عزيز ريان: سلسلة كنبة أورومج 2 ..البوح كعلاج.


عزيز ريان★
شهدت الإنتاجات التلفزيونية بالعالم العربي مؤخراً، إنتاجاً مُكثفاً، في سباق محموم لصناعها لمنافسة مُحتَمَلة للأعمال الأجنبية، التي تُبَثُّ عبر المنصات الرقمية.
وبالنظر إلى أعمال بعينها أُنتِجت، اِقتربت بشكل ملحوظ لعالمنا العربي ولشعوبه، التي قد تتشابَهُ في التقاطعات النفسية، وحروب لقمة العيش والغلاء والحروب بكل أنواعها.
وفي تشابك استهلاكي للأعمال السورية الدارمية، والتي فقدت بريقها مؤخراً بسبب العديد من العوامل الداخلية والخارجية، ومع ظهور لأنواع مختلفة من السلسلات التفزيونية، التي تُبَثُّ بعيداً عن قنوات رسمية، أو خاصة، تابعت السلسلة السورية: كنبة أورنج موسم 2 التي عُرِضَت بمنصات تواصل اجتماعية مؤخراً.
“كنبة أورنج” يسير في مسار مغاير لعمل أُتيح بالمجان للمتلقي المنتظر.
يعتمد طريقة قد تبدو مستهكلة ولا شيء مبدع فيها، غالباً شخصيتان:طبيب ومريض، وفي مكان واحد معروف العيادة النفسية، ليطرح السؤال كيف سيتم معالجة القضايا عبره، وكيف سيشتغل صُنَّاع العمل لتشويق المتلقي المحتمل، ودفعه لمتابعة الحلقات بأنفاس مشدودة، وخصوصاً أن طريقة”البوح” قد تحمل نتائج عكسية يشوبها الملل، أو نزول خطوط الحبكة المتصاعدة.

وهذا جعل مخرج العمل الذي يَعرف أسرار عمله، وسبق أن كتبها أن يستعين بِكُتَّاب آخرين، عرفوا المسار الدرامي، ورفعوا من قيمته.
هي إذن، سلسلة درامية اجتماعية وعلاجية سورية تُعرَض على المنصات الرقمية.
تدور أحداثها داخل عيادة طبيب نفسي، يُجَسِّد دورها الممثل “جلال شموط” في الموسم الأول، والممثلة “رنا كرم” في الموسم الثاني؛ حيث يروي المرضى قصصهم وأسرارهم على أريكة برتقالية اللون في جلسات علاجية مستقلة، تَعكِس صدمات الحرب والهموم النفسية.
هي عبارة عن سلسلة حلقات منفصلة مُنوّعة تدور أحداثها في كواليس العقل والروح.
فكرة: “يزن أتاسي”إشراف عام: “رامي عمران”.
فكرتها العامة هي:تحوُّل الكنبة البرتقالية إلى ملجأ آمن لشخصيات تعاني من الاكتئاب، والإدمان، والخيانة، والصدمات الاجتماعية والأُسَرِيَّة.
اِنطلق العمل بنجاح؛ ليواصل تقديم مواسم جديدة(موسمين لحدود كتابة المقالة) تحمل اعترافات أعمق، وقصصاً إنسانية مُكثَّفة تُسَلِّط الضوء على واقع المجتمع وتحولاته.
شكلها الفني: تعتمد الحلقات على سرد درامي قصير وجريء، يبرز أهمية العلاج النفسي ومقاربة المشاكل بطريقة مختلفة.
المسلسل موجود على فيسبوك وانستغرام ويوتيوب مجاناً.
في البداية، قد ينفر المتلقي من الحلقة الأولى، لأنه قد يتفاجأ بلوك كلام معهود لمريض لطبيبه النفسي، وقد لا تكون لك القدرة على استكمال القصة، إلا أن كل قصة تجلبك بشكل ذكي، وتدفعك لمعرفة نهاية كل من يحكي قصته، مع ذكاء تشويقي، إذ تبدأ أولى حلقاته(بالموسم الأول) بالطبيب نفسه يحاول تفريغ الضغط الذي سببته له مهنة العيادة النفسية القاسية، لنعرف أن الطبيب إنسان، وأن النفس قابلة لكل تشظٍ مهما كان مستوانا الفكري والمهني، لكن في الموسم الثاني الطيبب امرأة، لتختلف الشروط وآليات الحكي والانهمار السردي للمرضى إن كانوا مرضى، فمن هو مخرج السلسلة؟
“ورد حيدر” هو مخرج وكاتب سوري، وُلد في دمشق عام 1993، (وهو ابن الروائي السوري الراحل حيدر حيدر) حاز على بكالوريوس في الإخراج السينمائي من ماليزيا، وماجستير في إدارة المشاريع، وبرز بتقديم أعمال درامية وتلفزيونية ورقمية لاقت تفاعلاً واسعاً مثل مسلسل:عقد إلحاق،وسلسلة :كنبة أورانج1، أنجزعدة أفلام قصيرة ووثائقية وتجريبية.
بداياته التلفزيونية: أخرج لوحات من الجزء الخامس عشر لمسلسل [بقعة ضوء] في عام 2022
.ومن أهم أعماله البارزة:عقد إلحاق: مسلسل قصير مؤلَّف من 12 حلقة عُرِض في عام 2024 وناقش علاقات إنسانية ونفسية معقَّدة.
وكنبة أورانج: سلسلة درامية تركزَّت أحداثها داخل عيادة طبيب نفسي، وعُرِضَت عبر المنصات الرقمية.
وبتتبُّع الموسم الثاني للسلسلة نكتشف قيمة العمل الفنية، واتكاء مخرجه على لغة سينمائية شاعرية عالية، تلتقط كل آليات السرد المشهدي، بتكثيف الحكايات في كل حلقة بشكل ذكي ومتنوع كلامياً وبصرياً.
هي طريقة تناول صُنَّاع العمل للمواضيع المختلفة بنظرة مغايرة، ولغة بصرية فنية اختلفت عن الموسم الأول.
اللغة البصرية: لغة الحكي في العمل، لغة مُغرية بالقراءة، تتجلَّى فيها الجمالية، اِنطلاقاً من أنماط الرؤية السينمائية السردية المتنوعة من حيث البنية والموقع، لتعكس النضج في التشكيل التلفزيوني، وعَبْرَ لغة الوصف التي تعتبر جزءاً من البِنية السردية، بحكم أنها تضيف للمسرود، وتُكسِبُه قيمة عالية، فهي ليست مجرد تقديم شخصية وأحوالها أو مرضها/عقدتها، بل هي تِقْنِيَّة تخدم كل عناصر اللغة البصرية، ولغة الحوار عامل مهم في تحريك الحدث السردي، أو البوحي.
لغة قد تتعدد صوتياً، وقد يغلب عليها أسلوب، أو صوت واحد. لغة حوارية تطرح أسئلة حول النفس والذات والفكر والوجود والمواقف، مما يجعل إعادة صياغة الحياة عبر فعل البَوْح/السرد أمراً مُمكِناً.
عمل فني مُعتمِد بالأساس على السرد البصري: والذي لا يعرف سوى زمن واحد هو الحاضر، حتى وإن أحالنا للماضي(الاسترجاع)
الصورة البصرية: تُشبِه الوجود، فتروى بالزمن الحاضر دوماً، أي أن الفعل الذي يجري بالنسبة للمشاهد في اللحظة التي يراه فيها على الشاشة، تعرض مجموعة حكايات، لتؤسس علاقة بصرية مع الواقع، مما يحمله من تراكم للأحداث والأماكن والشخوص.
الصورة: رسالة بصرية مُكوَّنة من أنماط عدد من العلامات يقودنا إلى اعتبارها لغة أي أداة للتعبير والتواصل والاتصال. سرد الحكايات بكل حلقة: يعتمد على الحوار والمونولوج الذي يُحيلنا إلى المسرح،لأن اللغة مهمة في المسرح، وحينما يكون الحكاء (الجيد) يتناول أحداث وشخصيات.
البطل الخفي: هو سرد الحكاية، ووصف ما يُعاني ويسمع كل شخص/مريض.
أي سرد الحكاية ووصف ما يُعاش ويُسمَع بصياغة سردية درامية، لكن المخرج أدرك أن الكاميرا لا يجب أن تتحرك إلا بدِقَّة، مع أهمية اللقطة القريبة في التأثير الدرامي، وقد كتب الحلقات ثُلَّة من الكُتَّاب والكاتبات، من بينهم المخرج.
وهي كتابة أعتَبِرُها إبداعية درامية تُدرَج في الحساسيات الكتابية العربية الجديدة في مجالات الدراما (المسرح والتلفزيون غالباً) بأسماء وكُتَّاب لهم رصيد أدبي وفني مُعتَبَر. إذ تنبع أسئلة الكتابة الإبداعية من سؤال إجمالي، يضم مجمل الأسئلة: السؤال عن الانتماء إلى الزمن.

إن ما يثير الانتباه إزاء الكتابة الدرامية الجديدة ومنطلقات ما بعد الحداثة، هما الاتصال بجهة ما، أوالانفصال عن جهة ما، وإزاء هذين الوضعين، على مؤلف العملية الإبداعية التخلِّي عن الأجوبة الجاهزة، والبحث في حركية الزمن وتأثيراته، من دون الإخلال بمرتكزات ثلاثة، أرى أنها تشكل فعاليتي الاتصال والانفصال، وتلك المرتكزات هي: رؤية المبدع للكتابة الدرامية وللعملية الإبداعية الدرامية، و رؤيته للإنسان الذي يكتب عنه، وما رؤيته للعالم الذي يتفاعل معه، وأسئلة كبرى طرحتها السلسلة بذكاء.
تقنيات الحكي: هي الأساليب الفنية واللغوية التي يتبعها الكاتب/مخرج عمل فني تلفزيوني لنقل الأحداث، ورسم الشخصيات، وتوجيه زمن القصة، لجذب انتباه المتلقي، وجعل النص أكثر حيوية وتماسكاً.
تشمل هذه التِّقْنيات عناصر أساسية متعددة تخدم البِنية السردية:
السرد (الإخبار): نقل الأحداث وربط الأفعال بعضها ببعض وَفْق تسلسل زمني، أو منطقي.
الوصف : تصوير الأماكن، والأشياء، والخصائص الحسية والنفسية للشخصيات، لتقريب الصورة للقارئ.
الحوار: تبادل الكلام بين الشخصيات (خارجي/الطبيبة) أو الحديث مع النفس (داخلي/مونولوج) لتحريك الحدث، وكشف خبايا النفوس.
تِقْنيات التحكُّم في الزمن والسرد: الاسترجاع (الاستباق)،الوقفات والتلخيص،الرؤية السردية.
اللقطات وحركات الكاميرا: الإخراج:ما بين اللغة السينمائية والحس المسرحي: تتنوَّع لقطات الكاميرا، بناء على المسافة والتأطير كما هو معروف، غير أن فكرة العمل صعبة جداً، لأنها في مكان”ضيق” والممثلون لهم إمكانية أقل للحركة.
كما يؤثر البُعْد البؤري على كل من مجال الرؤية والمسافة الظاهرية بين الأجسام في الإطار، وتُوَفِّر الأبعادُ البؤريةُ الأوسعُ مجالَ رؤية أكبر، وتجعل الأجسام تبدو أبعد عن بعضها، بينما تضغط الأبعاد البؤرية الأطول المشهد، ما يجعل الأجسام تبدو أقرب إلى بعضها، ويؤثر البُعْد البؤري أيضاً على عمق الميدان؛ حيث تُنتِج الأبعاد البؤرية الأطولُ عموماً عمقَ ميدان أقل، والذي يمكن استخدامه لعزل الأهداف عن خلفيتها.
تعكس مسافات الكاميرا المختلفة – عند “ورد حيدر” -الحالة العاطفية للشخصية.
عندما يرغب في توصيل الرحلة العاطفية للشخصية، يمكنه البَدء بلقطات واسعة، تنتقل تدريجياً إلى لقطات قريبة مع زيادة ضعف الشخصية عاطفياً، مما يَخلُق سرداً يعكس بصرياً، الحالة الداخلية للشخصية.
اِستعان المخرج الشاب -إذن – بلقطات تعتمد المسافات أهمها:اللقطة القريبة للغاية : وظَّفها “ورد حيدر”، لتُركِّز على تفصيل محدد – قد يشمل ذلك عيني الشخصية، أو شفتيها، أو شيئاً مهماً (أيدي،أوأرجل،أو قناع..) – لتعزيز الدراما، وجذب انتباه المشاهد إلى لحظة ذات أهمية في القصة.
من خلال التركيز على ميزة صغيرة داخل الإطار، يُعَزِّز هذا النوع من اللقطات ارتباط الجمهور بالهدف، ويكشف غالباً عن المشاعر والعواطف، التي لا يمكن للحوار وحده نقلها دائماً.
اللقطة القريبة : اِستُخدِمت لضغط ملامح الوجه، وتمويه الخلفيات، وهي تكشف عن المشاعر من خلال تعابير الوجه الدقيقة، أو إشارات لغة الجسد، أو عنصر ذي أهمية، فهي تُقَلِّل من التشتيت عن طريق ملء الإطار بعنصر واحد، وخصوصاً ونحن أمام جسد تعرَّض لعُقدة أو مرض نفسي ما، أو يظن ذلك.
اللقطة القريبة المتوسطة : وظَّفها المخرج، لإظهار الشخصية من حول الكتفين أو الصدر إلى الأعلى، لتلتقط تعابير الوجه وبعض لغة الجسد، وهي لقطة غالباً ما رأيناها في المشاهد ذات المشاعر القوية، لأنها تُساعِد الجمهور على التواصل مع مشاعر الشخصية (شخصية المخبر،وشخصية الجندي الذي انتحر أمام الطبيبة)
اللقطة المتوسطة : بتوازن الإضاءة بين الهدف والخلفية، واستخدمها المخرج في مشاهد الحوار، أو التفاعلات، لأنها تُوَفِّر مساحة كافية، لإظهار شخصيات متعددة مع إبراز الأفعال المختلفة، وإشارات لغة الجسد(مع شخصية الزوج، الذي يظن أن زوجته خانته، ويراها تجلس قربه متوهماً، وعندما اتصلت به عاملها برفق وحب مثلاً) وهي مثالية للتغطية المتوازنة؛ حيث تُحافِظ على السياق البصري، دون التخلِّي عن الشفافية العاطفية، والتي قصد المخرج إظهارها.
اللقطات المتوسطة الطويلة:ليُظهِر بها الشخصية من الركبتين إلى الأعلى، ما يخلقً مزيجاً من الوعي المكاني والتفاصيل. وَفَّرت مسافة كافية، لإظهار الأفعال ولغة الجسد مع منح المشاهدين، الوقت للتواصل عاطفياً مع الشخصية.
اِستُخدِمت لإظهار الشخصيات المنفردة وسط أماكن مقفلة، ما خلق تبايناً مثيراً للاهتمام بين الشخصية وبيئتها المحيطة.
كما أنها تُستخدَم بكثرة في مشاهد المحادثات أثناء الوقوف، أو عند تصوير حركات الشخصيات، ما يجعلها خياراً مثالياً للمَشاهد التي تتطلَّب الحركة والحوار معاً(شخصية المرأة التي تدَّعي أنها أذكى حتى من الطبيبة مثلاً في حركتها، وفي استعراضها للكذب والتلفيق لمبارزة الطبيبة فكرياً).
وشكلت اللقطة الكاملة تأطيراً للجسم بأكمله للهدف من الرأس إلى القدم، مع الحفاظ على مساحة في الإطار لتضمين ملامح الخلفية.
خلقت هذه اللقطة توازناً بصرياً بين الشخصية ومحيطها، ما جعلها خياراً رائعاً، لإظهار الحركة ولغة الجسد والبيئة في آن واحد، وتُستخدَم اللقطة الكاملة عادةً، عندما يكون عرض الشخصية بأكملها ضرورياً للمشهد.
إن تأطير اللقطات بأهداف متعددة – أو التنقل بين منظوري شخصيتين أو أكثر – يُظهر التوتر العاطفي، أو وجهات النظر المختلفة لجذب الجمهور.
تشمل التِّقْنيات الشائعة لقطات من فوق الكتف، ولقطات من وجهة النظر لغمر الجمهور في المشهد، كما لو كانوا جزءاً من الحدث، إذ صوَّر لنا مخرج الكنبة الأورونج في الموسم الثاني، لقطات على شكل مناظرة بين شخصيتين(المريض/الطبيبة)، مع وجود شخصية (مرة المريض، مرة الطبيبة) في المقدمة، بينما تُرَكِّز الكاميرا على ردِّ فعل الشخصية الأخرى(في تناوب دقيق)، ما يُظهِر الصراع بين الشخصيتين، وصراع داخلي متجذر لكل شخصية على حِدَة.
تُظهِر هذه الأنواع من اللقطات للمشاهدين بوضوح الديناميكيات بين الشخصيات المختلفة، ما يجعلهم يشعرون وكأنهم جزء من القصة، وليسوا مجرد مراقبين من الخارج.
كما استعان “حيدر” بلقطات من فوق الكتف :وهي لقطات عكسية، تستخدم عدسات قياسية إلى عدسات مُقرَّبة قليلاً، وتحتاج الإضاءةُ فيها إلى موازنة كلا الهدفين مع الحفاظ على العمق.
تُعزِّز هذه اللقطات تدفُّق المحادثة من خلال محاكاة كيفية تجربتنا للحوار في الحياة الواقعية، ووضع المُشاهد في مكان كل متحدث، هذا يساعد المتلقي على متابعة المحادثة المتبادلة بسهولة.
يمكن لهذه اللقطة أن تنقل المسافة العاطفية من خلال التحكُّم بِدِقَّة في مدى قرب، أو بعد المشاهد عن كل هدف.
عندما يتم وضع الجمهور خلف شخصية واحدة، يمكن أن يخلق ذلك منظوراً أكثر تحيُّزاً لوجهة نظر تلك الشخصية.
يمكن أن تُظهِر هذه اللقطة ديناميكيات القوة المتغيرة، أو تُسَلِّط الضوء على التوتر، أو تَعرِض المشاعر غير المنطوقة، اِعتماداً على كيفية تحرير اللقطة وتكوينها.
العلاج بالبَوْح:
البَوْح الذاتي، يعنى قيام المريض بتفريغ ما بداخله طواعية، وبدافعية ذاتية، وهو عملية تفاعل لفظي بين الفرد ونفسه، وعملية تفاعل أيضاً بين الفرد والجماعة، لأن الفرد لن يبوح بما داخله من مشكلات حادَّة، وانفعالات ومشاعر مضطربة، إلا إذا تمَّت عمليات الثقة، والتدعيم والتشجيع من قبل الجماعة، ولن تتِمَّ عملية العلاج بنجاح، إلا إذا علم الأفراد تجربة البَوْح الذاتي، التي قد تحتاج فى بعض الأحيان إلى التدريب والمِران، فبعض الأفراد تنقصهم القدرة حتى على التعبير عما بداخلهم.
كما أنه يجب أن يتِمَّ ذلك فى جو آمن ومُناخ هادئ، تسوده الثقة والتدعيم والمساعدة، ويخلو من العقاب والتجريح والسخرية، مع العلم أن البَوْح الذاتي، عملية بين شخصية وتخضع للثقافة العلاجية للجماعة، وسوف يلاحظ المُعالِج أنه أثناء عملية البَوْح الذاتي، سوف يقوم المريض، الذي يتحدث عن نفسه بالنظر إلى الشخص، الذي يرتاح إليه أو يميل إليه، أو قد ينظر إلى الأرض أو السقف، والجدران،وقد يصمت لحظات وتتغير تعبيرات وجهه ، ويضطرب أحياناً وقد يطلب الاكتفاء بقدر ضئيل ويشعر بالندم أنه قد تحدث عن نفسه، ودور المُعالج النفسي فى تدعيم الشخص والموقف بكفاءة.
العلاج بالبَوْح وسرد القصة، هو أسلوب نفسي يَعتمد على قوة الحكي، لتفريغ المشاعر السلبية، وإعادة كتابة الرواية الشخصية، وفصل الإنسان عن آلامه وصدماته، ليصبح بطل قصته لا ضحيتها.
يعتمد العلاج السردي على تحويل التجارب المبعثرة إلى قصة واضحة.
يُتيح البَوْح للشخص التعبيرَ عما يدور بداخله دون خوف من الحكم المجتمعي، ويُساعِد الفرد على رؤية مشاكله من الخارج وليس من الداخل.
يُظهِر العمل فوائدَ سرد قصتك الخاصة: تخفيف التوتر وتقليل الأعباء النفسية المخزنة في الذاكرة، واكتشاف نقاط القوة والمهارات الشخصية المنسية، وتغيير النظرة للأزمات السابقة وتحويلها إلى محطات نمو وتجاوز، وترتيب الأفكار بصورة منطقية تزيد من الشعور بالرضا والسعادة، ويعود بنا إلى فن الإنصات:المهارة المنسية التي تبني الثقة والتأثيرفي عالم يصرخ فيه الجميع ليُسمَع صوتهم، أصبح الإنصات الحقيقي عملةً نادرةً وقوةً خارِقةً صامتة.
يعتقد البعض أننا مستمعون جيدون ، وأننا ننتظر دورنا في الكلام، ونومئ برؤوسنا في الأوقات المناسبة، ونلتقط الكلمات الرئيسية.. لكن هل نحن حقاً “ننصت”؟ هناك فرق شاسع بين السمع السلبي للكلمات، وهو عملية فسيولوجية، وبين فن الإنصات الفعَّال، وهو انخراط نفسي وعاطفي كامل في عالم الشخص الآخر.
هذا الانخراط هو المهارة الأكثر تأثيراً ، والأقل ممارسة في ترسانة الذكاء الاجتماعي.
الصمت بطل آخر:
ما وراء الصمت: الإنصات الفعَّال هو أقوى أشكال التواصل:من منظور علم النفس الاجتماعي، الإنصات الفعال ليس مجرد استقبال للمعلومات.
إنه يُؤدّي وظائف نفسية واجتماعية عميقة، تُغيِّر ديناميكية أي تفاعل كما يرى علم نفس و يمكن التحقق: عندما تنصت لشخص ما بكل جوارحك، فأنت ترسل رسالة قوية وغير معلنة: “أنت مهم، تجربتك مهمة، وجودك مهم”.
هذا التحقُّق هو أحد أعمق الاحتياجات الإنسانية، وعندما تقدمه، فإنك تبني جسراً فورياً من الثقة.
إنه يبني الأمان النفسي: في بيئة يشعر فيها الشخص بأنه مسموع حقاً دون حكم، تنخفض دفاعاته، يصبح أكثر استعداداً للانفتاح، ومشاركة الأفكار الحقيقية، والتعاون في حل المشكلات.
إنه يمنحك البيانات الحقيقية: معظم الحوارات الفاشلة تنبع من سوء الفهم.
الإنصات السطحي يجعلك ترُدُّ على ما “تعتقد” أن الشخص قاله.
الإنصات الفعَّال يجعلك ترُدُّ على ما “قاله وشعر به” حقاً، مما يمنحك دِقَّة لا تقدر بثمن.
إنه أساس التأثير الحقيقي: لن يقتنع أحد بوجهة نظرك إذا لم يشعر بأنك قد فهمت وجهة نظره أولاً.
الإنصات هو الخطوة الأولى والأكثر أهمية في أي عملية إقناع أو تفاوض.
إنه يجعلك متحدثاً لبِقاً ومحبوباً، لأن تأثيرك يأتي من الفهم، وليس من القوة، ففي بيئة حرب يمكننا أن نمارس دور طبيب نفسي.
يُقْسَم الإنصات إلى ثلاثة مستويات:
المستوى الأول: الإنصات الداخلي، في هذا المستوى، إذ تسمع كلمات الشخص الآخر، لكن التركيز الأساسي ينصَبُّ على النفس، إذ تفكر: “ماذا سأقول بعد ذلك؟ كيف يؤثر هذا علَيّ؟ هذه القصة تذكرني بما حدث لي…”. هذا هو مستوى معظم المحادثات، وهو في الحقيقة مجرد انتظار لدورك في الكلام.
المستوى الثاني: الإنصات المركز، هنا، يُرَكِّز بشدة على الشخص الآخر، يستمع للكلمات، ويطرح الأسئلة، ويحاول فهم الحقائق.
هذا مستوى جيد وفعَّال في جمع المعلومات، لكنه لا يزال يفتقر إلى البعد العاطفي.
المستوى الثالث: الإنصات العالمي (أو التعاطفي) هذا هو قمة فن الإنصات الفعَّال.
لا تستمع فقط للكلمات، بل تستمع أيضاً لما هو “بين السطور”. تُلاحِظ نبرة الصوت، ولغة الجسد، والطاقة العاطفية، تستمع للمشاعر الكامنة وراء الحقائق.
في هذا المستوى، يُنْصِت للإنسان بأكمله، وليس فقط لرسالته.
اِستخدم الصمت بالعمل بشكل استراتيجي:في كثير من الأحيان، عندما يتوقف شخص ما عن الكلام، نسارع لملء الفراغ.
طبيبة كنبة أورنج 2 قاومت هذه الرغبة مراراً، ومنحت مرضاها لحظة صمت استخدموه لجمع أفكارهم ومشاركة شيء أعمق وأكثر أهمية، فالصمت بكل حلقة ليس فراغاً، بل هو مِساحة للتفكير.
يبقى العمل تجربة رائدة في مجال المشهد الفني العربي عموماً، والذي استطاع النبش في تيمة مسكوت عنها تطرَّق لها صُنَّاعها بشكل مناسب لما نعيشه من سرعة وقلَّة صبر في تتبُّع الحلقات الطويلة.
ومن بين أهم رسائله في نظري،هو قيمةالإنصات كهدية وقوة:في جوهره، الإنصات الفعَّال هو الهدية، إنه هدية وقتنا، وتركيزنا الكامل، وتعاطفنا.
في عالَم يزداد تشتتاً وضجيجاً، أصبحت هذه الهدية ثمينة بشكل لا يصدق، ولكنها أيضاً قوة.
إنها القوة التي تمنحنا فهماً أعمق للطبيعة البشرية، وتبني علاقات أقوى في حياتنا الشخصية والمهنية، وتمنحنا القدرة على التأثير بهدوء وحكمة.
كما تُظهِر أن مخرج السلسلة “ورد حيدر” سيشكل مدرسة خاصة في مجال الإخراج ،وأنه ليس عبثاً أن أسنُد له إخراج حلقات أحد مواسم السلسلة السورية الناجحة:بقعة ضوء، ولا عيب في أنه ورث فن الحكي/السرد.
★ناقد ـ المغرب




