

عادل العوفي★
من المُميِّزات القليلة كي لا نكتب النادرة في الوسط الفني العربي، تَوَفَّرَ فنان بمواصفات النجم المتعارف عليها حسب مصطلحات “السوق ” والمستوفي لشروطها، وأولها بالطبع الاستحواذ على شباك التذاكر والقدرة على المنافسة رغم شِدَّتها، وكذلك العمل على مشروع متكامل ورؤية متعددة تقفز على منطق الربح التجاري وتتجاوزه لصفات أوسع وأشمل بل وأعمق ؛ و المُلْفِت فوق كل ذلك التحلِّي بِحِسٍ إنساني ومسؤولية تجاه الأجيال الجديدة، والمغامَرة بمنح الشباب فرصاً ذهبية، ليست متاحة على الإطلاق في قاموس المتحكمين بزمام الأمور ولدى صُنَّاع السينما ؛ كل ما ذكرناه نجده في شخصية الفنان الاستثنائي “نور الشريف” بتفرُّدها المثير للدهشة، والجدير بالطرح مهما طالت سنوات رحيله .
ولعل من النقط المغيبة في سيرة بطل فيلم “سواق الأتوبيس ” التي تبدو غير طبيعية في وسط تنهش الأنانية وحب الذات تفاصليه ؛ أنه منح الفرصة للعديد من الممثلين الشباب؛ ليصبحوا نجوماً متألقين في قادم السنوات ؛ هذه تظل تفصيلة معروفة ويشهد بها الكثيرون، لكن المفاجأة الكبرى تكمُنُ في رهانه على أسماء شابة، وإسناد مهمة جسيمة معقَّدة بحجم الإخراج لهم في اُولى تجاربهم، والمُلفِت أنهم تحوَّلوا لاحقاً لمدارس إخراجية عظيمة في تاريخ السينما المصرية، نذكر منهم “محمد خان” الذي لم يتجاوز عمره 32 سنة حين منحه فرصة إخراج فيلم “ضربة شمس ” الذي يعتبر أول خطوات “نور الشريف” الإنتاجية كذلك ؛ وأيضاً قدَّم المخرج “سمير سيف” في فيلم “دائرة الانتقام ” وعمره حينها 28 سنة ؛ بالإضافة الى “دواد عبد السيد ” في فيلم ” الصعاليك ” سنة 1985 ؛ دون إغفال “محمد فاضل” و “محمد راضي” و “سعيد مرزوق” و”حسين الوكيل” و”محمد النجار” وكلها أسماء قدَّمت أهم ملاحم السينما والدراما في المحروسة والوطن العربي ؛ لكننا سنتوقف عند اسم آخر شَكَّل رفقة “نور الشريف” ثنائياً مهماً، قَدَّمَا معاً أفلاماً سينمائية لا تُنسى، ومازالت حاضرة في الذاكرة والوجدان المحلي والعربي، ونقصد هنا المخرج المبدع “عاطف الطيب” أو مخرج الناس ” الغلابة ” أو من أطْلَقَ عليه الروائي الكبير “نجيب محفوظ” لقب ” عميد الخط الواقعي في السينما المصرية الحديثة ” .
ثنائية “نور وعاطف” :
غادر المخرج عاطف الطيب دنيانا في سن 47 وتحديداً بتاريخ 23 يونيو 1995 مُخَلِّفاً وراءه تاريخاً سينمائياً مُشَكِّلاً من 21 فيلماً -أغلبها مازال يتردَّد صداه في الذاكرة – خلدته كأحد أهم المخرجين في مصر الوَلَّادة الزاخرة بالمواهب و القامات الكبيرة في كل قطاعات الفن المختلفة ؛ لكن المدقق في مشوار “الطيب” سيتوَقَّف ملياً عند تأثير الفنان “نور الشريف” الجَلِي عليه سواء من خلال منحه الفرصة الأولى من خلال فيلم ” الغيرة القاتلة ” سنة 1982 وقوبل حينها بهجوم نقدي شديد أدخله في نوبة حزن قوية متأثراً بردود الفعل العنيفة لأدائه الإخراجي، لكنه نهض سريعاً من كبوته اذ واصل “نور” الرهان عليه من خلال أحد الأفلام المهمة في تاريخ الاثنين معاً، وانتج في ذات السنة أي 1982 ، وكتب قصته حينها المخرج “محمد خان” قبل ان يضع له السيناريو و الحوار الكاتب “بشير الديك” ونقصد فيلم “سواق الأتوبيس ” أو الصرخة المشتركة حول الوضعية القاتمة السواد للطبقة المتوسطة في مصر ، والتي يُعَدُّ “الطيب ” أهم أصواتها والحريصين على تَبَنّي صرخاتها في عدة أفلام لاحقة .
كَرَّتْ سُبحة التعامل بين الثنائي؛ لتصل لتسعة أفلام وهي “الزمار ” سنة 1985 و “ضربة معلم ” 1987 ثم “قلب الليل ” 1989 و “كتيبة الإعدام ” في نفس العام ؛ ثم الفيلم المثير للجدل عن رسام الكاريكاتير الفلسطيني الشهير “ناجي العلي ” الذي يحمل الاسم ذاته في عام 1992 ،وتلاه في نفس الفترة فيلم “دماء على الأسفلت ” وآخر تعامل بينهما كان من خلال فيم “ليلة ساخنة ” سنة 1995 وهي الفترة التي تُوفي فيها المخرج بعد صراع مع المرض .

لاحقاً، اِعترف “نور الشريف” أنه اعتذر عن فيلمين آخرين مع “الطيب” رافضاً الكشف عن اسميهما من باب الاحترام لزملائه الآخرين الذين توَلَوا بطولتهما مؤكداً أن الرقم كان مُرشحاً للارتفاع لو قبل بهما ؛ ليختم بعبارة مهمة جداً واصفاً زميله بكونه “نجيب محفوظ الإخراج ” مُتَحَسِّراً على رحيله المبكر؛ لأنه لو ظل على قيد الحياة كان سيكون المخرج الأكثر تواجُداً في مساره، وقد يتجاوز حتى المخرج “حسام الدين مصطفى” الذي تعاون مع “نور الشريف” في 11 فيلماً ؛ مع العلم أن فيلمي “سواق الاتوبيس ” و ” ليلة ساخنة ” نال فيهما “نور الشريف” جائزة أفضل ممثل في مهرجاني نيودلهي السينمائي والقاهرة السينمائي الدولي على التوالي .

وهنا نتوقف عند تصريح سابق “للطيب” حول “نور” والأريحية الواضحة في التعامل بينهما؛ حيث قال: “الحقيقة هناك علاقة خاصة تجمع بيني وبين “نور الشريف” ؛ لأنه في الواقع كممثل قادر على منحي ما أريده، بجانب طاعته الشديدة للمخرج، هذا بخلاف ما يُميِّزه فمثلاً هو فنان لا يتحضر للمشهد بعكس فنانين كثر يظلون يذاكرون أدوارهم ويتحضرون للأداء قبل التصوير “.
وأضاف ” نور الشريف” كان يترك نفسه برغم أنه ليس تلقائياً مثل “أحمد زكي” بالإضافة إلى قدرته على اللعب بنبرة صوته، وهي أداة قوية لديه إن لم تكن محسوبة قد تشير إلى الافتعال هذا بجانب الثقة بيننا فيما يقترحه من أفكار خاصة بالعمل قبل التصوير ” .
ماذا لو ؟ :
يبقى السؤال المطروح في حالة هذه الثنائية المهمة في تاريخ السينما المصرية ؛ ماذا لو بقي “عاطف الطيب” حيّاً لسنوات إضافية مثلاً، وتواصلت أعماله مع “نور الشريف” بتلك الوتيرة، والأهم بنفس القيمة الفكرية و الإنسانية النابضة بهموم الناس والمجتمع ؟
المؤكد أن حالة التقارب بين ممثل ومخرج، وتطابق الأفكار بينهما موجودة وشائعة في الوسط الفني، ويمكن سرد نماذج متعددة في هذا الصدد ؛ لكن ما يميز الثنائية السالفة الذكر حالة الوعي والصدق بالإضافة إلى الكم المعرفي الملحوظ بين أطرافها المصريين على تبنّي قضايا اجتماعية وإنسانية وحتى قومية تمس الشارع المصري والعربي، بعيداً عن منطق الربح التجاري ومتطلبات السوق وشروطها، التي لا تكترث البتة بالسوية الفنية والفكرية، وتقتصر نظرتها على مصطلح الإيرادات، وما تذره في نهاية سباقات الأعياد والمواسم .

والخلاصة تُفيد بأن السينما المصرية خسرت الكثير برحيل “عاطف الطيب” المُبَكِّر صاحب المشروع الأصدق، رغم الانتقادات التي تطاله دائماً بخصوص إهمال تكوينات الصورة، وعدم التركيز عليها لدرجة تقليل البعض من إمكاناته حتى في ذروة ما حصدته أفلامه من نجاح ومتابعة ونقاشات صاخبة ؛ لكن ما سبق يجعلنا نتخَيَّل ونتساءل مُجدداً بنفس الصيغة الأولى : ماذا لو عاش “الطيب” في عصرنا الحالي ؟ هل ستفتح له شركات الإنتاج ذراعيها، وتحتضن أفكاره وأعماله الهادفة، ذات النزعة المستقلة، التي لا تخضع لضوابط السوق ؟
إجمالاً تظل مسيرة “عاطف الطيب” ومعها “نور الشريف” جديرة بالطرح والنبش؛ لغناها الفاحش في التفاصيل والمغامرات؛ ولأنها جزء أصيل من دفاتر السينما المصرية العتيقة، التي يجب أن تُقَدَّم وتُدَرَّس للأجيال الجديدة، بين الفينة والأخرى من باب التكريم، وأيضاً الحرص على استحضار قيمتها ونجاحاتها .
★صحفي ـ المغرب.




