رأي

حسن غريب: عتبات التأويل وقراءة التشكيل الصوفي والفلسفي في “مملكة الله” للدكتور محمد بدوي.

حسن غريب أحمد

​يقدم الناقد الدكتور محمد بدوي في كتابه “مملكة الله: نجيب محفوظ في أولاد حارتنا” (دار العين للنشر) مقترباً نقدياً حافراً يتجاوز السائد والمألوف في مقاربة الرواية المحفوظية الأكثر إثارة للجدل.
​تبدأ رحلة التأويل من الغلاف ذاته ، حيث نلمح تضافراً تشكيلياً لافتاً يجمع بين ملامح صاحب النوبل نجيب محفوظ بنظرته التأملية المستغرقة، وتحيط به رموز تراثية ودينية متعددة: (ملاك ينفخ في الصور، ملامح وجه قلق ذي لحية كثيفة، وأيقونة قريبة من الفن القبطي أو المشرقي القديم).
هذا التشكيل البصري، الممتزج باللون الأرجواني والترابي، يترجم بوضوح ثنائية “الأرضي والمقدس” التي تمثل جوهر رواية “أولاد حارتنا”.
أما العنوان الصادم والموحي “مملكة الله”، فهو يعيد توجيه البوصلة القرائية من الأفق السياسي الضيق (الذي حصر الرواية في صراع السلطة أو الرموز المباشرة) إلى أفق ميتافيزيقي وفلسفي رحب يتأمل ماهية الوجود الإنساني وببحثه الأزلي عن العدل والمعنى.

​المحور الأول: من الرمزية المباشرة إلى “التأويل الأنطولوجي”.

​يرفض محمد بدوي في هذا الكتاب الاختزال الفج الذي تعرضت له الرواية على أيدي القراءات الأيديولوجية أو الفقهية المتشددة، والتي تعاملت مع الشخوص (أدهم، جبل، رفاعة، قاسم، عرفة) بوصفهم معادلات حرفية لقصص الأنبياء.

​أنسنة الجبلاوي:
يرى بدوي أن “الجبلاوي” في الرواية ليس تجسيداً للذات الإلهية بالمعنى اللاهوتي الجاف، بل هو رمز لـ “المتعالي” أو “الأصل المفارق” الذي ينشده أهل الحارة للخروج من تيه الظلم والعوز.

​جدلية الغياب والحضور:
يركز الكتاب على أن موت الجبلاوي (أو احتجابه) ليس إعلاناً للعدمية، بل هو انتقال من مرحلة “الوصاية الأبوية” إلى مرحلة “المسؤولية الإنسانية الكاملة”، حيث يصبح الإنسان هو المطالب بتأسيس “مملكة الله” على الأرض عبر قيم العدل والحرية.

​المحور الثاني: “عرفة” والعلم..

التناص مع حركة التحديث
​ينتقل بدوي إلى قراءة عبقرية لشخصية “عرفة” (الساحر/العالم)، معتبراً إياه نقطة التحول الكبرى في الوعي المحفوظي:

​العلم كوارث للنبوة:
لم يعد النص المحفوظي يرى في الغيب وحده حلاً لمعاناة الحارة، بل يطرح “العلم” كأداة للتحرر والانعتاق من قبضة الفتوات.

​مأزق القوة:
يحلل بدوي بدقة كيف وقع “عرفة” في فخ السلطة (الفتوات)، مما يعكس الرؤية الفلسفية البعيدة لمحفوظ حول خطورة تحول العلم إلى أداة للهيمنة والتدمير بدلاً من التنوير، وهي قراءة تتشابك بوضوح مع أزمات الحداثة الغربية.

​المحور الثالث: البنية الأسلوبية وجماليات الحكاية الشعبية

​لم يغفل الدكتور محمد بدوي الجانب الجمالي البنيوي؛ إذ يقارب النص بوصفه “ملحمة شعبية معدلة”.
ويبرز في دراسته كيف وظف محفوظ شكل “السيرة” و”الحكايات المقسمة” (بأجوائها الفلكلورية المصرية، الفتوات، الحارة، المقاهي) ليمرر عبرها أعتى الأفكار الفلسفية الكونية. إنها “محلية الحارة الكونية” التي جعلت من جغرافيا ضيقة في قاع القاهرة مرآةً للتاريخ البشري بأكمله منذ البدء وحتى مآلات العلم الحديث.

​خاتمة القراءة:

الكتاب كضرورة نقدية معاصرة

يخلص الدكتور محمد بدوي في “مملكة الله” إلى أن “أولاد حارتنا” لم تكن نصاً يبحث عن الصدام، بل كانت نصاً يبحث عن “الإيمان الحي” القائم على العدل، ومحاربة البغي، وإعمال العقل.
​إن هذا الكتاب يمثل إضافة نوعية رفيعة للمكتبة النقدية العربية، وتكمن أهميته في قدرة الناقد على فك الاشتباك بين النص وسياقاته الراهنة، ليعيد تقديمه إلينا كأثر أدبي متجدد وقابل للقراءة اللامتناهية.
إنه استعادة واعية لـ “نجيب محفوظ المفكر” الذي صاغ بالرواية ما عجزت عنه كتب الفلسفة.

إضاءة من القارئ:
يمتاز كتاب “مملكة الله” بلغة نقدية تجمع بين صرامة المصطلح الأكاديمي وعذوبة العبارة الأدبية، مما يجعله وثيقة لا غنى عنها لكل باحث في المنجز المحفوظي وسرديات الحداثة العربية.


ناقد وسارد ـ مصر.

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى