَّ إفريقيةً حين يتحدث عن مشكلة إنسانية مشتَرَكة.
من هنا يصبح النقاش المعاصر حول تفكيك الاستعمار في المسرح الإفريقي أوسع من مجرد استبدال اللغة الإنجليزية بلغة محلية، أو استعادة طقس قديم. القضية تتعلق أيضاً بالأدوات التي نستخدمها لقراءة هذا المسرح.
فقد يُنتِج الفنان مسرحاً مُختلِفاً، ثم نعود نحن ونقرؤه بالمفاهيم نفسِها التي صُمِّمَت أصلاً لقراءة مسرح مختلف. وعندها يصبح التحرُّر ناقصاً: خرج النص من القفص، لكن النقد ظل واقفاً عند الباب.
ولذلك تتجه بعض الدراسات الحديثة إلى البحث عن أدوات ومفاهيم نقدية تنطلق من خصوصية التجارب الأدائية الإفريقية، بدل إخضاعها دائماً لنظريات نشأت في سياقات ثقافية أخرى.
والمسرح الإفريقي المُعاصِر لا يعيش فقط بين الماضي والحاضر، بل يتحرَّك أيضاً بين المحلي والعالمي، وبين الخشبة والفضاء الرقمي. فالمسرح الذي وُلِد في الساحة العامّة يستطيع اليوم أن يصل إلى الهاتف المحمول، والحكاية التي كانت تنتقل من فم إلى فم يمكن أن تنتقل عبر الفيديو، والممثل الذي كان يحتاج إلى فضاء جماعي قد يجد نفسَه أمام جمهور مُوَزَّع بين قارات.
لكن التكنولوجيا لا تلغي الأسئلة القديمة: من يتحدث؟ ولمن؟ وبأي لغة؟ ومن يملك حق تمثيل إفريقيا؟ بل ربما تجعل هذه الأسئلة أكثر إلحاحاً، لأن المسرح لم يعد محصوراً في جغرافيا المكان، وأصبحت الصورة قادرة على السفر أبعَدَ من أصحابها.
وربما لا يحتاج المسرح الإفريقي في النهاية إلى البحث عن «هُوِيَّة مسرحية» واحدة، فإفريقيا نفسُها ليست هُوِيَّة واحدة. إنها عشرات اللغات، ومئات الثقافات، وتواريخ مختلفة، وتجارب استعمارية مُتفاوِتة، ومدن تتغير بسرعة، ومجتمعات تحمل الذاكرة نفسَها بطرائق مختلفة.
لذلك فإن الحديث عن المسرح الإفريقي يجب ألا يتحَوَّل إلى قفص جديد. الأدق أن نتحدث عن مسار واسع من التجارب التي تتقاطع في أسئلة التاريخ واللغة والذاكرة والجسد والسلطة.
وإذا كان المسرح الغربي قد ساهم في تشكيل المسرح الإفريقي الحديث، فإن المسرح الإفريقي لم يبقَ مجرد مُتلقٍ لهذا التأثير.
لقد أخذ منه، وغيّره، وخلطه بما كان موجوداً قبله، ثم أعاد تقديمه في صور جديدة.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية للتجربة. ليست في أنها رفضت الغرب، وليست في أنها عادت إلى الماضي، وإنما في أنها أثبتت أن الثقافة تستطيع أن تأخذ ما يأتي إليها دون أن تفقد حقها في إعادة تعريفه. وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الصحيح: هل المسرح الإفريقي غربي، أم إفريقي؟ فهذا سؤال ينتمي إلى عالم الثنائيات المغلقة. السؤال الأكثر حياة هو: ماذا يحدث عندما تصعد ذاكرة مجتمع كامل إلى الخشبة، ثم تلتقي هناك بالمدينة الحديثة، والاستعمار القديم، والسياسة، والموسيقى، واللغة، والجسد، والتكنولوجيا؟
عندها لا يعود المسرح مجرد مكان لعرض الحكايات، بل يصبح مكاناً لإعادة كتابة صاحب الحكاية نفسِه. ولهذا فإن إفريقيا لا تحتاج إلى مسرح يُثبِت أنها تمتلك ثقافة؛ هي تحتاج إلى مسرح يملك الحرية الكافية لكي يسأل: أي إفريقيا نريد أن نراها؟ وربما تكون الإجابة الأهم أن الخشبة الإفريقية لا ينبغي أن تكون نسخة من خشبة أخرى، ولا مُتْحَفاً لتراث مضى.
ينبغي أن تكون مكاناً تستطيع فيه إفريقيا أن تتذَكَّر، وتُجادِل، وتضحك، وتغضب، وتحلُم، وتخترع نفسَها من جديد. فالمسرح، في النهاية، ليس فن الوقوف أمام الجمهور فقط؛ إنه فن أن تقف الثقافة أمام نفسها، وتنظر.
★كاتب وباحث سياسي في شؤون اللاجئين وأفريقياـ مصر.




