سيف الأمير:”مملكة القصب” تقطر دماً من جثث فقراء الوطن.


سيف الأمير★
في عرض من عروض “جمعية الفيلم” برئاسة مدير التصوير السينمائي د. محمود عبد السميع، وتقديم السيد/ شريف جاد رئيس الجمعية المصرية لخريجي الجامعات الروسية والسوفيتية، قد عشتُ واحدة من تلك الأمسيات السينمائية الاستثنائية التي تُعيد للناقد شغفه المفقود بالسينما الحقيقية في قاعة “البيت الروسي”، حيث شهدنا عرض من تقديم الفيلم العراقي (العراقي – القطري – الأمريكي المشترك) “مملكة القصب” أو”كعكة الرئيس” للمخرج والسيناريست حسن هادي.

على مدار سنوات وسنوات في مضمار النقد الفني، شاهدتُ عشرات الأفلام التي تناولت المأساة العراقية، لكن هذا الفيلم الصادر في 2025 والمتوج تاريخياً بجائزة الكاميرا الذهبية وجائزة الجمهور في مهرجان كان السينمائي الدولي، يقف في منطقة خاصة جداً؛ إنه سينما تقطر عذوبة وشجناً، وتصنع من الحصار الاقتصادي والسياسي قصيدة بصرية لا تُنسى.
الرؤية الدرامية: السخرية السوداء وتفكيك الشمولية عبر “كعكة”
تدور أحداث الفيلم (100) دقيقة في تسعينيات القرن الماضي، وتحديداً في منطقة الأهوار بجنوب العراق، إبان فترة الحصار الاقتصادي. الحبكة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها مرعبة في عمقها: حيث المدارس مجبرة على الاحتفال بعيد ميلاد الرئيس صدام حسين.
الذكاء الشديد في سيناريو حسن هادي يكمن في “المعالجة البعيدة عن المباشرة السياسية”؛ فهو لا يشتبك مع السلطة عبر خطابات رنانة أو معارك عسكرية، بل يفكك بنية النظام الشمولي وسريالية الحصار من خلال تفصيلة يومية “عبثية”. “كعكة الرئيس” التي يُفترض أن تكون رمزاً للبهجة، تتحول بفعل الخوف والفقر المدقع إلى أداة ترويع اجتماعي. الفيلم يوظف السخرية السوداء باحترافية تنتمي لمدرسة الواقعية السحرية، حيث تصبح لقمة العيش أو إعداد “الكعكة” عبئاً يهدد أمن الأسرة وصغارها.

الأداء التمثيلي: المعجزة “بنين أحمد ناي” وقوة العفوية
العمود الفقري للفيلم هو الكاست التمثيلي الذي قاده المخرج بمثالية: بنين أحمد ناي (لمياء): نحن أمام معجزة تمثيلية حقيقية. طفلة تكتسح الكاميرا دون صراخ أو مبالغة، بل عبر “التعبير الصامت بالعينين”. عيناها كانتا مرآة لخوف جيل كامل انكسرت طفولته تحت وطأة الأيديولوجيا والحصار. عفوية بنين هي الخيط السحري الذي ربط المشاهد بالفيلم منذ اللقطة الأولى.
وحيدة ثابت خريبات (الجدة بيبي): قدمت أداءً ممتلئاً بالوقار والعمق، مجسدةً روح الأرض والأهوار؛ تلك المرأة الحكيمة التي تحاول حماية عائلتها من بطش الرمز وسطوة الواقع.
سجاد محمد قاسم (سعيد) ورحيم الحاج (جاسم): شكلا مع بقية الفريق مثنى ملاجي، أحمد قاسم، ميثم مريدي، ثائر سالم) هارموني واقعي ممتاز، يعكس ملامح الإنسان العراقي الجنوبي المطحون والصابر في آن واحد.
الجماليات البصرية والموسيقية: شعرية الأهوار وشجن العود
الفيلم عبارة عن لوحة بصرية وسمعية متكاملة، تضافرت فيها العناصر الفنية لخدمة الفكرة:
الصورة والسينماتوغرافيا
مدير التصوير تيودور فلاديمير باندورو استغل التصوير الطبيعي في موقع الحدث (الأهوار) ليخلق لغة بصرية شاعرية. الكاميرا هنا ليست مجرد راصد، بل هي شريكة في الحكاية. حركة المياه، وانعكاس الضوء على القصب، والبيوت الطينية، كلها صُبغت بكآبة بصرية دافئة تعكس العزلة والترقب. نجح باندورو في دمج الواقعية الفجة للمكان بلمسات شعرية رمزية جعلت من “مملكة القصب” وطناً موازياً يختصر العراق بأكمله.

الموسيقى التصويرية
الموسيقار والفنان رحيم الحاج صاغ لغة موازية لا تقل قوة عن الصورة. الموسيقى التمست روح المكان عبر آلة العود بشكل أساسي. جاءت النغمات هادئة، تأملية، ومشحونة بشجن ثقيل. لم تكن الموسيقى تسعى لاستدرار عطف المشاهد، بل كانت تعبيراً هادئاً عن الوحدة، الخوف، والحنين، تتماهى بعبقرية مع جغرافيا الأهوار المائية وحزنها التاريخي.
الإيقاع والمشاهد المفصلية
اعتمد المخرج على إيقاع هادئ وبناء تدريجي للمشاعر، مفضلاً اللعب على الأثر النفسي المتراكم على الأحداث الصاخبة أو الميلودرامية، وهو ما جعل الصدمات الدرامية تصيب المشاهد في مقتل:
مشهد القرعة داخل الفصل: هذا المشهد هو ماستر كلاس في الإخراج. حين تُعلن القرعة لاختيار من سيتحمل كلفة أو مسؤولية “المهمة الوطنية” (الاحتفال/الكعكة)، تتحول البراءة إلى رعب خالص. رأينا كيف يتحول الفصل الدراسي من مساحة للتعلم إلى كابوس مرعب تترقبه قلوب الأطفال الوجلة.
المشهد الختامي: بدون حرق للتفاصيل، هذا المشهد هو صياغة بصرية استثنائية تجمع بين البراءة الخالصة، الخوف الوجودي، والانكسار الإنساني. إنه بحق من أقوى نهايات السينما العربية الحديثة، ويبرر تماماً صمت القاعة الطويل في البيت الروسي عقب تتر النهاية قبل أن ينفجر الحضور بالتصفيق.
خلاصة نقدية
فيلم “مملكة القصب” (كعكة الرئيس) هو الإنجاز التاريخي الأبرز للسينما العراقية المعاصرة. حسن هادي لم يقدم وثيقة سياسية تدين مرحلة ما، بل قدم “حكاية طفولة صغيرة تختصر وطناً كاملاً تحت الحصار”.
الفيلم استحق “الكاميرا الذهبية” في كان لأنه خاطب العالم بلغة بصرية كونية انطلقت من أقصى محليّة جنوب العراق. إنه فيلم سينمائي خالص، يعيد الاعتبار للصورة والعمق الإنساني، ويؤكد أن السينما العراقية تولد من جديد بأدوات مبتكرة وشاعرية مذهلة.
★صحفي ـ مصر




