د.وصال العش: الشؤم إلى الانكشاف: تحولات الرمز في فن الحفر لدى فاطمة دمق.


د.وصال العش★
المقدمة
تبني الفنانة فاطمة دمق عملها الأخير الموسوم: «يقظة أسطورية»، على نظام بصري قائم على تكرار مربّعات صغيرة، فتفرض إيقاعًا بصريًا يدفع المتلقي إلى إعادة النظر في الصورة بنا هي حضور متحوّل يتكشّف تدريجيًا. وتُدرج داخل هذا النظام صورة البومة، أو طائر مينيرفا، فتمنحها مركزية رمزية تفتح المجال أمام قراءة تتجاوز البعد التشكيلي.
تستحضر الفنانة هذا الطائر من عمق المخيال الجمعي، حيث يرتبط في الثقافة العربية بدلالات الشؤم والموت، لكنها لا تكتفي بإعادة إنتاج هذه الدلالة، ولكن تواجهها وتفككها، وتعيد مساءلتها من داخل تجربتها الذاتية. وتدخل في حوارٍ فعلي مع هذه الصورة، فتنتقل بها من رمزٍ مفروض إلى كائنٍ يُفهم ويُعاد تأويله.
وتكشف هذه التجربة عن مسار داخلي، تحاول فيه الفنانة التحرر من سلطة الرمز، وتعمل عبر التكرار والحفر والتقنية الرقمية على إعادة بناء علاقتها مع هذا الكائن، فتمنحه براءة جديدة وتعيده إلى حضوره الأول، بعيدًا عن الأحكام الجاهزة.

كيف تعيد الفنانة فاطمة دمق تشكيل دلالة صورة البومة من خلال توظيف تقنيات الحفر الكلاسيكي والرقمي، وتحرّرها من حمولتها الثقافية السلبية؟ وكيف يسمح التكرار البنائي داخل المربعات بتأسيس تجربة فينومينولوجية تنتقل فيها الصورة من معنى مفروض خارجيًا إلى معنى يُبنى داخل التجربة الذاتية للفنانة؟
البنية التكرارية وتحول الإدراك
تُؤسّس الفنانة هذا النظام العددي (13×13) بوصفه تجربة إدراكية قبل أن يكون تنظيمًا شكليًا، وتدفع المتلقي إلى العيش داخل التكرار لا إلى استهلاكه. وتُعيد الصورة نفسها عبر وحدات متعددة، غير أنها لا تسمح لها بأن تتطابق، وإنما تجعل كل ظهورٍ يحمل انزياحًا دقيقًا، فيتولّد المعنى من الاختلاف داخل التماثل.
وتقترب هذه البنية من التصور الفينومينولوجي للإدراك، حيث تنكشف عبر تعاقب اللحظات. وتفرض المربعات المتجاورة نوعًا من “الزمن البصري”، الذي يتنقل فيه الوعي من وحدة إلى أخرى، فيُدرك الصورة بوصفها سيرورة لا معطى ثابتًا.
ويُعمّق العدد ثلاثة عشر هذا المسار، إذ يُدخل التوتر داخل النظام، ويبقى هذا النسق الهندسي مفتوحًا على قلقٍ خفيف، يُذكّر بأن الإدراك ذاته ليس استقرارًا نهائيًا، وإنّما حركة مستمرة بين ما يظهر وما يتوارى. هكذا، يتحوّل العدد إلى بنية للوعي، لا للقياس، ويغدو التكرار أفقًا لاكتشاف الصورة، لا لإعادتها.
رمزية البومة والتحول الدلالي
تروي الفنانة أنّها بحثت عن البومة في الواقع، حتى عثرت عليها وجلبتها إلى فضائها، فتابعت حركاتها وأنصتت إلى حضورها الصامت. واقتربت منها تدريجيًا، فانكشفت لها ككائن بسيط، بعيد عمّا أُلصق به من دلالات. وتحوّل هذا اللقاء إلى تجربة داخلية أعادت من خلالها فهم الطائر، فصار العمل الفني أثرًا لهذا القرب، لا صدى للخوف.
ومن هذا اللقاء الحيّ الذي أعاد تشكيل نظرتها، تنفتح الفنانة على استحضار صورة البومة داخل العمل، لا كما ورثتها، وإنّما كما خبرتها وعاشت حضورها. تستحضر الفنانة صورة البومة من داخل المخيال الجمعي، وتضعها في قلب العمل كعنصر زخرفي وككثافة رمزية مشحونة بتاريخ من التأويلات. وتُحمَّل هذه الصورة في الثقافة العربية بدلالات الشؤم والموت، فتُختزل في علامة خوفٍ تسبق حضورها.
غير أنّ الفنانة لا تخضع لهذه الدلالة الجاهزة، وإنّما تواجهها من داخل تجربتها، وتعيد النظر فيها عبر فعل فني واعٍ وتكرّر حضور البومة داخل المربعات، فتمنع تثبيت معناها، وتفتحها على إمكانيات قراءة متعددة.
تدخل الفنانة في حوار فعلي مع هذا الطائر، وتتعامل معه كوجود مستقل يستحق الفهم فتفصل بين الكائن وما أُلصق به من معانٍ، فتُعيده إلى براءته الأولى وتحرّره من ثقل التأويلات الموروثة.
كما تُوظّف الفنّانة التقنية الرقمية لتغطي أجزاء من الصورة، وتكشف أخرى، فتُحاكي بذلك طبيعة الرمز ذاته، الذي يظهر ويختفي، ويُرى. فتخلق هذه المعالجة توترًا بصريًا يعكس التوتر الدلالي الذي تعيشه الفنانة مع هذه الصورة.
تحوّل الفنانة رمزيّة البومة من موضوع خوف إلى موضوع معرفة، وتنتقل بها من مستوى الأسطورة إلى مستوى التجربة. ولا تعود البومة نذير شؤم، بقدر ما تصبح مرآة لوعيٍ يحاول أن يفهم، وأن يتجاوز، وأن يعيد تسمية الأشياء خارج إرثها الثقيل.
وعليه، تُجسّد هذه العملية مسارًا فينومينولوجيًا واضحًا، حيث تعمل الفنانة على ردّ الظاهرة إلى ذاتها، وتُعلّق الأحكام المسبقة، فتسمح للكائن بأن يظهر كما هو، لا كما قيل عنه.
تُحيط الفنانة صورة البومة بطيفٍ من الألوان الزاهية، وتكسر بذلك ثقل الدلالة المرتبطة بها، فتنتقل بالصورة من فضاء العتمة إلى فضاء الانفتاح تجاه الطائر.
تشتغل هذه الألوان بوصفها طاقة مضادة، فتواجه رمزية الشؤم بإشراقٍ لوني يخفّف من حدّة الصورة، ويُعيد توجيه الإحساس بها. وتحرّر الفنانة البومة من ظلالها الثقافية، وتمنحها حضورًا جديدًا، حيث تتجاور البراءة مع الكثافة الرمزية دون تناقض. فتُنتج الألوان الزاهية حالة من الانفتاح البصري، فتجعل العين تتردد بين الشكل واللون، ولا تعود قادرة على تثبيت المعنى في دلالة واحدة. ويُصبح اللون هنا مجالًا للانفعال قبل الفهم، حيث يُستقبل الطائر أولًا كإحساسٍ لوني، لا كرمزٍ مُسبق.
تُجسّد هذه المعالجة اللونية مسارًا تحويليًا، إذ لا تغيّر الفنانة شكل البومة بقدر ما تغيّر طريقة ظهورها، فتجعلها تُرى في ضوءٍ آخر، وتُستقبل في أفقٍ جديد، يتجاوز الخوف نحو نوعٍ من الألفة البصرية.
التقنية بين الحفر الكلاسيكي والرقمي (جدلية الكشف والحجب)
تشتغل الفنانة على مستوى التقنية بوصفها عنصرًا دلاليًا لا يقل أهمية عن الصورة ذاتها، وتزاوج بين الحفر الكلاسيكي والتقنية الرقمية، فتخلق توترًا خلاقًا بين أثر اليد وأثر الآلة. وتُبقي في الحفر التقليدي أثر اللمس والبطء، حيث تنقش السطح وتترك فيه ذاكرة الجسد، بينما تُدخل التقنية الرقمية كطبقةٍ أخرى تُعيد تشكيل الصورة وتعيد توزيع حضوره.
تتجاوز الفنانة الاستخدام الأداتي للتقنية، فتجعل منها فعلًا فلسفيًا يكشف ويخفي في الآن ذاته. وتغطي أجزاء من الصورة عبر الحفر الرقمي، فتُنتج مناطق صمت بصري تقابلها مناطق انكشاف، فيتردد العمل بين الظهور والاحتجاب، ويُجبر المتلقي على البحث عمّا لا يُرى بقدر ما يرى.

لذلك، تُحوّل هذه الجدلية إلى تجربة إدراكية، تتوزع بين طبقات، وتظهر كأثرٍ يتشكل عبر التراكم. وتصبح التقنية بنية تفكير، تعيد طرح السؤال حول ما يظهر وما يُخفى، وحول حدود الرؤية ذاتها.
تربط الفنانة بين التقنية وموضوع العمل، إذ تعكس عملية الحجب والكشف علاقتها برمز البومة، التي تكشّفت عبر تجربة طويلة من المواجهة والفهم. فتُجسّد التقنية هنا مسارًا داخليًا، لا مجرد اختيار شكلي. وتُنتج من خلال هذا التداخل بين اليد والرقمي لغة تشكيلية هجينة، تُقاوم الثبات، وتفتح العمل على أفق معاصر، حيث لا يعود الأصل والتقليد في تعارض، وإنّما في حوار مستمر.
تُوحِّد الفنانة بين اللون والرمز والتقنية داخل نسيجٍ بصري متماسك، وتبني من هذا التداخل تجربةً تتجاوز حدود الشكل نحو عمق الإحساس. وتُحيط صورة البومة بألوانٍ زاهية، فتفكك بذلك ثقل دلالتها الموروثة، وتُعيد تقديمها داخل فضاءٍ لوني نابض يُقاوم العتمة المرتبطة بها.
تتدخل التقنية الرقمية لتغطي أجزاء من الصورة وتكشف أخرى، فتُضاعف من هذا التحول، حيث يظهر الطائر كأثرٍ يتشكل بين الحضور والغياب. ويُصبح اللون هنا وسيطًا للانفعال، بينما تعمل التقنية كأداة لإعادة توزيع الرؤية، فيلتقي الحسي بالتقني داخل تجربة واحدة.
وهنا، تُحرّر الفنانة الرمز عبر هذا التداخل، فلا يعود اللون تابعًا للشكل، ولا التقنية خادمةً له، وإنّما تتكامل العناصر لتُنتج معنى جديدًا، يتجاوز ما هو معطى نحو ما يُبنى في التجربة. وتتحول البومة، في هذا السياق، من علامةٍ مغلقة إلى أفقٍ مفتوح، تُعاد رؤيته في كل مرة عبر اختلاف اللون وتحوّل التقنية.
الخاتمة
تفتح الفنانة فاطمة دمق، من خلال هذا العمل، أفقًا يتجاوز حدود الصورة نحو تجربةٍ تُعاش وتُفهم في آنٍ واحد. وتحوّل الفعل الفني إلى مسارٍ داخلي، تعيد فيه ترتيب علاقتها بالرمز، وبالذات، وبالعالم من حولها. فتنجح، عبر التكرار والبنية المربعة، في زعزعة ثبات المعنى، وتدفع الصورة إلى أن تتكشّف تدريجيًا، ليس كمعطى جاهز، وإنّما كأثرٍ يتكوّن في الوعي. كما تعيد، من خلال اشتغالها على رمز البومة، مساءلة المخيال الجمعي، وتحرّر الكائن من دلالاته الثقيلة، فتمنحه إمكانية الظهور من جديد، في براءته الأولى. فتجعل من التقنية، في ازدواجها بين الحفر الكلاسيكي والرقمي، لغةً للكشف بقدر ما هي أداة للحجب، لتؤسس لجدلية بصرية تعكس عمق التجربة التي خاضتها. ولا يعود العمل عندها سطحًا يُرى، وإنّما طبقات تُحسّ وتُدرك وتُفكّك.
وهكذا، لا تقدّم الفنانة صورة البومة، بقدر ما تعيد خلقها؛ ولا تعرض شكلًا، وإنّما تبني تجربة؛ فتحوّله إلى فعل فهمٍ وتحرّر. لذلك تغدو اللوحة مجالًا لمصالحةٍ صامتة، بين ما رُوي وما يُعاش، بين الخوف والمعرفة، وبين الرمز وحقيقته.
البيبليوغرافيا
ميرلو-بونتي، موريس. فينومينولوجيا الإدراك. ترجمة فؤاد شاهين. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2008.
مارتن هايدغر: أصل العمل الفني، ترجمة: أبو العيد دودو، منشورات الجمل،. كولونيا، المانيا، ط. ،1. 2003.
بيرغر، جون. طرق الرؤية. ترجمة كريم إمام. القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2013.

وصف اللّوحة:
العنوان: يقظة أسطوريّة
المقاسات: 130\130 صم
التقنية: تقنيات حفر مزدوجة (حفر على لينو وطباعة على خشب مع حفر رقمي)
تاريخ الإنجاز: مارس 2026.




