شعر

كاظم أبو جويدة: الصوتانية وسراب المعنى بين فلسفة التشظي وانزياح الدلالة  في الإبداع الشعري ما بعد الحداثوي لقصائد “فراس طه الصكر”.

كاظم أبو جويدة
في عتبة الاشتباك النقدي الثقافي اليومي، الذي نعيشه، لا بد من التوقف أمام اكتشاف مدهش يتجلّى بين سطور هذه التجربة؛ إذ نجد أنفسنا أمام “أدونيس” حقيقي، جليّ الرؤية، غير ملتبس ولا ضبابي، يُطِلُّ علينا بحروفه المُشعة؛ ليفرض علينا التزاماً معرفياً وجمالياً بمتابعة هذا التوهج الإبداعي للشاعر “فراس طه الصكر” بِجِدّية مُفرِطة.
إن لكتاباته قدرة استثنائية على اختراق الحُجب وفتح أبواب الحقيقة المغلقة؛ حقيقة الوجود ذاته، وتتبع مسارات من طار وحلَّق في فضاءاته من الموجودات. هذا الانكشاف الشعري يجعلنا مُلزمين بالوقوف طويلاً أمام نصه، ليس بوصفه مجرد قصيدة، بل كشفاً أنطولوجياً يضعنا وجهاً لوجه أمام جوهر الأشياء.
نقف هنا؛ حيث اللحظات المعرفية الأنيقة أمام تجربة شعرية مغايرة للشاعر المتمرد (فراس طه الصكر)، في قصيدة اختار لها، بوعي فلسفي عميق وقصدية حادّة، أن تكون “بلا عنوان”.
هذا التجرد من العتبة الأولى ليس مجرد صدفة، بل هو انحياز لانعتاق جمالي من سطوة التسمية التي تُقيِّد النص وتُحدِّد أفقه.
ولتقريب هذه الرؤية العميقة وتفكيك شفراتها للقارئ، اِعتمدنا في هذه المقالة آلية نقدية مزدوِجة تجمع بين الاستعراض النصي والتحليل التفكيكي؛ حيث قمنا بهندسة المقالة وتوزيعها على أربعة مقاطع نقدية توازي تماماً مقاطع القصيدة الأربعة.
في كل قسم، نضع (النص الشعري) وجهاً لوجه أمام (الرؤية النقدية) الخاصة به؛ ليعيش القارئ لحظة الاشتباك المباشر بين الدفقة الشعرية وتأويلها الفلسفي، الذي يتكئ على مفاهيم الفيلسوفَيْن: “جاك دريدا”؛ عرّاب التفكيكية، الذي زلزل استقرار اللغة وكشف عن انفلات المعنى واستحالة القبض عليه، و”جان بودريار”؛ فيلسوف المحاكاة والواقع المفرط، الذي فكّك سطوة الوهم حين يبتلع حقيقة الأشياء ويحل محلها؛لتكون هذه الإضاءة الفلسفية نافذةً أعمق لفهم مأزق الذات الشاعرة وصراعها مع العدم،
ولتعويض الغياب الفلسفي المتعمد للعنوان الرئيسي للقصيدة من قِبَل الشاعر (الصكر)، اِرتأينا عنونة كل مقطع نقدي بِمعزِل عن الآخر؛ حيث صُغنا لكل جزء عنواناً مكثفاً يستقطر الجوهر الفلسفي والجمالي لتلك المحطة الشعرية (كاللمس، والمحاكاة، والغياب، والمحو).
هذه العناوين الفرعية تعمل كعتبات إضاءة متدرجة، تقودنا في رحلة مريرة مع العدم؛ حيث تنسج الكلمات أكفانها بيدها، وتغدو الكتابة مرثية كبرى للمعنى.
المقطع الأول: عدوى اللمس ومرثية البياض
النص الشعري:
بيديَّ هاتين
أشرتُ إلى الليل،
فاسودَّت أصابعي كلُّها..
وبالأصابعِ ذاتِها
أشرتُ إليكِ،
فاسّاقطتْ قصائدَ بيضاء..
الرؤية النقدية:
تنطلق القصيدة من تلك العتبة الملتبسة، التي تنتهي عندها حدود اللغة؛ حيث تتفحَّم الكلمات متخلية عن معناها، ويغدو “الدالُّ” شبحاً يطارد “مدلولاً” أزلي الغياب.
في هذا المشهد، تحمل اليدان اللتان تشيران إلى الليل سر التحوُّل الأنطولوجي؛ إذ يصبح اللمس عدوى، والإشارة عبوراً للاندماج في جوهر الأشياء. هذا الاسوداد، الذي أصاب الأصابع يكشف عن ذوبان الذات الشاعرة لدى “فراس طه الصكر” وتلوثها في عَتَمة العالم الآخر، العالم السارتري الجحيمي، الذي تحاول تسميته، في تجسيد لجدلية “دريدية” خالصة: كل اندفاع نحو الخارج هو تدمير داخلي للذات، وكل محاولة للإمساك بالليل تعني الانزلاق الحتمي في بئره السحيقة وكذا الحال في وصف الآخر.
ومن رحم هذه العَتَمة، تنبثق الحركة الثانية المدهشة؛ حين تتجه الأصابع ذاتها، المثقلة بسواد الليل، نحو المحبوبة، لتُساقط “قصائد بيضاء”.
هنا يتجلى “منطق الأثر” الذي يجعل كل حضور مسكوناً بشبح غيابه، وكل بياض ملوثاً حتماً بالسواد الذي سبقه. تتهاوى هذه القصائد كأوراق الخريف أو كجثث الطيور، ليصبح فعل التساقط رمزاً للانحدار والموت، لا ثماراً دانية للقطاف.
هكذا، يُولد البياض ميتاً، وتأتي النصوص حاملةً نعواتها، ليتحول فعل الإبداع نفسه عند “الصكر”، بوصفه شاعراً يدرك مأزق اللغة، إلى وجه آخر للفناء؛ وكأن الكتابة عن الحب، في جوهرها المأزوم، ليست احتفاءً ببهجة الحضور وإن بدا كذلك، إنما الحقيقة تقول هي طقس رثائي خالص، وتدوين موجع للخسارة، وما بعد الموت.
المقطع الثاني: اِنزياح الدلالة ومحاكاة الوهم
النص الشعري:
في الليلِ نفسهِ..
حينما أضحى الندمُ مسافةً للعشق
والعشقُ زمناً للغياب..
تركتكِ ترحلين،
كصحراء تعاظمَ سرابُها
فاستحالتْ حكايةً من الوهمِ،
والغياب
الرؤية النقدية:
في هذا المقطع، يغور النص عميقاً في مسارات الانزياح الدلالي وصولاً إلى الانفصام التام عن أي مرجعية واقعية.
هنا، تتشابك التحولات الأنطولوجية لتذيب صلابة المفاهيم المعجمية، وتجعل من الكلمات مجرد جسور معلقة فوق هاوية المعنى؛ فيستحيل “الندم”، بوصفه شعوراً نفسياً داخلياً، إلى بُعد مكاني ومسافة للعبور، ويتحوَّل “العشق” الوجداني إلى امتداد وزمن خالص للغياب. هذا الترحيل القسري للمفاهيم عن طبائعها الأصلية يكشف عن عنف لغوي مُمارس ضد المعنى، يقوده “الصكر” ببراعة الشاعر الخبير بخبايا الكلمة، غايته تفجير الدلالة من الداخل، ودفع اللغة لتشهد على عجزها الخاص.
وفي ذروة هذا التفكيك، تبرز إحدى أعنف استعارات النص حين تُترك المحبوبة لترحل كـ “صحراء تعاظم سرابها”. تتحول المرأة هنا إلى جغرافيا قاحلة وفضاء مسكون بالوهم؛ سرابٍ ينمو ويتضخم مبتلعاً كل شيء، حتى تذوب الصحراء الحقيقية وتستحيل بدورها إلى مجرد حكاية. في هذه الرقصة المدوخة، التي يتبادل فيها الحقيقي والوهمي مواقعهما، يكتسب السراب (الوهم) قوة الوجود كحقيقة وحيدة.
إن هذا المشهد يجسد ببراعة ما أسماه الفيلسوف بودريار بـ “عصر المحاكاة”، حيث تسبق الصورة الواقع، وتُنتج العلامة مرجعها عوضاً عن الإحالة إليه؛ لتغدو المحبوبة من خلال عدسة “فراس طه الصكر” الشعرية محاكاة صرفة، ووهماً هائلاً يلتهم الحقيقة التي كان يُفترض أن يمثلها.
المقطع الثالث: مركزية الغياب والتشظي الكوني
النص الشعري:
في الغياب..
حينما ترحلُ الصورُ..
والوجوهُ..
والوشايات..
حيث الرمالُ أقربُ ما نستطيعهُ
والمياهُ مجردُ حكايةٍ..
هناك،
لن أجدَ مبرراً لنسيانكِ
سوى أنكِ
مجرَّةٌ من الذكريات..
الرؤية النقدية:
في هذا المقطع، يتجذَّرُ الغياب ليغدوَ المركز الغائب، الذي يدور في فلكه كل دوالِّ النص وموضوعه الأوحد.
ومع رحيل الصور والوجوه والوشايات، تبرُز تلك النقطتان المعلقتان في الهواء بعد كل سطر كاعتراف صارخ بعجز اللغة عن الإحاطة والإحصاء؛ فهي إقرار بذاك الفائض المستحيل الذي ينفلت دائماً من قبضة الكلام، ليبقى خارج النص.
هنا، تصير الرمال القاحلة أقرب ما يمكن الإمساك به، بينما تُجرد “المياه” – بكل ما تحمله من دلالات الحياة والخصوبة والاستمرار – من ماديتها لتستحيل مجرد حكاية وسردية تحل محل الماء ذاته،
ويتجلى في هذا الانزياح أعنف قوانين الكتابة التي يعيها الشاعر: الكلمة تقتل الشيء، والتسمية تغتال المسمّى، والنص يبتلع الواقع.
وفي امتداد هذا الغياب، تُوصَف المحبوبة في مخيلة “فراس طه الصكر” المُتَّقِدة بأنها “مجرَّة من الذكريات”، في استعارة كونية تنطوي على عنف تجريدي مرعب.
إذ تتشظى صورة المحبوبة الواحدة المتماسكة وتنفجر إلى كثرة لانهائية من العلامات المبعثرة والذكريات المتناثرة كنجوم في فضاء الوعي، تفصل بينها مسافات كونية شاسعة. ولا تكتفي هذه “المجرَّة” بتجسيد الاستحالة والانفصال الأبدي فحسب، بل تحيلنا إلى حقيقة فلكية موجعة: فكما أن الضوء الذي يصلنا من النجوم قد يكون مجرد شبح وأثر لأجرام ماتت منذ ملايين السنين، كذلك المحبوبة في رؤيا “الصكر”؛ فما يتبقى منها في الذاكرة ليس سوى أشباح وآثار ضوئية لحضور انقضى، وصدى لحبٍ ربما مات قبل أن يولد.
المقطع الرابع: فانتازيا المحو ووهم الحضور الصوتي
النص الشعري:
الآن..
سأمحو الندمَ بأصابع النسيان،
ثم سأمحو النسيانَ كذلك..
سأمحو قبلةً ورديةً على شفةِ الموت
ثم أمحو الموتَ كذلك..
سأمحو من الصحراءِ ليلةً ماطرة..
سأمحو من العمرِ أقمارَه
ومن أقمارهِ لياليه..
سأمحو كل ليلةٍ لم يشِعَّ بهاؤك فيها
ثم سأنسى كل هذا..
سأنسى أنني أمحو..
وأنسى أنني نسيت..
أتعلمين لماذا؟
ذلك أنكِ
ذكرى تتحدّث..
الرؤية النقدية:
ثم يأتي المقطع الرابع ليحمل معه فانتازيا المحو الأكثر جنوناً في النص. حيث تعلن الذات الشاعرة لدى “فراس طه الصكر” برنامجاً تدميرياً شاملاً: سأمحو الندم، سأمحو النسيان، سأمحو القبلة، سأمحو الموت، سأمحو الليلة الماطرة، سأمحو الأقمار، سأمحو الليالي.
هذا التكرار القهري لفعل المحو يحمل طبيعة طقسية، كأنه شعيرة تطهيرية أو ممارسة سحرية تحاول من خلال تكرار الفعل اللغوي أن تحقق تأثيراً واقعياً. الذات تتوهم أن اللغة قادرة على المحو، أن الكلمة قادرة على إلغاء ما تسميه، وهذا الوهم هو بالضبط ما تعيشه الذات الحداثية، التي تؤمن بقدرة الكلام على تغيير الواقع، بِسُلطة الدالِّ على المدلول.
المحو يتصاعد من محو الندم إلى محو النسيان نفسه، وهنا يضعنا “الصكر” في المفارقة المنطقية الأولى: كيف يمكن محو النسيان؟
محو النسيان يعني التذكر، يعني عودة المحو، يعني إلغاء فعل المحو الأول. الذات تقع في حلقة مُفرِغة، في دوامة منطقية تجعل كل فعل محو يستدعي محواً آخر،ثم تمحو القبلة الوردية على شفة الموت، وهذه الصورة السريالية تجمع بين الحياة (القبلة، الوردية) والموت في تجاور مستحيل، ثم تعلن محو الموت نفسه. محو الموت حلم الميتافيزيقا الغربية منذ أفلاطون، حلم الخلود والحضور الأبدي، ومحوه عند الشاعر يعني إلغاء الزمن، وإلغاء الفناء، وتحقيق الثبات المطلق.
الذات تمحو من الصحراء ليلة ماطرة، وهذه الليلة الماطرة في الصحراء هي المعجزة، الاستثناء. محوها يعني محو الأمل، محو اللحظة الوحيدة، التي شهدت فيها الصحراء على معجزة، ثم تمحو الذات من العمر أقماره، ومن أقماره لياليه، في حركة متسلسلة تشبه تفكيك بناء مكون من طبقات. الأقمار هي مصدر الضوء، محوها يعني الظلام المطلق، والليالي هي الزمن نفسه، محوها يعني الخروج من التاريخ،
ثم يأتي التصريح الأكثر قسوة: سأمحو كل ليلة لم يشِعَّ بهاؤك فيها. هنا تريد الذات اختزال الوجود كله في لحظات الحضور، في تلك الشقوق الضوئية، التي شَعَّ فيها بهاء الآخر.
العالم كله يصير فائضاً، والوجود الحقيقي يُختزل في ومضات اللقاء. هذا اختزالٌ قاسٍ للوجود يجعل معنى الحياة معلقاً بحضور الآخر، وكل ما عداه عدماً يستحق الإلغاء.
ثم تعلن الذات أنها ستنسى كل هذا، ستنسى أنها تمحو، وستنسى أنها نسيت.
هنا نصل إلى الميتا-محو، إلى نسيان فعل النسيان. هذه حركة تفكيكية بامتياز تلتهم نفسها.
الذات التي تعلن نسيان النسيان تظل واعية به، وبالتالي تبقى حاضرة في اللحظة التي تعلن فيها غيابها.
هذا الوعي يجعل المحو مستحيلاً، لتبقى الذات مسجونة في قفص الوعي،
ثم يأتي السؤال الاِستنكاري: أتعلمين لماذا؟ كأن الذات تُقدِّم عرضاً مسرحياً للآخر، تتباهى فيه بِسُلطتها على الذاكرة والزمن،ثم يأتي الجواب الذي صاغه “فراس طه الصكر” بكثافة فلسفية مرعبة: “ذلك أنكِ ذكرى تتحدث”. المحبوبة ذكرى (ماضٍ، وغياب، وأثر)، لكنها تتحدث (تحضر الآن، تملك صوتاً). الماضي يصير حاضراً عَبْرَ فعل الكلام.
هذا ما أسماه الفيلسوف دريدا بالصوتانية، ذلك الوهم الميتافيزيقي الذي يجعل الصوت أقرب إلى الحضور والحقيقة من الكتابة. المحبوبة التي تتحدث كذكرى هي وهم الحضور الصوتي، وهم أن الكلام قادر على إحضار الغائب.
هذا الوهم هو ما يجعل الذات غير قادرة على النسيان، لأن الذكرى ما دامت تتحدث فهي حاضرة.
القصيدة تكشف في نهايتها عن حقيقتها الأعمق: إنها نص عن اللغة أكثر منها نص عن الحب، ونص عن استحالة القول.
الكتابة هنا تدوين للعجز، وشهادة على أن اللغة تخون دائماً؛ تخون الحب حين تحاول قوله، وتخون الحضور حين تحاول تسميته.
كل نص هو في جوهره نُصُب تذكاري لشيء مات في اللحظة، التي وُضع فيها على الورق.
المحو المتكرر في القصيدة يكشف عن رغبة “الصكر” في العودة إلى ما قبل اللغة، إلى حالة الصمت الأصلي واللحظة السابقة على التسمية.
محو الكلمات هو محاولة لمحو الخطيئة الأصلية (خطيئة الكلام).
الذات تريد العودة إلى ما قبل الوعي، لكنها محكومة بأن تستخدم الكلمات لمحو الكلمات، وهنا تكمن المفارقة المأساوية: اللغة هي السجن والمفتاح معاً.
القصيدة بعمومياتها التأويلية،هو هو ، وبقلم “فراس طه الصكر” الاستثنائي، هو نص مأزوم بامتياز، يعرف أنه يخون ما يحاول قوله، وأن كل دالٍّ سيخذل مدلوله.
هذا الوعي بالخيانة يجعل النص شجاعاً وصادقاً في عجزه. القصيدة شهادة على أن الكلام عن الحب كذب جميل، وأن كل نص هو في النهاية نص عن اللغة، عن حدودها، وعن كذبها الضروري.


★ناقد ـ العراق.

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى