سينما

محمد فهمي: “برشامة”.. بين جرأة الفكرة واستسهال النكتة.

محمد فهمي

قبل الخوض في التفاصيل الفنية لفيلم “برشامة”، دعنا نَعُدْ قليلاً إلى أيام الامتحانات.
في كل عام كان يظهر ذلك الطالب الغائب طوال الفصل الدراسي؛ حيث يحضُرُ فجأة مُحَمَّلاً بحكايات لاتنتهي عن ظروفه العائلية ووالده على درجة المعاش المبكر، ووالدته العاجزة عن الحركة وكفاحه من أجل الإنفاق على شقيقاته البنات، وكأنها تمهيدٌ لطلب المساعدة المنتظرة.
كان الطلاب المجتهدون منشغلين بمراجعة ما تَبَقَّى من المنهج، بينما الآخر مستمرٌ في سرد مبرراته واستدرار العاطفة، ثم يدقُّ جرس الامتحان، وتُوَزَّع أوراق الأسئلة، وتمُرُّ دقائق معدودة حتى يخرج السؤال الأول كالمعتاد بصوت خافت: إجابة السؤال الأول إيه؟
مشهد متكرر في مدارس وجامعات، حتى أصبح جزءاً من الذاكرة الجماعية لأجيال كاملة، ولكن هناك سؤال، لم يُجِبْ عليه أحد حتى الآن، حتى قرَّر صُنَّاع العمل طرحه: هل الغش يصبح مقبولاً عندما يرتدي ثوب المساعدة؟

هنا يأتي دور “شيرين دياب” و”خالد دياب” و”أحمد الزغبي”، الذين اختاروا أن يضعوا المجتمع أمام نفسه، لِتبدأَ المواجهة بين صُنَّاع العمل والجمهور.
فكما اعتدنا في السنوات الأخيرة، لم يَعُدْ هناك عمل فني يحظى بإجماع كامل، فينقسم الجمهور بين مؤيد يرى في الطرح الجرأة المطلوبة، ومعارض يعتبره تجاوزاً لا ضرورة له.


والحقيقة أن “برشامة” منح الفريقين ما يدعم موقفهما. فمن الإنصاف الاعتراف بجرأة الفكرة، ليس لأنها تتناول الغش في الامتحانات بوصفه سلوكاً شائعاً، بل لأنها تحاول تفكيك الفكر، الذي يسمح له بالاستمرار والتبرير.
أما اللحظات الكوميدية الناتجة عن محاولات الغش البائسة، فقد أعادت للأذهان جرعة من النوستالجيا الممزوجة بالعسل الأسود.

ولكي يتمكن صُنَّاع العمل من مواجهة المجتمع بعيوبه، كان لابد من وجود شخصية تقف في الاتجاه المعاكس، وهنا يأتي دور “عبد الحميد” الذي يُجَسِّدُهُ “هشام ماجد”، ذلك الطالب المتشدد في التزامه بالمبادئ إلى درجة تبدو مستفزة لمن حوله.

وعلى الرغم أن حلم الالتحاق بكلية الهندسة والفرصة سانحة أمامه فإن الأمر بالنسبة له لا يقتصر على النجاح أو الرسوب، بل يرتبط بقناعة راسخة بأن ما يتحقق بالمجهود الشخصي هو ما يستحق الاحتفاء به، لذلك يرفض الانخراط في حالة الغش الجماعي، ليس خوفاً من المراقبين، أو العقوبات، وإنما التزاماً بما يؤمن أنه الصواب.
ومن هنا يتحَوَّل “عبد الحميد” إلى الشخصية الأقل قبولاً داخل العمل الفني، فبينما يبحث الجميع عن النجاح، يقف هو عقبة أمام رغباتهم، لتصبح كل محاولات استمالته، أو إشراكه في الغش محاولات فاشلة، لهذا السبب تحديداً يتراجع نصيب “هشام ماجد” من الكوميديا مقارنة ببقية الشخصيات، وهو أمر لا يعود إلى ما يصفه البعض ب”سلكان” “هشام ماجد” بل بطبيعة الشخصية نفسها، التي كُتبت لتكون الطرف المناقض لهذا الصراع.

“هشام ماجد” هنا لايُقَدَّم على أنه البطل الكوميدي التقليدي، بل يظهر في صورة الطالب الدحيح، الذي يرفض مساعدتهم، ويقف عائقاً أمام طوق نجاتهم للخروج من ورطة الامتحان.

ولأن زملاءَهُ يُمَثِّلون إلى حد كبير طريقة تفكير قطاع واسع من المتلقين، الغالبية العظمى من المتلقيين فقد انتقلت الكوميديا إلى صفهم، وأصبحوا هم الطرف الأقرب إلى الجمهور، بينما تحوَّل “عبد الحميد” إلى الصوت المزعج، الذي يُذَكِّر الجميع بما لا يريدون سماعه، وليس لأن “هشام ماجد” أقل إضحاكاً، بل لأن طبيعة الشخصية نفسها تفرض عليه الوقوف خارج دائرة المرح، التي تجمع بقية أفراد اللجنة.

ولكي يكتمل هذا الصراع الأبدى بين الخير والشر، فكان لابد من وجود قوة مضادَّة تدفع الأحداث في الاتجاه المعاكس، وهنا تتحوَّل اللجنة بأكملها إلى خصم يقف في مواجهته، بل وأيضاً الظروف نفسها تتآمر عليه، وهو ما سيتضح مع تطَوُّر الأحداث.

 

فجميع الطلاب داخل اللجنة يشتركون في هدف واحد، وهو النجاح بأي وسيلة ممكنة. لا يشغل بالهم كثيراً ماهية الوسيلة. بعضهم يبحث عن فرصة مستحقة لتحسين وضعه المادي، أو لتحقيق مكانة اجتماعية أفضل.

وأثناء استغراقك في مشاهدة أحداث الفيلم ستعي أن تلك الشخصيات كما قال “عبد الحميد”: ناس طيبة وغلبانة وأن بعضها قد تصادفه، أو صادفته بالفعل ولم ترَ منه شيئاً مكروهاً، بل له مَعَزَّةٌ ومَحَبَّةٌ خالصة من المحيطين به.
لكن اطرح على نفسك سؤالا:ً هل كل أفعال المكروهة يجب أن تكون فجة ومعلنة؟ أم أن هناك تصرفات كريهة نراها تكون في غاية الصغر، لكن تأثيرها السلبي كبير للغاية؟

وإذا اتخذنا تصرُّف الغش في الامتحانات، أو الغش التجاري، أو أي نوع من أنواع الغش، التي لها تأثير سلبي على عدد من أفراد المجتمع، ستعي تماماً أن هذا الفعل مكروه عند الخالق والمخلوق،
كيف لكل طلاب اللجنة لم يعرفوا ذلك؟
الإجابة: يعرفون، ولديهم يقين أن الغش حرام، ولكن هناك من يتعامل مع أقوال الله ورسوله بشكل هين، وكأنه بغبغاء يُرَدِّدُ الكلام دون إدراكه،
فعلى سبيل المثال، وتم ذكرها في الفيلم نفسه :
(إن الله تواباً رحيما .. باب رحمة ربنا مفتوح دائماً للتوابين) .. الكذب حرام تماماً كالغش .. مع الخلط بين أقوال العلماء وعدم إدراكها”

كل ذلك يعرفه أفراد المجتمع الواحد والأسرة الواحدة، والعائلة الواحدة وطلاب الفصل، وكل مجموعة تجمعهم ظروف معينة
ويضعنا الله امام اختيار ونحن من ننفذ،
فإذا أُتيحت لك الفرصة لتحقيق هدف ما، وكانت الوسيلة الوحيدة هي الغش، فكيف سيكون ردُّ فعلك؟

وكما أشدنا بجرأة صُنَّاع العمل في هذا الفيلم، نعيب عليهم الإفراط في النكتة، التي قد تكون حساسة لدى العديد من المشاهدين، فهي لا تمُرُّ مرور الكرام، بل تحتاج وقت لِتَقَبُّلِها
وقد تَقَبَّلْنا العديد منها في الجزء الأول من الفيلم لإداركنا لإبعاد الفكرة، لكن بعد ذلك أصبح الأمر مملاً وسلبياً، وأثَّر على قيمة العمل الفني ككل.

لدرجة استعانة النجم “هشام ماجد” بإفيه مَرَّ عليه أكثر من خمسين عاماً في فيلم “مراتي مدير عام”، وأيضاً فإن مقولة “الإفراط في الشيء مُضِر” تم تطبيقها على هذا العمل، مما شتت المشاهد تجاه الخلاف الدائر بين صُنَّاع العمل والمتلقي: هل هذا العمل يدسُّ السم في العسل؟ هل يهاجم الدين الإسلامي الحنيف؟ هل يسخر من الشيوخ والأئمة والعلماء؟
كل هذا كان في غنى عنه من أجل إكمال “فاتورة الضحك”، فالفيلم في الأساس كوميدي، ويضم أغلب صُنَّاع الضحك، أصحاب الشعبية الكبيرة في الوقت الحالي.
لكن كان لابد من بذل مجهود مضاعف من المؤلفين، واستغلال طاقة الممثلين والشخصيات القريبة من الواقع، من أجل تقديم وجبة كوميدية دسمة، وبها موضوع جريء لا خلاف عليه من الأسوياء.

يكمن نجاح “آل دياب” في الترابط الذكي بين أحداث العمل الفني الواحد، وتشعُّب الخطوط الدرامية للشخصيات، لكنهم أغفلوا المواهب المدفونة لدى هذه المجموعة المتميزة من الممثلين في تقديم أفضل ما لديهم، لدرجة جعلتنا نظن أن دور “هشام ماجد” أقل من “حاتم صلاح” أو “مصطفى غريب”.
لكن الفيلم كان يبحث عن النكتة، التي تُشعِلُ صالات العرض، وتُحقِّق التريند عند عرضه على المنصات، فكان “حجاج، وحليلة” هم الأكثر حظاً في الفيلم.

الأدوار متماثلة، ولايوجد بطل واحد للعمل، وهذا يُحسب كالعادة ل “هشام ماجد”. ولكن كان لابد من الغوص بشكل أكبر في أعماق الشخصية لتقديم شيء مختلف عن ما قُدِّم مسبقاً.

و”ريهام عبد الغفور” كان دورها لايليق بموهبتها، ولم تكن مندمجة في الكوميديا بشكل كبير، بينما “كمال أبو رية” تم إعادة اكتشافه من جديد في السنوات الأخيرة، مما جعلتنا ندرك قيمته الحقيقية كممثل مخضرم يُتْقِنُ كافة ألوان التمثيل.

الفيلم يُواجِه المجتمع، والمجتمع يخاف من المواجهة. الفيلم أخطأ في الإفراط، والمجتمع استغل الفرصة، وتأثَّرَت الفكرة والأحداث الدرامية نتيجة لبعض التعديلات وحذف ما يزيد عن الحد ويتخَطَّى الخطوط الحمراء .


★كاتب ـ مصر.

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى