تشكيل

أحمد جمال عيد: ” سمرة “الفن التشكيلي حين يستعيد حقه في الظهور.

أحمد جمال عيد

ثَمَّةَ فنونٌ اعتادت أن تجد لنفسها طريقاً إلى الشاشة، وفنونٌ أخرى ظلّت طويلاً تنتظر عند عتبتها.
فالشاشة المصرية، على اتساع تاريخها وتنوُّع تجاربها، منحت مِساحات واسعة للسينما والمسرح والموسيقى والغناء والرياضة، بل نشأت قنوات كاملة مُتخصِّصة في الرياضة، وبرامج لا تكاد تنقطع عن متابعة كرة القدم وأخبارها ونجومها، كما حظيت السينما والمسرح والموسيقى ببرامج وحوارات وقراءات نقدية متعددة. أما الفن التشكيلي، ذلك الفن الذي يُشَكِّل الذاكرة البصرية للأمم، ويُعيد صياغة علاقتنا بالمكان والإنسان والهُوِيَّة، فقد ظل حضوره التلفزيوني محدوداً، متقطعاً، وغالباً ما يظهر بوصفه خبراً عن معرِض أو مناسبة عابرة، لا بوصفه خطاباً ثقافياً قائماً بذاته، وهنا تحديداً تكتسب تجرِبة “سمرة” أهميتها.

ليس لأن البرنامج هو الأول في تاريخ التلفزيون المصري، الذي يقترب من الفن التشكيلي، فذلك سيكون اختزالاً للتاريخ؛ فقد عرف المشهد التلفزيوني والثقافي تجارب مهمة، من بينها تجربة “الأتيليه” التي قدَّمها الفنان التشكيلي “طه القرني” على قناة النيل الثقافية، والتي اهتمت بالحركة التشكيلية، وتجارب الفنانين والحَراك الفني والمجتمعي، كما ارتبطت تجربة “القرني” أيضاً ببرامج مثل “بورتريه” و”لقطة”.

لكن قيمة “سمرة” تكمن في شيء آخر:
في الطريقة التي تحاول بها أن تجعل الفن التشكيلي جزءاً من الحياة، لا مجرد موضوع للحديث عنها.
وهذا فارق يبدو بسيطاً في الظاهر، لكنه في جوهره فارق بين برنامج يتحدث عن الفن، وبرنامج يُحاوِل أن يُعيد الفن إلى موقعه الطبيعي داخل الوعي اليومي للناس.
المشكلة في العلاقة بين الجمهور والفن التشكيلي ليست دائماً في غياب الفن، وإنما في غياب الوسيط الذي يستطيع أن يقرّب المسافة بين الإنسان والعمل الفني.

فالمعرِض قد يكون موجوداً، واللوحة قد تكون جميلة، والفنان قد يكون صاحب تجربة عميقة، والناقد قد يكتب عشرات الصفحات، لكن ثَمَّةَ إنساناً يقف خارج كل ذلك، لا يعرف كيف يدخل.
ومن هنا تبدو تجربة “سمرة” ذات دلالة.
فهي لا تتعامل مع الفن التشكيلي بوصفه مادة نخبوية، ينبغي أن تبقى مُحاطة بمصطلحاتها وأسوارها، وإنما تُحاوِل أن تفتح نافذة أكثر إنسانية عليه.
وقد عَبَّرَت “فاطمة حسن” عن هذه الفكرة بوضوح، عندما تحدَّثت عن رغبتها في أن يصبح الفن التشكيلي قريباً من الناس، لا حبيس قاعات العرض والمتاحف، وأن تجمع التجرِبة بين الحوار والرسم والمعلومة واكتشاف المواهب، وهذا في تقديري هو جوهر المسألة.
فالفن لا يخسر حين يصبح قريباً من الجمهور؛ بل يخسر حين يصبح عاجزاً عن الوصول إليه.
واللافت أن اسم البرنامج نفسه يحمل طبقة دِلالية تتجاوز التسمية التلفزيونية.
فـ”سمرة” هو اسم تجربة تشكيلية سابقة لـ”فاطمة حسن”، أقامت من خلالها معرِضاً ضم ثلاثين لوحة بالأكريليك، تنوعت بين الورود والبورتريهات والطبيعة الصامتة. وكانت التجرِبة مرتبطة بذكرى شقيقتها الراحلة، وبعلاقة خاصة بالورد واللون والذاكرة والفقد.
كما أن اختيار البَشَرة السمراء في عدد من بورتريهات التجرِبة لم يكن تفصيلاً شكلياً؛ فقد ربطت الفنانة ذلك بتجربة شخصية قديمة مع التنمر بسبب سمار لونها، قبل أن يتحوَّل هذا اللون في وعيها إلى مصدر جمال واعتزاز.
وهنا يُصبِح انتقال “سمرة” من عنوان معرِض إلى عنوان برنامج أمراً أكثر عمقاً من مجرد تشابه في الاسم.
إنه انتقال من اللوحة إلى الشاشة، ومن التجرِبة الذاتية إلى المجال العام، ومن اللون بوصفه قيمة تشكيلية إلى اللون بوصفه هوية وذاكرة.
وكأن الفنانة لم تغادر مرسمها حين وقفت أمام الكاميرا؛ بل أخذت مرسمها معها.
ربما يكون أحد أسرار “سمرة” أن مقدمته ليست إعلامية جاءت إلى الفن من خارجه، وإنما فنانة تشكيلية دخلت إلى الإعلام وهي تحمل معها خبرة العين واليد واللون.
“فاطمة حسن” خريجة كلية التربية الفنية بجامعة حلوان، وعملت في الصحافة رسامة صحفية، وأقامت معارض متعددة، وتنوَّعت تجرِبتها بين البورتريه والطبيعة الصامتة والرسم التعبيري والكاريكاتير ورسوم الأطفال.
كما حصلت على الجائزة الأولى في البورتريه ضمن مسابقة عالمية لفن الكاريكاتير نظَّمها الأزهر، بمشاركة دولية واسعة.
وهذه الخلفية مُهِمَّة جداً في قراءة البرنامج.
فهي تجعل الكاميرا أمام شخصية لا تكتفي بأن تسأل الفنان عن اللوحة، وإنما تستطيع أن تنظر إلى اللوحة بعين الفنان.
وهنا تتغَيَّر طبيعة الحوار.
إننا لا نكون أمام مذيعة تسأل: ماذا أردت أن تقول في هذه اللوحة؟
بل أمام فنانة تستطيع، بحكم تجرِبتها، أن ترى ما وراء اللون، وأن تفهم علاقة الفنان بالخامة، وأن تلتقط لحظة التردُّد، وأن تُدرِك لماذا اختار الفنان هذا الخط دون غيره، ولماذا ترك مِساحة بيضاء، ولماذا جعل وجهاً يخرج من العتمة، ولماذا تحوَّلت ضربة الفرشاة أحياناً إلى ما يشبه الجملة الشعرية، إنها صحافة بعين تشكيلية، وهذه ميزة لا يمكن تجاهلها.
في تجربة “فاطمة حسن” ثَمَّةَ شيء آخر يستحق التوقف عنده: علاقتها بمصر بوصفها مكاناً وذاكرة وهُوِيَّة.
فهي لا تتعامل مع مصر باعتبارها خلفية جغرافية مُحايِدة، وإنما تبدو مصر في تجرِبتها أقرب إلى كائن بصري حي؛ له ألوانه، وملامحه، وطقوسه، وأشخاصه، وبيوته، وأشياؤه الصغيرة.
وقد ظهر حضور الجنوب بوضوح في تجرِبتها التشكيلية، ومنها معرِض “إيكادولي” الذي استلهم ملامح جنوب مصر وموضوعات الحب والبيوت والطيور والأطفال والجمال، بما يؤكد أن المكان ليس مجرد موضوع في تجرِبتها، وإنما أحد مصادر تكوينها البصري، وهنا يصبح الجنوب أكثر من مكان،إنه ذاكرة بصرية.
والفنان الحقيقي لا يرسم المكان كما تراه العين فحسب؛ بل كما استقر في الوجدان. لهذا تبدو خصوصية “سمرة” في قدرتها على استعادة شيء من مصر التي لا تظهر دائماً في الخطاب الإعلامي السريع: مصر التي تختبئ في التفاصيل، في اللون، في الحكاية الشعبية، في الموروث، في الإنسان، في العمارة، في الذاكرة، وفي ذلك التداخل العجيب بين القديم والمعاصر.
نحن نعيش في زمن لم تعد فيه الصورة مجرد وسيلة للتعبير، بل أصبحت البيئة التي نعيش داخلها.
الصورة تحاصرنا في الهاتف، وفي الشارع، وفي الإعلان، وفي منصات التواصل، وفي الأخبار، وفي واجهات المحال، وفي كل ما نراه تقريباً.
لكن المفارقة أن كثرة الصور لم تجعل الإنسان بالضرورة أكثر قدرة على الرؤية.
لقد أصبحنا نرى أكثر، وربما نبصر أقل.الصورة الحديثة في كثير من الأحيان لا تطلب من المتلقي أن يتأمَّل؛ تطلب منه أن يمُرّ.أن يرى، ثم يمُرّ.أن يعجب، ثم يمُرّ.أن يستهلك، ثم يمُرّ.
وهنا تأتي أهمية الفن التشكيلي؛ لأنه يفعل العكس تماماً.
اللوحة الجيدة تُجبِرك على التوقُّف.والتوقُّف في زمن السرعة فعل مقاومة.أن تقف أمام لوحة يعني أن تمنح نفسك دقائق لاستهلاك شيء لا يُستهلك.
أن تتأمل لوناً لا يبيع لك منتجاً، ووجهاً لا يطلب منك أن تضغط زراً، ومِساحة لا تريد منك أن تشتري شيئاً.
الفن في أحد معانيه العميقة، يُعيد للإنسان حقه في التأمل.ولهذا فإن برنامَجاً مثل “سمرة” لا يُقَدِّم خدمة للفنان التشكيلي وحده، وإنما يُقَدِّم خدمة للمتلقي أيضاً.إنه يدافع عن حق الإنسان في أن يرى الجمال وسط عالم يتسارع في إنتاج القبح.لقد أصبح الانتباه في عصر المنصات الرقمية سلعة.
كل شيء تقريباً مصمم كي يخطف عينك. العناوين تصرخ، والصور تتزاحم، والألوان تتنافس، والمحتوى يزداد سرعة واختصارًا حتى يكاد الإنسان يفقد قدرته على البقاء أمام فكرة واحدة.
وفي هذا السياق تبدو البرامج الثقافية الجادة وكأنها تتحرك في الاتجاه المعاكس.إنها لا تقول للمشاهد: انظر بسرعة.بل تقول له: انظر مرة أخرى.وهذه هي إحدى وظائف الفن الأساسية.
أن يغير علاقتنا بما اعتدنا رؤيته.
أن يجعل المألوف غريباً، والغريب مألوفاً، والبسيط عميقاً، والعابر قابلاً للتأمل.ومن هنا يمكن قراءة “سمرة” بوصفها محاولة لاستعادة وظيفة التلفزيون الثقافية، لا باعتباره جهازاً لنقل المحتوى فحسب، بل باعتباره مؤسسة قادرة على تشكيل الذائقة العامة.
الفن التشكيلي ليس هامشاً في الثقافة، من الأخطاء التي ينبغي أن نتجاوزها أن نتعامل مع الفنون التشكيلية باعتبارها فرعاً هامشياً من فروع الثقافة.
فاللوحة ليست زينة.
والنحت ليس ترفاً.
والكاريكاتير ليس مجرد ابتسامة.
والتصميم ليس مجرد ترتيب جميل للعناصر.
كل هذه مجالات تنتج خطاباً بصرياً قادرًا على صناعة الوعي، وتشكيل الذاكرة، وحفظ الهوية، وتفسير المجتمع.
وقد أثبت الكاريكاتير المصري، مثلاً، أنه يستطيع أحياناً أن يقول في خط واحد ما تحتاج المقالة إلى صفحات كي تقوله، والفنان “عمرو فهمي”، بوصفه أحد الأسماء المعروفة في هذا المجال، يقدم نموذجاً واضحاً لاستمرار حضور الكاريكاتير بوصفه فناً جماهيرياً قادراً على قراءة المجتمع ونقده.
لكن المفارقة تظل قائمة:
لماذا يستطيع الكاريكاتير أن يجد طريقه إلى الصحافة، بينما يظل الفن التشكيلي بمعناه الأوسع أقل حضوراً على الشاشة؟
ولماذا نمتلك برامج وقنوات رياضية متخصصة، ومساحات واسعة للسينما والمسرح والغناء، بينما لا يزال البرنامج التشكيلي المتخصص استثناءً أكثر منه قاعدة؟
السؤال هنا ليس ضد هذه الفنون؛ بل من أجل عدالة ثقافية أوسع.
فالثقافة ليست ملعباً له مدرج واحد.
“سمرة” لا يتحدث عن الفن التشكيلي فقط، من يتابع تجربة البرنامج يجد أن مفهومه لا يتوقف عند حدود اللوحة التقليدية.
فمن حلقاته ما تناول الكاريكاتير، ومن ذلك حلقة استضافت الفنان “مصطفى السيد”، وتناولت العلاقة بين الكاريكاتير والفن التشكيلي والذكاء الاصطناعي ودور الرسم في التعبير عن قضايا المجتمع، كما تحدثت عن دعم المواهب الصغيرة.
وهنا تكمن نقطة قوة أخرى.
فالبرنامج لا يحاول أن يحبس الفن داخل تعريف ضيق.
إنه يتعامل مع الثقافة البصرية باعتبارها فضاءً واسعاً تتقاطع داخله الفنون والتجارب والأفكار.
وهذا مهم خصوصاً في اللحظة الراهنة، التي تغيَّرت فيها حدود الفن نفسه، وتداخلت فيها اللوحة مع الصورة الرقمية، والتصميم مع الذكاء الاصطناعي، والكاريكاتير مع الإعلام الجديد، والفن مع الحياة اليومية.
وبذلك يصبح “سمرة” مِساحة يمكن من خلالها طرح الأسئلة التي تشغل الفنان المعاصر:
ما الذي يبقى من الفن في زمن الذكاء الاصطناعي؟
هل تستطيع الآلة أن تنتج إبداعاً أم أنها تُعيد تركيب ما صنعه الإنسان؟
كيف نحافظ على الهُوِيَّة البصرية في زمن الصورة العالمية؟
كيف يمكن للفنان الشاب أن يجد طريقه إلى الجمهور؟
وهل اقتناء الفن رفاهية، أم فعل ثقافي؟
هذه الأسئلة ليست ترفاً نقدياً، بل أسئلة تمس مستقبل الثقافة البصرية نفسها.
من اكتشاف الفنان إلى اكتشاف الإنسان، أجمل ما يمكن أن يفعله برنامج ثقافي ليس أن يقول للمشاهد: هذا فنان مهم، فانظر إليه.
بل أن يجعله يكتشف بنفسه لماذا يستحق هذا الفنان أن يُرى. وهنا تظهر أهمية الحوار.
الفنان لا يأتي إلى الشاشة بوصفه اسماً في كتالوج، وإنما بوصفه إنساناً يحمل ذاكرة وتجربة وخسارات وأحلاماً وأسئلة.
و”سمرة” حين تستضيف الفنانين والمواهب لا تُقَدِّم اللوحة وحدها، وإنما تفتح نافذة على الإنسان الذي صنعها. وهذا ما يجعل الفن أكثر قرباً.فالجمهور قد لا يعرف المصطلحات النقدية، لكنه يعرف الحزن.
وقد لا يعرف المدارس الفنية، لكنه يعرف الحب.
وقد لا يستطيع تفسير التكوين، لكنه يستطيع أن يقول: هذه اللوحة لَمَسَتني.وهنا تبدأ العلاقة الحقيقية بين العمل الفني والمتلقي.
ولأننا نتحدث عن برنامج تُقَدِّمه فنانة تشكيلية، فإن الشكل البصري للبرنامج لا يمكن أن يكون تفصيلاً ثانوياً.
فالهُوِيَّة البصرية، والمقدمة، والتتر، وطريقة حضور المذيعة، واختيار الموضوعات، وطريقة بناء الصورة التلفزيونية، كلها تشكل خطاباً موازياً للمحتوى.
ومن هنا يمكن النظر إلى “سمرة” باعتباره محاولة لبناء هُوِيَّة لا تعتمد فقط على ما يقال، وإنما أيضاً على كيف يُرى ما يقال.
وهذا أمر شديد الأهمية في عصر أصبحت فيه الثقافة نفسها تَمُرُّ عبر الصورة. فإذا كانت “فاطمة حسن” تتحدث عن الجمال، فمن الطبيعي أن يكون البرنامج نفسه مطالباً بأن يُمارِس الجمال في تكوينه.
وإذا كان يتحدث عن الهُوِيَّة، فلا بد أن تكون الهُوِيَّة حاضرة في الصورة والموسيقى والمكان واللغة والإيقاع. وإذا كان يدافع عن الفن، فلا ينبغي أن يبدو الفن فيه ضيفاً عابراً، بل ينبغي أن يكون جزءاً من نسيج التجربة.
ولعل من الإنصاف هنا أن نتوقف عند المؤسسة الإعلامية التي احتضنت التجربة.فوجود برنامج متخصص في الفن التشكيلي على شاشة فضائية في زمن تزداد فيه المنافسة على المشاهدة ليس قراراً بلا دلالة.إنه في حد ذاته، نوع من الاختيار الثقافي.
ولهذا تستحق قناة الشمس تحية هادئة، لا لأنها قدمت برنامجاً بعينه فحسب، وإنما لأنها أتاحت مساحة لفن كثيراً ما يُترك خارج دائرة الضوء.
والثقافة في جوهرها ليست فقط ما تعرضه المؤسسات الثقافية الكبرى؛ إنها أيضاً ما تختار وسائل الإعلام أن تمنحه فرصة لكي يُرى.
وفي زمن تتسع فيه مساحة المحتوى السريع، يصبح منح الجمال وقتاً على الشاشة فعلاً له قيمته.ومن هنا يمكن تحية الأستاذة “سميرة الدغيدي”، رئيس مجلس إدارة ومالكة شبكة قنوات الشمس، على إتاحة هذه المساحة لتجربة ثقافية وفنية من هذا النوع.
فالفضائيات لا تكتفي بنقل الذوق العام؛ إنها تسهم، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، في تشكيله.وكلما اتسعت الشاشة للجمال، ضاقت المساحة التي يجد فيها القبح طريقه إلى الوعي.
ربما تكون هذه هي الكلمة الأهم في تجربة البرنامج كلها:
الفرز.فنحن نعيش وسط فيض هائل من الأشياء.صور كثيرة.أصوات كثيرة.أخبار كثيرة.آراء كثيرة.ألوان كثيرة.لكن ليست كل الكثرة حياة.أحياناً تكون الكثرة شكلاً آخر من أشكال الفوضى.والفن يأتي ليقوم بعملية فرز هادئة:
يفرز ما يستحق أن يبقى.
يفرز المعنى من الضجيج.
يفرز الجمال من القبح.
يفرز الإنسان من الاستهلاك.
ولهذا لا أرى “سمرة” مجرد برنامج يتحدث عن الفن التشكيلي.
أراه، في دلالته الأوسع، محاولة لاستعادة وظيفة الثقافة نفسها:
أن تجعل الإنسان أكثر قدرة على التمييز.
أن تعلمه أن ليس كل ما يلمع جميلاً، وليس كل ما يملأ الشاشة جديراً بالمشاهدة، وليس كل ما يثير الانتباه يستحق أن يحتل الذاكرة.
الثقافة الحقيقية لا تضيف إلى العالم ضجيجاً جديداً؛ إنها تساعدنا على سماع الصوت الذي ضاع وسط الضجيج.

الفنانة التي تحمل جنوبها إلى الشاشة
وفي زمن تتشابه فيه الوجوه، والأماكن، والصور، والبرامج، وتصبح النماذج الإعلامية متقاربة إلى حد التكرار، تبدو خصوصية “فاطمة حسن” في تمسكها بجذورها وذاكرتها البصرية أمراً يستحق التقدير.
فالهُوِيَّة ليست أن نكرر الماضي.
الهُوِيَّة أن نحمله معنا ونحن نمضي إلى المستقبل.
والجنوب ليس مجرد مكان على الخريطة؛ إنه طبقة من الذاكرة المصرية، ومن المخيال الشعبي، ومن الألوان والعادات والحكايات والوجوه والعمارة والضوء.
وحين يدخل الجنوب إلى العمل الفني، فإنه لا يدخل بوصفه فولكلوراً، بل بوصفه رؤية للعالم.
وهنا تصبح “سمرة” جزءاً من مشروع أوسع لاستعادة الإنسان المصري في صورته المحلية الحميمة، بعيداً عن الصورة الاستهلاكية المصقولة التي تريد أن تجعل العالم كله نسخة واحدة.
لا يحتاج الفن دائماً إلى أن يصرخ كي يكون مُقاوِماً.
أحياناً تكون مقاومته في مجرد وجوده.
أن تضع لوحة في مواجهة شاشة مليئة بالصخب.
أن تمنح فناناً شاباً دقائق يتحدث فيها عن حلمه.
أن تجعل طفلاً يكتشف أنه يستطيع أن يرسم.
أن تجعل مُشاهِداً لم يدخل معرِضاً من قبل يشعر أن اللوحة تخصه أيضاً.
أن تذكر الناس بأن هناك شيئاً اسمه الجمال.
كل ذلك يمكن أن يكون شكلاً من أشكال المقاومة.
مقاومة الاستهلاك.
مقاومة التسطيح.
مقاومة الذاكرة القصيرة.
مقاومة فكرة أن الإنسان لا يحتاج إلا إلى ما يضحكه أو يثيره أو يدفعه إلى الشراء.
الفن يقول شيئاً مختلفاً:
أنت لست مُستهلِكاً فقط؛ أنت كائن قادر على الإحساس والتأمل والخلق.
وهذه ربما تكون الرسالة الأكثر إنسانية التي يمكن لبرنامج فني أن يحملها.
لست معنياً هنا بأن أضع “سمرة” في منافسة مع برامج أخرى، ولا أن أمنحه حكماً نهائياً؛ فالبرامج الفنية، شأنها شأن الأعمال الإبداعية، يمكن قراءتها وتطويرها ونقدها.
لكنني معني بأن أتوقف أمام ظاهرة تستحق الاهتمام:
أن يعود الفن التشكيلي إلى الشاشة بوصفه ثقافة، لا خبراً هامشياً.
وأن تخرج اللوحة من جدران المعرض إلى فضاء المشاهد العادي.
وأن يصبح الفنان ضيفاً على ملايين البيوت، لا على قاعات العرض وحدها.
وأن نمنح للعين المصرية فرصة أخرى كي تتذوق، لا أن تستهلك فقط.
وفي هذا السياق، تأتي “سمرة” بوصفها تجربة تستحق أن تُقرأ لا من زاوية برنامج تلفزيوني فحسب، وإنما من زاوية علاقتها بالحَراك الثقافي والبصري المصري.
إنها تجربة تقودها فنانة تشكيلية وصحفية، وتحاول أن تصنع من الشاشة مِساحة للحوار مع الفن، وأن تفتح الطريق أمام المواهب، وأن تقرّب اللوحة من الناس، وأن تستعيد شيئاً من خصوصية المكان والهُوِيَّة.
وقد واصلت حلقات البرنامج خلال 2026 استضافة فنانين وتشكيليين ومناقشة قضايا تتصل بالفن والكاريكاتير والذكاء الاصطناعي والمواهب الجديدة.
ولعل أجمل ما يمكن أن نطلبه من تجربة كهذه ليس أن تكتفي بالاستمرار، بل أن تتسع، أن تتسع للتجارب الجديدة، أن تتسع للنقد.
أن تتسع للشباب.أن تتسع للباحثين والنقاد.
أن تتسع لفنون الصورة كلها.
وأن يصبح حضور الفن التشكيلي على الشاشة المصرية أمراً طبيعياً، لا استثناءً يحتاج كل مرة إلى من يدافع عن حقه في الوجود.
فالفن ليس هامش الثقافة، الفن أحد الأماكن التي تحفظ فيها الثقافة وجهها.
وفي عالم يزداد سرعة، وتزداد فيه الصورة لمعاناً بينما يقل معناها، ربما نحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى من يقول لنا، بهدوء:
توقف قليلاً…
انظر…
ثم حاول أن ترى ما وراء ما تراه.


★فنان تشكيلي ـ مصر

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى