مسرح

أحمد بلخيري: الذاكرة والكتابة في “ذاكرة السمك” لحسام الدين مسعد(3ـ3).

أحمد بلخيري

لتيمة الكتابة مجموعة من الدوالِّ signifiants التي يضمُّها حقل دلالي واحد.
هذه الدوالُّ هي: مِلَفّ، غلاف، خط يدوي، الصفحات، الشريحة، كتَب، الجملة، الخوارزمية، نسخة، سطر، الصفحة الأخيرة، انتهى النص، صفحة بيضاء، كتبني، مؤلف، الشريحة، ملاحظات بقلم الرصاص، آلة.
هذا الحقل الدلالي يمكن تقسيمه قسمين، وكلاهما مرتبطان بالكتابة: القسم الأول :بتعلق بالكتابة اليدوية (مخطوط، قلم الرصاص). والقسم الثاني : يتعلق بالكتابة الآلية (آلة، الشريحة، الخوارزمية).
مثل التعرُّف الأرسطي، ولكن في بِنية درامية غير أرسطية، اِكتشفت المتكلمة في النهاية أن المحطة ليست محطة، وأن التابوت ليس تابوتاً، بل هو صندوق حفظ الديكور.
وفي الحقيبة الأولى استخرجت مِلَفّاً، وُصف بكونه سميكاً، “مكتوباً على غلافه بخط يدوي:”ذاكرة السمك””101.
في الغلاف يكون العنوان، وهذا عنوان مسرحية، وجدت المتكلمة، بعد تردُّد، مسرحية مخطوطة بدل رسالة.
كانت تنتظر رسالة، لكن أفق انتظارها Horizon d’attente خاب.
في مخطوط المسرحية يوجد”تدخل امرأة مُسِنّة…ترتدي ملابس بيضاء، وتجُرُّ حقيبة…وتتوقَّف أمام شباك التذاكر…”102.
وهذا كان موجوداً في أول الإرشادات المسرحية، مع علامة غير لفظية فارقة.
هذه العلامة هي المزدوجتان، هاتان الأخيرتان موجودتان في الاستشهاد الأخير الموجود في المخطوط، لكنهما غير موجودتين في الإرشادات المسرحية الأولى، ثم إن المرأة المُسِنّة الفاعلة درامياً، التي ظهرت منذ بداية النص الدرامي وقع تماهٍ بينها وبين المرأة المُسِنّة، التي يتحدث عنها المخطوط.
هذا التماهي دفعها إلى طرح سؤال مفادُهُ من كتب النص؟ الجواب عنه موجود في السطر الأخير من الصفحة الأخيرة في المخطوط، وهو”وفي النهاية …تكتشف المرأة …أنها مؤلفة هذه المسرحية”103.
هذا التماهي لعبة فنية تدخل في إطار المتخيَّل الدرامي، نتيجة هذا التماهي هي أن المرأة المُسِنّة موضوع نص درامي كتبه “حسام الدين مسعد”، وهذا واقع ملموس، ومؤلفة لنص درامي عنوانه “ذاكرة السمك” في المتخيَّل الدرامي.
وكان التساؤل عمن كتب جملة في المخطوط، والتساؤل إن كانت من اقتراح الخوارزمية، كانا معا جسرين للربط بين قسمي الحقل الدلالي المذكور الخاص بهذه التيمة.
وجود قسمي الحقل الدلالي المشار إليهما سابقاً، ووجود التماهي أيضا، كانا حافزين لتوجيه المرأة ثلاثة أسئلة للجمهور تتعلق بصنفين من الخوارزميات هي:
“أي الخوارزميات…أشد خطراً؟
الخوارزمية…التي تكتب النص؟
أم الخوارزمية…التي تسكن العقل؟”104
الخوارزمية التي تسكن العقل هي الشريحة La Puce المزروعة في عنقها؛ لأنها مريضة بالنسيان.
وبسبب هاتين الخوارزميتين، الخوارزمية التي تكتب النص والخوارزمية التي تسكن العقل، كان التمييز بينهما.

حسام الدين مسعد

ذلك أن الأولى قد تسرق الأسلوب، أما الثانية فتسرق”الذي كان يملك الأسلوب”105، وهو الكاتب.
من هذا التمييز انبثق مونولوغ مفادُهُ هل المرأة الموجودة في المخطوط نسخة تتذكر بالنيابة عنها؟106.
مونولوغ، علاوة على تعبيريته، هو أداة فنية للربط وعنصر في الحبكة الدرامية، وبسبب الخوارزميات، أمسى وجود المؤلف نفسه موضع سؤال.
علماً بأن الآلة، كما في النص، وظيفتها الترتيب والتنظيم، ولكنها تفتقر إلى جوانب موجودة في الإنسان وغير موجودة فيها.
نهاية النص الدرامي نفسها تنطوي على رسالة، فقد انتهى المخطوط بصفحة بيضاء معروضة على الجمهور؛ ولأنها معروضة عليه فالرسالة موجهة إليه.
و”ما أجمل…الصفحات…التي لم يكتبها أحد…ربما…هناك فقط…يولد الإنسان”107.
الصفحة البيضاء تقطع مع الصفحة المكتوبة، هذه الأخيرة تتعلق بالحاضر والماضي، ولا يوجد فيها الإنسان لأنه غير مولود، أما البيضاء فتتعلق بالاحتمال (ربما) أي بالمستقبل؛ حيث يمكن أن يولد الإنسان.
دالّ الإنسان، في السياق الدرامي الذي يوجد فيه، لا يتعلق بالوجود الفيزيقي للإنسان، فهو موجود في الماضي والحاضر، وسيكون موجوداً في المستقبل، ولكنَّ هذا الدالَّ يتعلق بالقيم الإنسانية التي يظهر من خلال تلك الألفاظ الدرامية أنها مفتقدة اليوم.
ولأهمية الرسالة التي تتضمنها الصفحة البيضاء فقد كان تبئيرها عن طريق تسليط الضوء عليها وحدها في آخر “مشهد” درامي، إنها رسالة النص الدرامي.
وبصفة عامة، لقد كانت الذات (المرأة المُسِنّة) تنتظر حبيبها، وتنتظر رسالة منه.
هذا هو موضوع انتظارها، لكن أفق انتظارها Horizon D’Attente، أفق انتظار الشخصية الدرامية الفاعلة في النص الدرامي، وليس أفق انتظار المتلقي، خاب، فكان مرض النسيان.
وكان التحوُّل الذي طرأ على هذه الشخصية الطبيبة، التي كانت تعالج المرضى فصارت في حاجة إلى معالجتها من المرض المذكور؛ حيث كانت الشريحة La Puce. ويمكن القول إن الذين أشعلوا الحرب، أي الذين يعود عليهم ضمير الجماعة، كانوا سبباً في عدم تحقيق الذات للموضوع الذي ترغب فيه.
لذا، فإن دورهم هو دور المعارِض، المرأة المُسِنّة هي الذات، وهي في الوقت ذاته المرسِل.
أما المرسل إليه فهو الجمهور، ومن أجل إيصال الرسالة Le message، كان الحوار الدرامي، والتشخيص، والسرد، والاسترجاع. وكان تعدد اللغات الدرامية، ومِنْ ثَمَّ تعدُّد العلامات الدرامية: الألفاظ، ونقط الحذف، والصمت، والحركة، والأكسسوارات، والنقاب الموصوف بالشرعي باعتباره قناعاً، والملابس، والإضاءة. نص مونودرامي فيه أيضا المفاجأة التي تتجلى في وجود المظروف بدل رسالة، والتشويق، وهما من صميم الإبداع الدرامي.
بناءً على كل ما سبق، يمكن القول إن النص المونودرامي”ذاكرة السمك” للكاتب الدرامي “حسام الدين مسعد ” نص درامي غني بأفكاره.
أفكار تتوزعها مجالات عديدة: فكرية، وتربوية، واجتماعية، ونفسية (الوجه والقناع) نص يتميز ببِنيته الدرامية متعددة اللغات الدرامية، ومنها نقط الحذف والصمت، وحبكته التي لها الفضل في ترتيب الأحداث والربط بينها في نص درامي، يرتكز على متخيَّل درامي سمته الإبداع، وليس اللاإبداع، الدراما وليس اللادراما.
نص مونودرامي كان فيه النقد المرتكز على تصوُّر فكري غايته ولادة إنسان جديد مشبع بالقيم الإنسانية، نقد مبطن في تلافيف بِنية درامية تحث القارئ/المشاهد على بذل جهد من أجل فكِّ الشفرات الدرامية.
الهوامش:
1-“حسام الدين مسعد”، ذاكرة السمك، PDF.ص 2،3،4،6،5،8،11،9،13،14،7

2-اُنظُر مصطلح التقطيع في “معجم المصطلحات المسرحية” ط 3، 2024، ص 110، إعداد “أحمد بلخيري”.

3-“أحمد بلخيري”، معجم المصطلحات المسرحية، دار الأمان، الرباط، المغرب، ط 3، ص 27 (إعداد). وكذلك:
Patrice PAVIS, Dictionnaire du Théâtre, Armand Colin, Ed 4, 2019K P 149.

4-المعجم الوسيط، ج 1، ص (498) في القرآن توجد آية (14) في سورة آل عمران هي:”زُين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطر المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسوَّمة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا”.


★ناقد وباحث مسرحي ـ المغرب.

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى