د.حيدر علي الأسدي: إشكالية الأجناس ومستويات التداخل في مسرحية موزائيك لـ “خزعل الماجدي”.


د.حيدر علي الأسدي★
يُعَدُّ أول من وضع قواعد التجنيس هو “أفلاطون” في جمهوريته، وتبعه بذلك “أرسطو طاليس” في كتابه (فن الشعر) وتقسيمه الثلاثي الشهير، ولأن تقسيمات “أفلاطون وأرسطو” تركَّزَت تماماً على مفهوم البويطيقا والتفرعات الثلاثية منها فقط .
ولعل أحد أهم النقاط التي يمكن ملاحظتها هو تلاصق المفهوم الأجناسي مع النظريات الكلاسيكية لتقسيم الأدب، وبالتحديد مع كتاب (فن الشعر) لـ” أرسطو” وكان العديد من الدراسين يجهلون أن ثَمَّةَ نقاداً أوربيين عِدّة نظروا إلى الأجناس الأدبية، وسعوا بقوة لزعزعة الثقة بتنظيرات “أرسطو”.
كما أن الدرس النقدي العربي يشمله كلام القصور في إبراز تلك التنظيرات التي جاءت بعد “أرسطو” ، ولعل أول تلك التنظيرات هي للفيلسوف الألماني “جورج فيلهام فريدريش هيغل” الذي ميَّز بين الأجناس الثلاثة على أساس الذاتي والموضوعي، أي أن ما يُعَبِّر عنه الإنسان ذاتياً يذهب لمنطقة الشعر، والملحمي يتخذ مجال الكشف الموضوعي العابر للذاتية ، وبالتالي تجمع الدرامية بين الضدين لتُشَكِّلَ عالمها المسرحي الخاص.
أما “جيرار جينيت” فيُسمي تقسيم “أرسطو” الثلاثي بالثلاثية المزعجة ، وبحث “جينيت” في كتابه (مدخل لجامع النص)عن النص الشامل، أو الجامع الذي يكون الشكل العام للأجناس.
ولعل أبرز مفكر وناقد أثار جدلاً هو الفرنسي “فرديناند برونتير” الذي فَسَّر التقسيم الأجناسي على أساس بايولوجي، وينسب إدخال مصطلح الجنس إلى الآداب والفنون من نظرته البايلوجية، وتشبيهه للجنس الأدبي بالجنس البايلوجي، ومن النقاد الامريكان الذين اهتموا بنظرية الأدب ونظرية الأجناس الأدبية بالتحديد هو “رينيه ويليك” فهو يرى أن موضوع نظرية الأجناس الأدبية والتداخل فيما بينها، ونتيجة بحثه المتواصل أنه لم تَعُدْ تحتل هذه النظرية مكان الصدارة في القرن العشرين.
أما الفيلسوف واللغوي الروسي “ميخائيل باختين” فكانت له كذلك رؤية في موضوع التجنيس من خلال انطلاقه من مفهوم الحوارية، وتعدد الأصوات في الرواية، ونخلص إلى أن مفاهيم ما بعد الحداثة هي أول من دعت إلى خلط المتناقضات، وبالتالي انضوى تحتها التداخل الأجناسي بين النصوص ، بل وحتى الفنون ولهذا فقد استخدم الكُتَّاب ـ الذين يكتبون رغبة في تنويعهم بالأساليب لأحداث الجمالية في بناء نصوصهم ـ العديدَ من الأجناس الأدبية المتنوعة في نص الجنس الأصلي.
وسنأتي على تحليل مسرحية (موزائيك للكاتب العراقي “خزعل الماجدي”) فالمسرحية تحكي قصة الملكة الاشورية “سميراميس” وهي مونودراما تجمع متضادات ومتناقضات عدة لسيرة هذه المراة في فضاء النص المسرحي الذي قدَّمه “خزعل الماجدي” وسط تداخلات سردية واسطورية وشعرية وسِيَريَّة.
تختلط هذه الشخصية المسرحية ما بين عوالمها الواقعية لسيرة ملكة اشورية التي سجَّلت حضوراً في التاريخ العربي وما بين المتخيل الاسطوري وكم الأساطير التي نُسِجَت عن هذه المراة.
المشهد الاول تعريفي بنفسها:
(أمي من أين أنت
لماذا تركتيني ورحلت
أم من أجل نساج جميل عابر وقعت في حبه فأعاب عليكِ الجميع أنك انحدرتِ الى مستوى العامة”( )
يتبين أن أمها عاشرت نساجاً، وانتحرت فتكون هي ابنة نصف سماوية ونصف أرضية.
أما المشهد الثاني : فهو صراع بين حبها لبابل وتمسكها بالسلطة والعرش بآشور.
والمشهد الثالث: (مشهد يتحدث عن كشف سرها بأنها كانت تقاتل مع زوجها كضابط من قِبَل الملك الذي يغتصبها من زوجها، ويتحدث المشهد عن قتلها للملك وانتزاعها العرش منه).
والمشهد الرابع: مشهد تربُّعها على العرش، وقتلها المتآمرين من الضباط والأمراء ليلاً بعد أن توقعهم بغرامها.
أما المشهد الخامس: فإنها تُشَبِّه نفسها بـ”الإسكندر المقدوني”.
أما المشهد السادس: فتتحدث هنا عن محاولة انتزاع العرش من قِبَل ولدها منها، فتقوم بإغواء كل المتآمرين معه وتقتلهم.
المستوى السردي : أول ملمح يمكن التقاطه في مسرحية “خزعل الماجدي” هو أنه يقسم المشاهد كعناوين فرعية مثلما يفعل الروائيين مثلاً (محنة سميرأميس) وكذا يضع مقتبسات من المسرحية تحت العناوين الفرعية، وهي تِقْنية تجتمع بها الرواية، وقصائد النثر المعاصرة كذلك .
كما في الآتي :
المشهد الاول:
(محبوبة الحَمام)
كُتِب علَيَّ أن أخوض في الغبار، ولا أنال سواه
وفي المشهد الثاني
(حرير بابل وحديد آشور)
كان الطين ينهمر من قبة بكائي.
وحينما تتحدث “سميرأميس” عن نفسها، فهي تصف نفسها بطريقة سردية حول ظروف رعايتها من قبل اشور وانتقالها للعرش بعد ذلك عبر الإطاحة بالملك زوجها الثاني فتقول:( رعاني آشور بقوسه وسهمه وشعلة ناره، وفتح لي آفاق البلدان، فجندلت الملوك تحت يدي، وأخضعت الأمراء لهواي، وقطفت زهرة نصري بسيفه، واحتضنتني زوجته “عشتار” فكانت حاضنتي ورايتي، كنت أتسلح بمنديلها في ذراعي” وبطريقة سردية تكشف عن فضح أمرها بوصفها محارباً في جيش زوجها “أونيس” وخطفها من قبل الملك الذي أُغرم بجمالها وبشخصيتها القوية والذكية: “حتى جاء اليوم الحاسم حين انتشر لُغزي بين الناس دون أن يعرفوا من أكون، كنت أُحارب مع زوجي “أونيس” ملثمة، وأُحرز أكبر الانتصارات، وحين سال الملك عن هذا الضابط الباسل الذي يُكَبِّل الأعداء أكبر الخسائر، اِضطُر زوجي إلى البَوْح بِسِرّي له، فاندهش الملك، وخَرَّ صريعاً في هواي..صعقته أولاً أسطورة شجاعتي، ثم صعقته أسطورة جمالي، ولم يتمالك نفسه” وهذا ما جعل “سميرأميس” تطمح بالإطاحة بالملك، وسرقة عرشه منه ، وهو ما دفعها لأن تكون أشبه بغانية، تطمح للحصول على الكرسي بتلميع نفسها ، والسرد حاضر في هذا المشهد فهي تقول: (لقد اغتصبني الملك حين انتزعني من زوجي، وتركه وحيداً نَهْب لياليه المظلمة، حتى سمل عيونه ثم انتحر، وضعني الملك في سريره وتزوجني ليُرضيَ غروره في الانتصار على امراة قوية وجميلة .
هكذا هُمُ الرجال، لكني أسلمت له القيادة، لكي أصل إلى هذا (تُمسِك التاج بيدها) رأيتها فرصةً أن أبدأ طريقي إلى العرش، ترجَّلت عن فرسي، وملأت وجهي أصباغاً، وصرت أشبهَ بغانية، لأليق به، وكان كرسيُ الملك يلمع بعيداً ويغشي ناظري”
المستوى السيري:يتحدث المؤلف “خزعل الماجدي” في بداية المسرحية عن شخصية “سميرأميس” التي هي (ملكة سمو- رامات) والتي أصبحت زوجة للملك “شمشي أدد الخامس” ثم تولت الوصاية على ابنها الصغير “أدد ينراري” وقد عاشت في القرن التاسع قبل الميلاد، وكانت في الأصل أميرة بابلية ذكرتها المصادر الكلاسيكية تحت اسم (سميرأميس) وقد امتزجت شخصيتها التاريخية بمجموعة كبيرة من الأساطير الجميلة بَدءاً من ولادتها ومروراً بتوليها العرش وحتى نهايتها”
كما أن “الماجدي” لمح في مقدمة المسرحية بأنه التقط خلال سيرتها جملة متناقضات دعته لكتابة المسرحية بهذه الهيئة، وكان المؤلف قد اعتمد نفس صفات الشخصية من الذكاء، ومشاركتها بالمعارك وطريقة اختطافها من قِبَل الملك من زوجها، وكونها أضحت ملكة بعد موت الملك.
المستوى الأسطوري: نظراً لاختلاف المؤرخين والكُتَّاب والمنظرين بشخصيتها ، فمنهم من أكد على واقعيتها، وثَمَّةَ من أشار إلى أنها شخصية أسطورية عبر كَمِّ الخرافات التي وردت بحقها في الروايات حول شخصيتها، فإن “الماجدي” قد اعتمد هذا البُعد الأسطوري في شخصيتها، ولم ينفهِ تماماً فهو يقول: (ولعل أشهر أسطورة نُسِجَت حول ولادتها تقول بأنها ابنة الآلهة السمكة “دركيتو” التي تركتها قرب بحيرة لأسراب الحَمام التي رعتها ، وأطعمتها ثم زواجها من قائد آشوري ثم بطولاتها في إسقاط مدينة (باكترا) المحاصرة من قِبَل الآشوريين، وإعجاب الملك الآشوري بها وزواجه منها.
وهناك أساطير خيالية واسعة عن توليها الملك وسيطرتها على دول الشرق والغرب من مصر والحبشة، وحتى الهند، وحروبها التي تُذَكِّرنا بحروب “الإسكندر المقدوني” الذي جاء بعدها بخمسة قرون وكأنه يُقَلِّدها في الفتوحات …وأخيرا تلك الأسطورة الرائعة التي تُحَوِّلها الى حَمامة وطيرانها وهي في عز قوتها بعد ان اكتشفت مؤامرة ابنها للسيطرة على مملكتها.
كما يرِد مقطع آخرُ يؤكد حقيقتها الأسطورية ، وهذا لا يعني التناول عن شخصيتها الواقعية كملكة آشورية لها بُعْدها التاريخي ، وإنما يُضاف لعملية التداخل التي أحدثها “الماجدي” في هذا الموزائيك لشخصية “سميرأميس” فيرد المقطع الآتي : “هكذا وضعتني الأقدار بين طفولة وصبا في بابل، وشباب وكهولة في آشور ، أحببت أبراج بابل وحدائقها وأهلها، وتوَلَّعْت بمجدها وتراثها وأدبها .
كانت بابل لي بمثابة المشيمة التي علقتُ بها، والثدي الذي رضعت منه، فهي الحقيقة بعد أن غابت أمي الأولى (دركيتو) في المياه، وحين وجدني الرعاة على أحد انهارها كانت طيور الحَمام قد صنعت لي عُشاً وأطعمتني الجبن والخبر بمناقيرها.
كيف أنسى نعمة أهل بابل حين تبناني حاكمها “سمياوس” الذي أسماني “سميرأميس” والذي يعني حبيبة الحَمام.
كيف أنسى رعايته ولطفه، لقد اختصني كابنة له وعلّمني كل شيء”
يتداخل في المقطع أعلاه ما هو سردي وأسطوري ومقالي، السردي بحكيها عن كيفية ولادتها الأولى ، والأسطوري بالشخصيات التي أشارت لها “سمياوس ودركيتو” والمقالي بتعريفها لاسمها “سميرأميس” والذي يعني حبيبة الحَمام، وتردف “سميرأميس” في النص المسرحي تعريفاً لنفسها قائلة: فمَن أنا الآن ؟اِبنة آلهة عاشرت بشراً نساجاً وانتحرت، هذه هي أصولي ، اِبنة سماوية مدللة من جهة، لكنني إنسانة من لحم ودم فأي عذاب هذا؟
وهذا ما يُدَلِّل على حريتها بين نصفها السماوي الذي يربطها بالأساطير، والنصف الأرضي الذي يجعلها تنسحب للعالم الأرضي الواقعي، وكل هذا بسبب أمها الإلهة التي عاشرت إنساناً نساجاً، فأنجبت من خلاله “سميرأميس” وجعل أمها تهرب من شدة ما لحقها من عار الاختلاء بالإنسان والإنجاب منه.
كما تم خلال المسرحية ذكر شخصيات بهيئة أسطورية كـ”آشور ومردوخ وإنليل” يُدَلِّل على معالم أسطورية نحتت النص المسرحي.
المستوى الشعري :إن النص الشعري في هذه المسرحية، يتميَّز بالعمق والمغايرة والتكثيف والتنوع، وهذا ما يجعل المتلقي يتفاعل ويندهش له نظراً لاتساع دلالاته التي تُفسح المجال أمام تأويلات التلقي ، فاللغة دائماً ما تتمتع بالثراء والتداخل الذي يتيح إضافةَ مسحة جمالية للنص .
ومثلما حضرت المستويات الأخرى، فإن المناجاة بالنصوص الشعرية، كانت هي حاضرة في النص ، فتقول “سميرأميس”:بكى هذا الحائط القديم حتى غسلني بدموعه من هامتي الى قدمي
ولم أعد أعرف دموعي من دموعه
ها أنذا بين الأبهة الزائفة
التي لا أراها سوى حطاماً
وها هو قلبي يحن إلى ذلك الماء الذي احتضنته حنيناً فيه
هناك حيث توارت أمي، وغابت في النهار الى الأبد
ووضعتني على ضفته
لماذا هذا اليتم؟
البطلة هنا تتحدث عن ولادتها من أم حورية بلغة شعرية نابعة من خطاب الذات لـ”سميرأميس” التي تطلق مناجاة ذاتية في المقطع أعلاه.
وثَمَّةَ مقطع أشبه ما يكون بالنصوص الشعرية ، يقول على لسان البطلة “سميرأميس”:
“رميت على الارض نرداً من الجمر
وكان هواي يلتهب بداخلي
لم يَعُدْ لي زوج، فقرَّرت أن أكون عاشقة”
ويستمر ظهور الشعر عبر الحوارات المونودرامية للبطلة في النص، إذ تقول :
“كلنا نتدحرج في مرايا
المرايا ..المرايا هي الموجودة
أما نحن، فأطياف ننعكس فيها
هنا وهناك، ولا ندري
مَرَّ هذا الزمان رفيعا كما الخيط في هامتي وطواني
كان ماء المرآة يسيح على وجوهنا
وهناك في اللهب المقدس نمسك شهواتنا، ونستدير
هذه الذكرة الأليمة للموت في أجسادنا
هذه الأيام العريضة، مثل ثوب فضفاض
نصعد السلالم أو نهبطها ..لا فرق”
وتتابع “سميرأميس”:”أنا التي أقطر ضوءاً في العين
أنا التي أعلو جواد القمة
النار بعض صورتي
والبدر شالي والنجوم العِمَّة
ميزان قلبي ها هنا في الكفين
أُنزل فيه مَن أشأ للظلمة
أو أرفع الذي أريد للعين
أقول ما تقوله الشمس : أنا من ضدين” يلاحظ ايقاع (النون) في المقطع أعلاه، وهو مقطع شعري بامتياز ، و”الماجدي” شاعر مقتدر له عدة دواوين شعرية، وعرف عنه أنه شاعر، قبل أن يكون كاتباً مسرحياً ، وهذا ما جعله يرسم لنا إيقاعات شعرية بلغة تتمثَّلُ فيها الصورة الشعرية والبلاغة في انتقاء المفردة المحببة على ذهن المتلقي، والتي تتسق وسياقات النص الشعري.
المستوى المقالي: ورد المستوى المقالي على نحو أقلَّ بكثير من السرد والشعر، إذ جاء بإطار لغة مقالية تعريفية فيقول المؤلف على لسان بطلته :
“كان اسمي (سيما) أي الروح، أو الحمامة وكان اسم المراة الدفينة في الإسكندر (سيما) …اسم قبري “الإسكندر المقدوني” في الإسكندرية (سيما) و(سوما) وأنا كنت (سيما) أما (سوما) فكان اسم اخي البحر الذي يعني الجسد “.
أما في نهاية المسرحية، يرِدُ على لسان “سميرأميس” : حتى أنت يا ولدي؟ وكأنها استعارة لمقولة “يولويوس قيصر” حتى أنت يا “بروتوس”.
في مسرحية شكسبير “يوليوس قيصر” فإن هدف ابنها و”بروتوس” هو نفسه الخيانة من أجل الملك والعرش.
إن هذا التداخل بين الأجناس الأدبية يُفضي إلى أن ثَمَّةَ أواصر مترابطة بين هذه الأجناس تحت نص جامع هو أبو الفنون كما يسمى من قِبَل النقاد.
★ناقد وأكاديمي ـ العراق.




