إذاعة وتليفزيون

محمد الروبي: ” الرهان ” سجن اختياري لم يغادر ذاكرتي منذ أربعين عاماً !

محمد الروبي★

الناقد المعروف ، رئيس تحرير جريدة مسرحنا العريقة الأستاذ الكبير “محمد الروبي” ، يخص مجلة نقد x نقد ، بمقالة يُحَرِّك فيها شجون الثمانينيات بمسحتها الدرامية الكلاسيكية ، التي أصبحت اليوم ” ترند ” يتباهى به الكل على صفحات وسائل التواصل ، هنا يُعيد “الروبي”
إلى ذاكرة كل من تابع الدراما المصرية في أوج عظمتها في تلك الفترة ، حين كان الجمهور يجد فيها متعته الأساسية ، ويذكرنا بزمن كانت فيه التلفزيونات العربية ـ وعلى رأسها التلفزيون المصري ـ تنتج العمل الدرامي، أو التمثيلية ذات الحلقة الواحدة ، قبل أن تطفو على الساحة بدعة المسلسلات ذات الـ30 حلقة ، وتدفن عهد التمثيلية إلى الأبد.
هنا ربط بين ماض كانت له صولات وجولات وجمهور مُحِب، وحاضِر ما زال يقتات على إرث الماضي، رغم كل محاولات الانسلاخ التي يدعو لها كثيرون في عالم سيطر عليه الزيف و الذكاء الإصطناعي .
                                          مجلة نقد x نقد

فجأة ظهر على هاتفي مشهداً من سهرة تلفزيونية قديمة كنت شاهدتها بالكامل منذ أربعين عاماً تقريباً، وأذكر أنها أخذتني حينها أخذاً جميلاً.
توقفت أمام المشهد أتأمله وأستمع إلى حوار شخصياته بإمعان، لأكتشف أن بينه وبين نص مسرحي عُرض مؤخراً تشابهاً كبيراً، ليس فقط في فكرته الرئيسية، بل وفي بعض جمل حوار
شخصياته.
حينها تبسمت، وأيقنت أن تلك واحدة من مصادفاتي الجميلة التي تأتيني في موعدها دون تعمد بحث.
على الفور قررت أن أبحث عن السهرة بكاملها، لأعود بها إلى ذلك الإحساس القديم الذي تملكني مع مشاهدتها الأولى .
السهرة هي “الرهان “، وعرضت عام 1983، عن قصة بالاسم نفسه، لـ “أنطون تشيخوف”، كتب السيناريو والحوار لها” شنودة جرجس”، وأخرجها “أحمد صلاح الدين”، وقام ببطولتها “يحيى الفخراني وعبد الرحمن أبو زهرة وفاطمة مظهر وجمال إسماعيل”.
تبدأ السهرة من المحكمة.المحامي إيفان “يحيي الفخراني” يطلب من القاضي تخفيف الحكم على موكله، لكن الحكم يأتي قاسياً.. الإعدام.
يصرُخ الرجل مُستعطفاً : ” إعدام لا.. إعدام لا.. اُسجنوني مدى الحياة، لكن أموت لا”.
الكاميرا على وجه “إيفان” الحزين، بينما يظل صوت الرجل يرن في أذنه.

في المنزل، أمام المرآة، نراه يعدل من وضع “بابيونه” استعداداً لحفل دعا إليه صديقه “هيرمان”. وخلفه زوجته، “فاطمة مظهر”، تقف أمام دولاب الملابس، محتارة في اختيار فستان مناسب للحفل.
لكن صوت الرجل المحكوم عليه بالإعدام ما زال يرن في أذن “إيفان”.
هنا تبدأ واحدة من أولى علامات البناء الجيد في السهرة. فالمشهد الأول لم ينتهِ بخروجنا من المحكمة.
لقد حمل “إيفان” معه ذلك الصوت إلى بيته. اِنتقلنا من الإعدام إلى المرآة، ومن المحكوم عليه إلى البِذْلَة والبابيون والفستان، ومن الموت إلى حفلة، لكن السؤال لم يختفِ. لقد غيَّر ملابسه فقط.
في بيت “هيرمان” تتسع الدائرة. ضيوف كثيرون، رجال ونساء، وحوار يبدو في البداية أقرب إلى أحاديث السهرات. تتحدث النساء عن إعلان غريب في إحدى الصحف يدعو إلى التوقُّف عن صيد الحيوانات النادرة من أجل فرائها. تضحك بعضهن من الفكرة، ثم ينضَمًّ الرجال إلى الحديث، فيختلفون بين مؤيد ومعارض.
غير أن “إيفان” لا يدخل إلى النقاش من باب حماية الحيوانات أو رفضها، وإنما يحرف مساره كله نحو الإنسان.

فإذا كان هناك من يطالب بوقف قتل الحيوانات من أجل فرائها، فلماذا لا نطالب أولاً بوقف إعدام الإنسان؟ كأن صوت المحكمة يعود مرة أخرى وقد وجد طريقاً جديداً إلى مائدة السهرة.
يتسع الحوار بين “إيفان وهيرمان”. يرى “هيرمان” أن الإعدام قد يكون أرحم من أن يُترك الإنسان خمسة وعشرين عاماً بعيداً عن المجتمع، بينما يرى “إيفان” أن العزلة يمكن احتمالها، بل قد تمنح الإنسان فرصة للابتعاد عن قبح المجتمع وتناقضاته.
الجميل أن الحوار لا يأتي كأنه محاضرة فلسفية أُقحمت في السهرة. لقد نما أمامنا خطوة خطوة، بدأ من رجل ينتظر الإعدام، مرّ بِحوارٍ زوجيٍ عابرٍ، ثم بإعلان عن فراء الحيوانات، قبل أن يعود إلى الإنسان وحياته وموته، حتى وصل إلى السؤال الذي كان يختبئ خلف كل ذلك: هل يستطيع الإنسان أن يحتمل العيش وحيداً؟
“هيرمان” لا يصدق.“إيفان” يُصِرُّ على أنه يستطيع. فتأتي كلمة “هيرمان”(تتحداني) لتفتح الباب أمام كل ما سيأتي.“هيرمان”، بطبيعته المُحِبّة للمغامرة والتحدي، يعلن أمام الجميع (مليونا روبل إذا استطاع “إيفان” أن يعيش وحيداً في زنزانة لمدة خمس سنوات فقط، وليس خمسة وعشرين عاماً).
لكن “إيفان” يرفع الرهان إلى خمسة عشر عاماً، ثم يقول له (أنت تراهن باثنين مليون روبل، وأنا أراهن بحريتي) لم يَعُدِ الأمر مجرد مشاجرة كلامية بين رجلين. “هيرمان” يضع المال، أما “إيفان” فيضع شيئاً لا يمكن استعادته، يضع جزءاً من عمره.في مكتب “هيرمان”، يحاول صديقان أن يُثنيا الرجلين عن هذا الرهان المجنون، ثم يقول أحدهما لـ”إيفان”: (إنتبه.. السجن الاختياري أفظع وأشد.. )
جملة بسيطة، لكنها فسَّرَت لي لماذا صادفتني تمثيلية (الرهان ) في ذلك التوقيت بالذات.
يرُدُّ “إيفان” بثقة: (لكن أنا واثق إني هاقضي الـ 15سنة) إيفان بهذه الجملة يظن أنه يعرف نفسه جيداً، ويثق أنه يستطيع أن يفرض إرادته على الزمن وعلى وَحدته وعلى ضعفه، لكنه لا يعرف بَعْدُ أن الإنسان الذي يدخل الزنزانة اليوم قد لا يكون هو نفسه الذي سيخرج منها بعد عشر سنوات.
“إيفان” لا يراهن فقط على احتمال السجن، وإنما يُراهِن على أن يظل هو نفسه.ثم يُغلق الباب. لتبدأ مهمة أصعب على أي كاتب أو مخرج، إذ كيف تُصنع دراما من رجل يعيش سنوات طويلة في مكان واحد؟
كان يمكن أن تتحول الزنزانة إلى مجرد ديكور، وأن تصبح السنوات أرقاماً تتقدم على الشاشة، لكن السهرة تجد دراميتها في التفاصيل الصغيرة التي تكشف مرور الزمن وتُغَيِّر الرجل.
في البداية، يبدو “إيفان” وكأنه دخل الزنزانة منتصراً، لديه ثقته، ولديه ما يكفي من العناد ليواصل التجربة، ثم يبدأ في البحث عن وسائِلَ لقتل الوقت، يقرأ، ويكتشف الكتب، وتتسع المسافة بين الرجل الذي دخل الزنزانة والرجل الذي يجلس فيها بعد سنوات.
فالكتب ليست مجرد وسيلة لتمضية الوقت، إنها الأبواب التي يستطيع “إيفان” أن يفتحها.
ينتقل من عالم إلى عالم، ومن معرفة إلى معرفة، بينما يظل جسده ثابتاً في المكان نفسه.
وهذه واحدة من أجمل مفارقات السهرة، فالرجل الذي اختار أن يحبس جسده يَكتَشِف تدريجياً أن عقله يستطيع أن يسافر أبعد مما كان يستطيع وهو حر.
وهنا يصبح أداء “يحيى الفخراني” مهماً جداً ، فهو لا يحتاج إلى أن يقول لنا إن “إيفان” تَغيَّر.
الزمن يظهر في وجهه وفي صمته وفي الطريقة التي يستقبل بها العالم عندما يصل إليه من بعيد.

حتى السجان ” جمال إسماعيل ” لا يبقى مجرد موظف يُغلِق الباب ويَفتحه. العلاقة التي تتشكل بينه وبين “إيفان”، وقلقه عليه حين يمرض، والوردة التي يُقَدِّمُها له بعد شفائه، تجعل العالم الخارجي يتسلل إلى الزنزانة في صورة إنسان واحد.
وربما لهذا تبدو مواجهة “إيفان” مع زوجته في زيارتها الأولى والأخيرة مؤلمة. حين تقول له إن الناس لم يكونوا مهتمين برهانه كما يتصور، فهي لا تخبره بخبر عابر، إنها تهدم صورة كاملة عاش عليها، كان يتخيَّل أن العالم في الخارج ينتظر عودته، فإذا بالعالم قد واصل حياته من دونه. وهنا تتسع الزنزانة أكثر.
فالمشكلة لم تَعُدْ أن “إيفان” بعيدٌ عن الناس، وإنما أن الناس أنفسَهم لم يتوقفوا بانتظاره. أما “هيرمان”، فقد كان يعيش رهاناً آخر.
حين تتدهور تجارته ويخسر أمواله، يتحَوَّل المبلغ الذي بدأ به الأمر إلى عبء حقيقي. وهنا تكشف السهرة شيئاً قاسياً في شخصية الرجل، فـ”الرهان” الذي بدأ كاستعراض للقوة والمغامرة، يصبح أقوى من صاحبه، ولذلك تأتي محاولته للتخلص من “إيفان” صادمة، ليس لأنها مجرد محاولة قتل، وإنما لأنها تكشف إلى أين يمكن أن يَجُرَّ الإنسانَ وَعْدٌ قطعه في لحظة لعب.وهنا يصبح الفرق بين الرجلين أكثر التباساً.
“إيفان” دفع من عمره ثمن الرهان، و”هيرمان” دفع من إنسانيته، ثم نصل إلى اللحظة الأخيرة.
قبل انتهاء السنوات الخمس عشرة بخمس دقائق، يخرج “إيفان”. لم ينتظر المال، ولم ينتظر الاحتفا،. ولم ينتظر حتى نهاية المدة التي اختارها بنفسه، فقط يترك خطاباً يقول فيه: إن “هيرمان” كان على حق، وإن الإعدام أرحم من فقدان الإنسان حريته.وهو ما يعني أنه خسر الرهان .فهل خسره حقاً؟ في المقابل يصرخ هيرمان وهو يقرأ الخطاب:(كسبت الرهان..) (كسبت الرهان).فهل كسبه حقاً؟
“إيفان” خرج، نعم، لكنه خرج بعد أن دفع خمسة عشر عاماً من حياته، و”هيرمان” لم يحصل على انتصاره أيضاً، فقد خسر ماله، وتجربته، وكاد أن يخسر ما تبقّى من إنسانيته.من خسر ومن كسب؟ ليس ذلك هو السؤال الذي تتركه نهاية السهرة التلفزيونية، بل ماذا فعل الرهان بالرجلين؟وهذا تحديداً ما لم أكن أراه بالطريقة نفسها وأنا أشاهد السهرة للمرة الأولى قبل أربعين عاماً. يومها كنت مشاهداً ينتظر نهاية الحكاية. أما الآن، وبعد الأربعين ، فقد توقَّفتُ عند أشياء صغيرة لم أكن أعرف قيمتها يومها، صوت المحكوم عليه الذي خرج من المحكمة مع “إيفان”، الباب الذي ظل مفتوحاً طوال السنوات، السجان الذي تحَوَّل من حارس إلى إنسان قريب، الزوجة التي ذكّرته بأن العالم لم ينتظره، و(هيرمان) الذي صار مُستعداً للقتل من أجل مال لم يعد يملكه.
وربما لهذا ظلت قصة (الرهان) قادرة على العودة إليّ بعد كل هذه السنوات، ولتؤكد لي، في هذه اللحظة تحديداً، أن بعض من يَدَّعون الإبداع يُراهِنون على أن لا أحد سيرى، وإن رأوا لن ينتبهوا، وإن انتبهوا لن يلتفتوا، وربما حينها سيصرخون فرحاً ( كسبنا الرهان )، وهم لا يعلمون أنهم من (الأخسرين أعمالاً).


★ناقد ورئيس تحرير مجلة مسرحناـ مصر.

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى