رأيمسرح

حصة الحمدان: حين يصبح المسرح جسراً للتشافي !

حصة الحمدان
المسرح ليس مجرد مساحة للتعبير عن فن المحاكاة بواقعه وخياله، بل هو بحر عميق وغامض، مزدحم بالأسرار والمعارف التي ما زلنا نستكشفها ونتعلم منها إلى اليوم، فهل خطر في أذهاننا يوماً ما أن المسرح وسيلة للعلاج النفسي دون اللجوء المباشر إلى الطبيب النفسي؟ إذ يوفر للفرد فرصة التعبير عن مخاوفه والمواقف المؤلمة من خلال الوقوف على خشبة المسرح، مجسداً مشاعره وتجربته الإنسانية في قالب فني مؤثر.
عناصر السايكودرما
من هذا المنطلق، نشأ مفهوم(السايكودراما) لا بوصفه مسرحاً يروي أحداثاً وشخصياتٍ وهمية فحسب، بل بوصفه مسرحًا للخلاص من كل ما يؤذي النفس الإنسانية، ومساحةً آمنة للتفريغ العاطفي، والفهم الذاتي، والتعافي النفسي.
وتعد السايكودراما مزيجاً متكاملًا بين الفن المسرحي وعلم النفس، إذ تقوم على منهجٍ علاجي يعالج الصراعات الداخلية والمواقف المؤلمة التي تركت أثراً نفسيًا عميقًا لدى الفرد، ولم يستطع تجاوزها بسهولة، ومن هنا يبدأ دور السايكودراما كوسيلةٍ علاجية، من خلال إعادة تمثيل الماضي أو الحاضر المؤسف على خشبة المسرح، حيث يصبح المريض هو الممثل الرئيسي لتجربته، بينما يشاركه الآخرون في مساعدته على التحرر من معاناته النفسية وخروجه من دائرة الألم الذي يشعر به خلال فهم ذاته والتعافي أو التشافي النفسي.
وتتكون السايكودراما من ثلاثة عناصر أساسية، لكل منها دور واضح في العملية العلاجية:

أولًا: المخرج
وهو المعالج النفسي، وتتمثل مهمته في اختيار السيناريو المناسب للحالة النفسية، وتوجيه خطط الجلسة العلاجية، مع توزيع الأدوار على المشاركين بما يخدم العلاج.
ثانيًا: البطل
وهو الشخص المستهدف بالعلاج، حيث يسعى فريق العمل إلى مساعدته على تجاوز أزمته النفسية، من خلال قيامه بتجسيد مشكلته ومشاعره وتجربته الشخصية على خشبة المسرح، ليعبر عن الحزن الذي في داخله بطريقة فنية.
ثالثًا: مجموعة الممثلين
وهم الأشخاص المحيطون بالبطل، ويؤدون أدوارًا داعمة تسهم في مساعدته على الخروج من حالته النفسية، من خلال التفاعل معه، وتقديم آرائهم، ومحاكاة مواقف تساعده على الفهم والتفريغ العاطفي لديه.
ومن هنا، فالممثل لا يصف مشكلته فقط، بل يعيد معايشتها في مشهد مسرحي حي، يستعيد من خلاله ذاته ومشاعره ، وذلك عبر العفوية التي تزيل رد فعله الجامد، ثم تأتي مرحلة الإبداع التي تحول آلامه إلى فعل درامي قابل للنقاش وطرح الحلول.
وأول من ألف مفهوم السايكودراما هو الطبيب النفسي الدكتور جاكوب ليفي مورينو في عشرينيات القرن الماضي، حيث نشأ هذا المفهوم في حقبة كان العلاج النفسي فيها يعتمد كلياً على الكلام وتذكر الماضي عبر الحديث، إلا أن مورينو قدم رؤية مختلفة، إذ يرى أن الإنسان لا يتغير بمجرد أن يفهم ما يحدث له، بل عندما تُتاح له الفرصة لإعادة عيش تجربته في الحاضر واختبار استجابات جديدة بصورة واعية.
وانتقلت هذه المدرسة من فيينا إلى الولايات المتحدة وأنحاء أوروبا، وأثبتت فاعليتها لتصبح لاحقًا أحد الأساليب المعترف بها في علاج الصدمات النفسية، واضطرابات القلق، والإدمان، وصراعات العلاقات الإنسانية.
حيث تبدأ الجلسة بتخيل الفرد نفسه على خشبة مسرح بلا جمهور، بل وحيدًا، فيطلب المعالج النفسي من المريض اختيار أكثر موقف أثر فيه نفسيًا، ثم يعيد تمثيله في مشهد مسرحي، إضافةً إلى تمثيل صوته الداخلي الذي لا يستطيع التعبير عنه عبر الحديث أو المواجهة، فيقول ما لم يستطع قوله في واقعه. ومن هنا لا يروي المريض قصته فقط، بل يعيشها بوعيٍ وعقلانية أكبر، وفي نهاية الجلسة يتم تحليل ما حدث وربطه بحياته اليومية، ليتحول الانفعال إلى فهم، والفهم إلى تغيير في ذاته.
السايكودراما في المعهد العالي للفنون المسرحية في الكويت
ربما كانت تجربة السايكودراما من أبرز التجارب التي خضتها أثناء دراستي في المعهد العالي للفنون المسرحية، وتحديداً في السنة الدراسية الثالثة، حيث قامت الدكتورة سعداء الدعاس بتطبيق منهج السايكودراما، دون الكشف عن هوية الطالب المتضرر مراعاة لمشاعره، فقد طلبت منا جميعا كتابة أصعب المواقف التي مررنا بها ولم نستطع تجاوزها، وتسليمها لها، ثم بدأت بمناقشة المواقف دون البوح بأسماء أصحابها، ومن ثم قامت باختيار أصعب تلك المواقف وأكثرها تأثيراً، وتم تمثيله في القاعة، بمشاركة من طلبة قسم التمثيل، وبالمقابل شارك جميع طلبة الدفعة بأداء جميع الأدوار، من دون تحديد الطالب كبطل لقصته، بل كان حاضراً في المشهد إما كأحد المجاميع أو كمتفرج، دون أن يؤدي دوره الحقيقي (الذي يؤديه طالب قسم التمثيل)، وبعد ادائنا للمشهد التمثيلي، انتقلنا إلى المرحلة الثانية، وهي ربط أعيننا وتفريغ ما بداخلنا بالطريقة التي نرغب بها، حيث عبر كل شخص عن مشاعره بأسلوبه الخاص، سواء بالحركة أو بالصوت، دون أن يراه أحد.
ولعل الدكتورة الدعاس من أوائل أساتذة المسرح الذين ساهموا في تطبيق السايكودراما لتعليم طلبة الفنون المسرحية، وتحديداً في مجالي النقد والادب المسرحي في الكويت، وساعدت في تعريف الطلبة بهذا الاسلوب العلاجي القائم على الدمج بين الفن المسرحي والصحة النفسية، مما جعلنا نفهم آلية هذه المجال ،ونعيد إسقاطه على حياتنا بما فيها من مواقف وأحداث .


★ ناقدة ـ الكويت.

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى