رأي

نهى إبراهيم: ” نور الشريف”..نور الفن الذي لا ينطفئ.

نهى إبراهيم

أثناء تنقُّلِي بالقنوات التلفزيونية، وجدتُ أكثر من عمل يُعرَضُ للفنان الكبير “نور الشريف”، منها :”لن أعيش بجلباب أبي” على أكثر من قناة، وكذلك “عائلة الحاج متولي” على قناة أخرى ، كثير من الأفلام يتم عرضها بشكل غير مسبوق على مختلف القنوات، فشعرت بصدق المقولة، التي تقول إن الفنان أبداً لا يموت، لكني أحببت أن أدققها: الفنان الحقيقي هو الذي لا يموت ، ستظل أعماله شاهدة على تاريخه وإرثه الفنى الطويل، الذي بدأ بأواخر الستينيات كشاب صغير ضعيف البنية بمعهد الفنون المسرحية ، كان يتيم الأب فتربَّى وسط عائلة والده، ومكث بها حتى عرف لأول مرة وهو في الصف السادس الاِبتدائي كونه ليس ابناً فيها، وأن والده ليس موجوداً بالحياة .

ترعرع نور على الحب والعائلة، لكن داخله بقيت بقعة شاغرة تمنَّى أن يأتي من يملؤها حتى كبر هذا الشاب وشعر بالحب لأول مرة، عندما وقعت عيناه على الجميلة “بوسي” فمن اللقاءات التي ظهر فيها والاعترفات العديدة، التي ذكرها بحق الفنانة “بوسي” تشعر بأنه وَجَّهَ كل مشاعر الفقد صوبها، فأغدقت هي عليه بكل الحب والحنان والانتماء؛ لتمتلئ بقعته الشاغرة قليلاً، فيطفو على السطح كفنان شاب بالعديد من الأعمال الفنية ببداية حياته، فقدَّم فيلم “قصر الشوق” فى دور “كمال عبد الجواد” ونال أول جائزة بحياته عن هذا الدور، ثم مسرحية “الشوارع الخلفية” ، تلتها مجموعة متنوعة من الأعمال أمثال :”السراب” ،”زوجتى والكلب”،”مدرسة المشاغبين” ،”دمي ودموعي وابتسامتي”، “الأخوة الأعداء”، “أبناء الصمت” ،”الحفيد”، “الكرنك” وغيرها كثير من الأفلام السينمائية، التي عُرِضَت بفترة السبعينيات، التي تميَّزت بعدد وافر من الأعمال التي اقتسمها الثلاثي “محمود ياسين” ، و”حسين فهمي”، و”محمد جابر الشهير بنور الشريف” .

لم تكن فترة السبعينيات عند الفنان “نور الشريف” هي المفضلة لي ، على الرغم من تألُّقه الفني وشهرته الكبيرة بتلك الآونة، إلَّا أنني أرى أنه لم ينطلق كشعاع ساطع إلَّا بفترة الثمانينيات؛
حَّيث قدَّم مجموعة من الأعمال المنتقاة، التي تميَّزت بالتجديد على مستوى الفكر ، والكتابة، وكذلك الإخراج؛ فقدَّم “حبيبي دائماً” ،”الحب وحده لا يكفي” ،”ضربة شمس”،”الشيطان يعظ”،”أهل القمة” ،”الطاووس” ،”الغيرة القاتلة” ،”بريق عينيك” ،”حدوتة مصرية”،”العار”،”أرزاق يادنيا”،”سواق الأتوبيس”،”آخر الرجال المحترمين”،”المطارد” ،”عندما يبكي الرجال”،”الحكم آخر الجلسة”، وغيرها من الأعمال القيِّمة، التي وضعت حجراً آخر بإرث “نور الشريف” الفني، الذي لم يتوقف عند هذا الحَدّ ، لكنه استكمله بفترة التسعينيات، التي شهدت على قوته الفنية العملاقة ؛ حيث أبرزت ثقافته غير المحدودة ، ولياقته العقلية المبهرة، التي شكَّلت منه فناناً مختلفاً عن غيره، فاستكمل ما بدأ بسلسلة مغايرة تماماً وعلى قدر كبير من النضج الفني له آنذاك، فكانت له: “ناجي العلي” ،”الصرخة” ،”البحث عن سيد مرزوق”، “دماء على الأسفلت” ،”لعبة الانتقام” ،”عيون الصقر” ،”الرقص مع الشيطان” ، “ليلة ساخنة” ،”الهروب إلى القمة” ثم “عيش الغراب”.
لا يُعرَفُ الناجح إلَّا بتفرده واستمراريته، التي تُعْلِنُ وحدها عن نفسها، دون الحاجة لأحد أن يُبْرِزَها ، أيضاً لن تحيا موهبةٌ دون محاولة أبداً، أو تنافس ، والمنافسة هي جزء لا يتجزأ من النجاح ، وعلى الرغم من اشتعال المنافسة بتاريخ “نور الشريف” ، لكنه لم يكن إلا ذكيّاً ، صادقأً ، مُحترِماً جميع منافسيه، شديد الاعتراف بموهبتهم واحترامها أيضاً …
لم يتوقف تاريخ “نور الشريف” عند الأفلام، التي صنعت نجماً سينمائياً كبيراً، لكنه أحبَّ أن يُبرز ذكاءَه من جديد، وحاول هذه المرة أن يكسب قلوب الملايين أمام الشاشة الصغيرة، التي أصبح فيما بعد هو ملكها عبر سلسلة من الأعمال التلفزيونية، التي شرحت أسباب نجاحه السينمائي الكبير ، فأخرج لنا من جَعبته مجموعة من الروائع، التي تُضاف إلى القائمة الطويلة :”أُوديب” ،”القاهرة والناس” “ولسه بحلم بيوم” ،”الثعلب” ، “لن أعيش فى جلباب أبي” ،”عائلة الحاج متولي” ،”هارون الرشيد”، “عمر بن عبد العزيز”،”الرجل الآخر”،”الدالي” …وغيرها من الأعمال التى سطَّرت تاريخاً تلفزيونياً جديداً.

لم يكن “نور الشريف” مجرد فنان وقف أمام كاميرات التلفزيون والسينما، لكن كانت له محاولات جادَّة على خشبة المسرح؛ ليُشبِعَ بها تلك الموهبة المتوهجة، فشارك في العديد من المسرحيات مثل، “يامسافر وحدك” ،”العيال الطيبين”، “ياغولة عينك حمرا ” ، “لن تسقط القدس”.

فيلم “ناجي العلي” كان من أكثر الأفلام قسوة لفترة إنتاجه على الفنان “نور الشريف” ؛ حيث واجه الفنان “نور الشريف” حملة تخوين واسعة، بالإضافة إلى مطالبات بمنع عرض الفيلم آنذاك، ومحاولات التشهير به كفنان ، وهو في الأساس لم يكن هدفه بهذا العمل إلّا الانطلاق نحو الحرية والوطن ،الفيلم من تأليف الكاتب “بشير الديك” وإخراج “عاطف الطيب”.
على مدار حياته الفنية تعاون “نور الشريف” مع مجموعة كبيرة من المخرجين، كان من أبرزهم المخرج “يوسف شاهين” الذي أشركه بالعديد من الأعمال كـ “المصير”؛ حيث جسَّد “نور الشريف” دور (ابن رشد) فى فترة الأندلس ، فيلم “حدوتة مصرية” الذي يحكي سيرة ذاتية للمخرج.

 


بالإضافة إلى ذلك كان التعاون الفنى الكبير بين “نور الشريف” والمخرج المتميِّز “عاطف الطيب ” بتسعة أفلام أهمها فيلم “سواق الأتوبيس” ، “ليلة ساخنة”، “قلب الليل” ،”الغيرة القاتلة” وغيرها من أعمال أخرى طبعت التوافق الكبير بين النجمين الكبيرين آنذاك…
لم يتوقف تاريخ الفنان الكبير عند فنه فحسب، بل كان مثقفاً واسع الاطلاع، ومتحدثاً لبقاً يهتم بالواقع والسياسة، ومنشغلاً بالأدب والعلوم.
لذلك ندعو دائماً إلى العلم والثقافة؛ فهما اللذان يُشكِّلان عقلية الإنسان ووعيه، وإن لم يصبح المرء طبيباً ناجحاً، أو مهندساً عبقرياً، أو كاتباً متميّزاً، فسيكون — على الأقل — فناناً استثنائياً على شاكلة “نور الشريف”، الذي سيظل بلا مثيل على مرِّ العصور.


★كاتبة ـ مصر.

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى