نواف الربيع:فريق “روى” المسرحي.. تدوين رواية النساء المسرحية.

نواف الربيع★
مسرح يخص النساء وحدهن، تشتغل فيه النساء على صناعة مسرحية كاملة الأركان: تمثيلاً، وإخراجاً، وتأليفاً، وإنتاجاً، وإدارةً للصوتيات، والإضاءة. مسرح وُلد من الموهبة والشغف وحدهما، بلا رغبة مالية ولا سعي إلى الشهرة، وكان ذلك هو الدافع الأساسي وراء نشأة المسرح النسائي في الكويت، الذي بدأ منذ بدايات الألفية وامتد حتى عام 2025 دون أن يتوقف لأرثيه؛ فأنا أؤمن بأن المسرح النسائي مستمرٌّ ما دام المسرح في الكويت مستمراً، وما دامت النساء مخلصاتٍ لأحلامهن وشغفهن.

في تاريخ الكويت المسرحي، ثمة تجارب مرّت بصمت دون أن تحظى بالتوثيق الذي تستحقه، ومن المؤكد أن المسرح النسائي أحدها.
من هنا أكتب اليوم، مدفوعاً برغبة قديمة لمقاومة النسيان والاندثار، وفي إطار مشروع أعمل عليه لتوثيق هذا المسار، بدأتُ بالعودة إلى أحدث التجارب، تمهيداً للانتقال تدريجياً إلى الأقدم، ولعل أحدث تلك التجارب تجربةُ فريق روى المسرحي.
“روى” من أروقة الخالدية:
من أروقة جامعة الكويت في الخالدية، قرّرت الصديقات: “أسماء الكندري، وديمة بورحمة، وفاطمة العلي، وهديل الماجد، وفرح المسباح”، تأسيس فريق روى المسرحي عام 2011، خصوصاً بعد خوضهنّ تجربة الصناعة المسرحية النسائية في المسرحية الجامعية “فوق تحت”، التي مثّلت انطلاقتهنّ نحو تأسيس فريق نسائي يؤمن بقدرة المرأة على صناعة العرض المسرحي بكافة عناصره. وكان الفريق يروي، منذ ذلك الحين، حكاية فتيات مع المسرح.
6 أعمال.. صناعة نسائية:
وخلال سنوات، قدّم فريق روى المسرحي أربعة أعمال مسرحية نسائية: مسرحية “فوق تحت” (2011)، ومسرحية “الرصيف” (2013)، وكلتاهما من تأليف “أسماء الكندري”؛ ومسرحية “اذكريني” (2014)، من تأليف “آمنة الربيع وأسماء الكندري”؛ ومسرحية “ليلانا” (2016)، من تأليف “سارة المطيري وآمنة الربيع”.

ومن اللافت في تجربة فريق روى المسرحي قدرته على صناعة امتداد مسرحي خارج مظلته نفسها؛ إذ قدّمت مجموعة من الفتيات العاملات فيه عملين مسرحيين مُستقلين، هما “لا تأكل” و” فترينا”، من تأليف وإخراج “آمنة الربيع وسارة المطيري”. قُدِّمت الأولى تحت مظلة جمعية الإصلاح الاجتماعي (٢٠٢٤)، بينما قُدِّمت “فترينا” تحت مظلة مسرح الخليج العربي (٢٠٢٥).
حرص الفريق في أعماله على الاشتباك مع قضايا المرأة في ، العناية بالشأن الإنساني والاجتماعي؛ إذ طرحت بعض الأعمال، مثل “فترينا”، سؤالاً جوهرياً: هل تُجدي الحرب بين المرأة والرجل نفعاً؟ كما تناولت -من وجهة نظر المرأة- موضوعات الزواج والانفصال والحضانة، وتأطير المرأة داخل قوالب المجتمع، والحدّ من أحلامها وطموحاتها وغير ذلك.
وتذكر إحدى مؤسسات الفريق جملة من موضوعات الأعمال الأولى: الانتماء إلى الكويت والعمل من أجل رفعتها، إلى قبول الاختلاف والرأي الآخر، وأهمية الحلم والسعي لتحقيقه، وقيمة العمل في بناء الفرد والمجتمع، إضافة إلى سعي الفرد لتغيير واقعه ومجتمعه للأفضل.

بوستر بلا وجوه، إيمان بالعرض
من الطبيعي أن ترتبط الصناعة المسرحية، في كثير من الأحيان، بقدرتها على تحقيق مردود مالي، وهو ما يدفع المنتج إلى التعويل على أسماء فنية تمتلك حضوراً جماهيرياً يضمن قدراً من النجاح التجاري ومردوداً مادياً مُرضياً. غير أن تجربة فريق روى المسرحي سارت في اتجاه مختلف؛ إذ كان الشغف بالمسرح وصناعته غايةً في ذاته.
ولهذا، خلت الملصقات الدعائية لعروض الفريق من صور الممثلات أو الأسماء التي تُسوَّق وقد تجذب الجمهور. واقتصر البوستر على شعار العرض ورسم تعبيري يُحيل إلى فكرته، تأكيداً على أن العمل المسرحي ذاته هو من يكسب الرهان.

أما فريق عمل كل مسرحية فيتكوّن من فتيات ونساء موهوبات، ينتمين إلى خبرات وأعمار مسرحية متفاوتة، ويخضعن لاختبارات قبول تُكتشف من خلالها ميولهن وقدراتهن الفنية، ليُوجَّه كل منهن إلى المجال الذي تجيده، فمنهن من اتجهت إلى الكتابة المسرحية، وأخريات إلى الإخراج، أو التمثيل، أو المكياج، أو تصميم الديكور، أو الإضاءة، أو الأزياء، في محاولة لبناء منظومة مسرحية نسائية متكاملة تُقَدِّمها النساء إلى جمهور من النساء؛ جمهورٍ كان خليطاً من الصديقات والأهل والمهتمات بالمسرح، نساء وفيّات لتلك التجارب المسرحية، التي تكتب عن شأنهن الخاص وشؤون أخرى، لكنها تبقى من النساء وإليهن.
التمويل: مغامرات مسرحية لا استثمار
لم يكن رأس المال الإنتاجي قائماً على استثمار تجاري بالمعنى المتعارف عليه في عالم الإنتاج المسرحي، بل كان أقرب إلى مغامرة ثقافية جماعية؛ إذ شاركت عضوات الفريق في تحمُّل جزء من تكاليف الإنتاج، إلى جانب ما قَدَّمه بعض الداعمين من أفراد أو مؤسسات آمنت بالمسرح ورسالته الثقافية والاجتماعية، دون أي عوائد ربحية لصانعات العمل، أو الجهات الداعمة.

ورغم ما حقّقه فريق روى المسرحي من عروض، ظلّ غياب الدعم المالي الكافي لتغطية تكاليف الإنتاج، ومواكبة التطورات التقنية والفنية التي يشهدها المسرح المعاصر، أبرزَ تحدياته، وهو ما انعكس على استمرارية التجربة؛ وهي إشكالية تتقاطع مع واقع أوسع تعيشه أغلب المبادرات الثقافية والمسرحية المستقلة في الكويت والخليج؛ حيث يظل التمويل -لا نقص الموهبة أو الشغف- العائق الأكبر أمام استمرارها وتطورها.
ماذا لو عاد الفريق اليوم؟
ترى إحدى مؤسِّسات الفريق أن أولويات الفريق اليوم ترتكز على مناقشة القضايا والتحديات المعاصرة، التي تُواجه الشباب وتَحُدُّ من إبداعهم، وهي على الأرجح القضايا ذاتها التي تعانيها صانعات تلك الأعمال المسرحية اللواتي يعملن في الظل، بلا دعم مؤسساتي؛ لتكون تلك الأعمال بمثابة مطالبة بوجود جهة رسمية تتبنى الطاقات المسرحية النسائية، وتعمل على تطويرها واستدامتها.
شهادة على مسافة.. “شهادتي المجروحة”
منذ البدايات، حظيت بمتابعة تجربة فريق روى المسرحي عن قرب، وإن لم أحضر أو أشاهد عملاً من أعمالهن؛ لكن أتاح لي وجود الكاتبة “آمنة الربيع”- وهي إحدى عضوات الفريق- التعرُّفَ إلى عروضه ومناقشته وأفكاره، الأمر الذي منحني فرصة للاطلاع على جانب من هذه التجربة المسرحية النسائية، وخاصة نصوصها، التي قسوت عليها فخراً وحباً وشغفاً بهذا التيار المسرحي المغامر.
ومع ذلك، بقيت الإشكالية الأبرز -من وجهة نظري- متمثلةً في غياب التأريخ والكتابة النقدية، التي تُواكِب هذه الأعمال وتُؤرشفها ضمن تاريخ المسرح الكويتي.
ولعل خصوصية هذه العروض، الموجَّهة إلى جمهور نسائي، أسهمت في محدودية تداولها إعلامياً ونقدياً، رغم أنها تُمَثِّل تجربة فنية ذات خصوصية تستحق الدراسة، باعتبارها جزءاً من تاريخ الحركة المسرحية في الكويت.
ومن هنا تنبع أهمية هذا المشروع، الذي يسعى إلى إعادة إدراج هذه الأعمال ضمن سياقها الثقافي والفني، لا إلى الاحتفاء بتجربة بعينها.
★ناقد ـ الكويت.




