إذاعة وتليفزيون

سارة الشرقاوي: الهُوِيَّة المَرْوِيَّة.. لماذا نجحت الدراما التركية؟

سارة الشرقاوي

لم تَعُدِ الدراما في العصر الحديث مجرد وسيلة للتسلية، أو ملء أوقات الفراغ، بل أصبحت إحدى أهمِّ أدوات القوة الناعمة القادرة على تشكيل الوعي الجمعي، وصناعة الصورة الذهنية للشعوب والدول.
وفي هذا السياق، تبرُزُ التجربة التركية بوصفها نموذجاً لافتاً في توظيف الدراما كأداة ثقافية واقتصادية وسياحية، استطاعت من خلالها الوصول إلى ملايين المشاهدين حول العالم، وتحويل المسلسل التلفزيوني من منتج ترفيهي إلى وسيلة للترويج للوطن وهويته وثقافته.

لقد أدركت تركيا مبكراً أن الدراما ليست مجرد حكاية تُروى، بل نافذة يُطِلُّ منها العالم على المجتمع. ولهذا لم تكتفِ بتقديم قصص رومانسية، أو اجتماعية، بل قدَّمت تركيا نفسها بوصفها مكاناً وثقافةً وتاريخاً ونمط حياة. فالمشاهِد العربي لم يكن يتابع الأبطال فقط، بل كان يتعرَّف في الوقت نفسه إلى شوارع إسطنبول، وسواحل البحر الأسود، والقرى الريفية، والمعالم التاريخية، والأسواق الشعبية. وبذلك تحوَّل المكان إلى بطل رئيسي داخل العمل الدرامي، وأسهم في تعزيز جاذبية تركيا سياحياً ثقافياً.
ولم يقتصر الأمر على تسويق المكان فحسب، بل امتد إلى تسويق الثقافة المحلية، فقد حرصت الدراما التركية على إبراز الأطعمة التقليدية، والأزياء، والحِرَف اليدوية، والعادات الاجتماعية، والموسيقى، والعلاقات الأسرية بصورة طبيعية داخل الأحداث. وهكذا تحوَّلت الثقافة اليومية إلى جزء من الحكاية، وأصبحت المسلسلات وسيلة للتعريف بالمجتمع التركي والترويج لمنتجاته وصناعاته.
كما أسهمت هذه الأعمال في تكوين صورة ذهنية إيجابية عن المجتمع التركي بوصفه مجتمعاً يجمع بين الحداثة والأصالة، وهو ما يكشف أن قوة الدراما لا تكمُن فقط في حَبكَتِها، بل في قدرتها على بناء علاقة وجدانية بين المشاهد والبيئة التي تُعرض على الشاشة.
ومن أهم عناصر نجاح الدراما التركية اعتمادها على مفهوم البطولة الجماعية. ففي معظم الأعمال لا يحتكر ممثل واحد مساحة السرد، بل تتشارك مجموعة من الشخصيات في صناعة الحدث الدرامي، وتمتلك كل شخصية مسارها الخاص ودوافعها الإنسانية وصراعاتها المؤثرة. وحتى الأدوار الصغيرة تؤدي وظيفة ضرورية في تطوُّر الأحداث، فلا يشعر المشاهد أن وجودها هامشي أو قابل للحذف. هذه البنية تمنح العمل عمقاً وواقعية أكبر، وتُشعِر الجمهور بأنهم أمام مجتمع كامل لا أمام بطل منفرد.

كما أن الصناعة التركية لا تعتمد بصورة مطلقة على النجم الأوحد، بل تمنح فرصاً متواصلة للمواهب الجديدة. ولهذا يرتبط نجاح العمل عادة بقوة النص، وجودة الإخراج، وبناء الشخصيات، أكثر من ارتباطه بشهرة الممثلين، وفي ذلك درس مهم للصناعات الدرامية التي تربط نجاح العمل باسم النجم أكثر من ارتباطه بقيمة المشروع الفني نفسه.
ولا يقتصر نجاح توظيف الهوية الثقافية على التجربة التركية وحدها، بل يمكن ملاحظته أيضًا في نجاح الدراما الشامية، التي استطاعت تحقيق حضور عربي واسع عبر تقديم صورة متكاملة للمجتمع الدمشقي بعاداته وتقاليده وأسواقه وحِرَفه وعماراته التراثية. فالحارة الشامية لم تكن مجرد ديكور، بل تحوَّلت إلى فضاء ثقافي يحمل ذاكرة المجتمع وتاريخه، وهو ما منح هذه الأعمال قدرة كبيرة على جذب المشاهد العربي.
وفي السنوات الأخيرة برزت تجربة الدراما اللبنانية والعربية المشتركة عبر ما يعرف بالاقتباس المحلي للفورمات الدرامية، وهو شراء الحقوق الرسمية لمسلسل أجنبي ثم إعادة كتابته وإنتاجه بما يتناسب مع ثقافة المجتمع الجديد، وقد نجحت أعمال عربية عديدة في الاقتباس من الدراما التركية، ليس بسبب نقل القصص كما هي، بل بسبب إعادة توطينها داخل بيئة عربية مألوفة للجمهور.
ويُعَدُّ مسلسل “عروس بيروت” المقتبس عن المسلسل التركي “عروس إسطنبول” من أبرز النماذج على ذلك، فقد نجح العمل في إعادة صياغة الشخصيات والعلاقات والأحداث داخل سياق عربي قريب من المشاهِد. إلا أن المفارقة تكمن في أن بعض التجارب العربية نجحت في استيراد القصص أكثر مما نجحت في استلهام أسباب النجاح الحقيقية للتجربة التركية. فالنجاح التركي لم يكن قائماً على الرومانسية وحدها، بل على تحويل الثقافة والمكان والهوية إلى عناصر فاعلة داخل السرد الدرامي.
ويتجلى هذا التوجُّه حتى خارج إطار المسلسلات. فقد ظهر ذلك بوضوح في الحملة الترويجية، التي شارك فيها النجم المصري “محمد صلاح” في مدينة “طرابزون”؛ حيث لم يقتصر المحتوى على إبراز شخصية اللاعب، بل ركَّز على المائدة التركية والأطباق المحلية والطبيعة الخضراء والضيافة والعلاقات الاجتماعية الدافئة، وبذلك تحوَّلت المدينة إلى بطل حقيقي للمشهد، في نموذج يعكس الفلسفة ذاتها، التي تقوم عليها الدراما التركية، وهي تقديم المكان والثقافة بوصفهما جزءاً أساسياً من الحكاية.
وهنا تتجلى “الخلطة التركية” الناجحة: قصة إنسانية، وطبيعة جذابة، وطعام محلي، وتراث ثقافي واضح، وشخصيات قريبة من الواقع.
إنها صيغة تتجاوز الترفيه؛ لتصبح أداة للتسويق السياحي والثقافي والاقتصادي في آن واحد.
في المقابل، تواجه الدراما العربية، وخصوصاً المصرية، عدداً من التحديات، التي أثرت في قدرتها التنافسية. ويأتي في مقدمتها هيمنة فكرة النجم الأوحد؛ حيث تُبنى كثير من الأعمال حول شخصية مركزية واحدة، بينما تتحول الشخصيات الأخرى إلى أدوات لخدمة البطل. وينعكس ذلك على تطور الشخصيات الثانوية، وعلى ثراء السرد الدرامي بصورة عامة.
كما أن جزءاً من الأزمة يرتبط بفقر التنوع المكاني داخل العديد من الأعمال المصرية. فالمشاهِد يُلاحِظ تَكرار مواقع التصوير نفسها من مسلسل إلى آخر؛ أحياء سكنية متشابهة، وفيلات ومكاتب ومقاهي تتكرَّر من عمل إلى آخر، حتى فقدت قدرتها على خلق الدهشة البصرية، أو منح الأعمال هوية مكانية مميزة.
ورغم ما تمتلكه مصر من تنوُّع حضاري وجغرافي هائل يمتد من الإسكندرية وسيناء ومدن القناة إلى الواحات والنوبة وصعيد مصر وسواحل البحرين الأحمر والمتوسط، فإن هذا الثراء لا ينعكس بالقدر الكافي على الشاشة.
وعلى النقيض من ذلك، تتعامل الدراما التركية مع المكان بوصفه عنصراً درامياً فاعلاً، فتسعى باستمرار إلى استكشاف مدن ومواقع جديدة ومنح كل عمل هويته البصرية الخاصة، ولهذا يتحوَّل موقع التصوير نفسه إلى عنصر جذب سياحي وإلى جزء من ذاكرة المشاهد. فالمكان في الدراما التركية ليس مجرد خلفية للأحداث، بل شريك في السرد وحامل للهوية الثقافية والاجتماعية.
كذلك تُركِّز بعض الأعمال العربية بصورة مُفرِطة على الأزمات الاجتماعية والعنف والصراعات اليومية، مع إغفال الجوانب الإيجابية للمجتمع والحِرَف التقليدية، والمهن المختلفة، وقصص النجاح والتنوع الثقافي.
بينما تُقدِّم الدراما التركية مجتمعها بكل ما يملكه من تناقضات، لكنها لا تنسى إبراز عناصر الجاذبية والجمال والخصوصية الثقافية، وهو ما فعلته الدراما الشامية أيضاً عندما نجحت في تحويل التراث المحلي إلى عنصر جذب جماهيري.
وفي الختام، فإن نجاح الدراما التركية لا يعود إلى الرومانسية، أو جمال الطبيعة وحدهما، بل إلى منظومة ثقافية وإنتاجية متكاملة، جعلت الفن وسيلة لسرد حكاية الوطن وتسويق هويته وتاريخه وثقافته للعالم.
كما تُؤكِّد تجربة الدراما الشامية، وبعض الأعمال اللبنانية المشترَكة أن المشاهِد العربي، يبحث عن مجتمع حي يراه على الشاشة، لا عن نجم منفرد فقط.
ومِنْ ثَمَّ فإن استعادة الدراما العربية لدورها الريادي، تقتضي الِانتقال من مركزية البطل إلى البطولة الجماعية، ومن تَكرار البيئات إلى اكتشاف المكان، ومن استنساخ القوالب التقليدية إلى الِاستثمار في ثَراء الهُوِيَّة العربية، بوصفها المصدر الأهمَّ للقوة الناعمة، والتأثير الثقافي.


★ناقدة ـ مصر.

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى