سيف الأمير:” هابي بيرث داي “..وجع بلغة راقية..صرخة في وجه التهميش ..وقصيدة حب في محراب المركز الكاثوليكي.


وسط أجواء مفعمة بالحب والتقدير للفن السابع، وفي رحاب مهرجان المركز الكاثوليكي المصري للسينما،عشنا تجربة سينمائية فريدة مع عرض فيلم “هابي بيرث داي”. هذا المهرجان الذي يثبت عامًا بعد عام، بقيادة الأب المخلص بطرس دانيال، فهو ليس مجرد تظاهرة فنية، بل “بوصلة أخلاقية” تختار الفن الذي يرتقي بالروح والوجدان، ويحتفي بالإنسان قبل كل شيء..

الرؤية الإخراجية والسيناريو: غوص في المسكوت عنه
يقتحم فيلم “هابي بيرث داي” منطقة شائكة في الدراما الاجتماعية، حيث يتناول قضية “عمالة الأطفال” والتباين الطبقي من زاوية إنسانية بحتة، بعيدًا عن الخطابة المباشرة. نجحت المخرجة والمؤلفة (سارة جوهر) مع مشاركة التأليف مع (محمد دياب) في صياغة كادر بصري يمزج بين قسوة الواقع ونعومة المشاعر، حيث تدور الأحداث حول الطفلة “توحة – والتي قامت بدورها ضحى رمضان” التي تجد نفسها ممزقة بين براءة الطفولة ومرارة المسؤولية.
الأداء التمثيلي: مباراة في الإبداع
حنان مطاوع (أيقونة التجسيد): كعادتها، تؤكد حنان مطاوع أنها “غول تمثيل” من طراز رفيع. قدمت شخصية الأم بأداء داخلي يعتمد على نظرات العين واهتزاز الصوت، فكانت هي العمود الفقري للمشاعر في الفيلم، تمنح المشاهد طاقة من الصدق تجبره على التعاطف مع كل خلجة من خلجات وجهها، ولم تتأخر عن المخاطرة بأداء مشاهد تمثيلية في النيل رغم برودة فبراير ومارس وخاصة ليلاً، وكما تناولت حبوب العلاج من البلهارسيا، فهي ممثلة بدرجة مقاتل.

واشادت الفنانة (حنان مطاوع) بدور المركز الكاثوليكي للسينما والدور الريادي المحب للأب الجليل بطرس دانيال في دعم الفن الهادف والراقي، ودوره في المجتمع، وعبرت عن مشاعرها الجمة بالحب للمكان، كما لو كانت قصيدة حب، وخاصة أن أول جائزة تنالها عن تمثيلها كانت من المركز الكاثوليكي.
نيللي كريم (سحر الحضور): أضافت نيللي للعمل ثقلاً فنيًا وحسًا دراميًا عاليًا. فحضورها كان يتسم بالذكاء في اختيار الانفعالات، حيث جسدت شخصيتها ببراعة توازن بين القوة والضعف الإنساني، وهذا صعب في أي معادلة سينمائية ناجحة.
الطفلة ضحى (اكتشاف مذهل): هي مفاجأة الفيلم الحقيقية. أداء عفوي، ملامح تنطق بالبراءة المذبوحة، وقدرة على الوقوف أمام عمالقة التمثيل دون رهبة، مما يبشر بميلاد نجمة ستغير خارطة أدوار الأطفال في السينما المصرية.
شريف سلامة (فنان السهل الممتنع): ينجح دائمًا شريف في تحقيق المعادلة الصعبة، حيث يؤدي الدور بعمق وصدق ، وبساطة ونضوج فني متألق، فيقنعك بتمكنه من أدواته كممثل بأبسط أداء واقعي، فيجعلك لا تشعر بأنه يمثل.
وبدون شك فالكعادة تألقتا الفنانتان (حنان يوسف، وجهاد حسام الدين)، مع الفنان (علي صبحي) في أداء أدوارهما بتمكن وعلى أعلى قدر من الصدق وعمق الأداء، والطفلة (خديجة أحمد) تألقت أيضًا في دور الطفلة المرفهة ” نيللي”، إذ كانت تزداد توهجاً في المشاهد التي تجمعها مع “توحة”، مما يرسخ ويكلل المجهود الذي قامت به المخرجة مع فريق العمل وخاصة الأطفال.

فريق العمل: تكامل العناصر
لا يمكن إغفال دور التصوير السينمائي الذي استخدم الإضاءة الطبيعية ليعكس واقعية الحارة والبيت المصري، بالإضافة إلى الموسيقى التصويرية التي جاءت كشريط موازٍ للأحداث، تشتد في لحظات الصراع وتهدأ لتترك مساحة لدموع المتفرجين.
نظرة نقدية: (المساحة الفاصلة من التحديات)
رغم روعة العمل وتماسكه، سقط الفيلم في فخ “الإيقاع البطيء” في بعض مشاهد الثلث الثاني، حيث كان من الممكن تكثيف بعض الحوارات لتجنب الرتابة. كما أن بعض الشخصيات الثانوية كانت تحتاج لمساحة أكبر من العمق الدرامي لتبرير دوافعها، لكن هذه الملاحظات لا تقلل أبدًا من جودة العمل النهائية التي وصلت لمرحلة الإبهار.
مهرجان المركز الكاثوليكي: حصن الإبداع
لا يسعنا الحديث عن الفيلم دون توجيه تحية إجلال للمركز الكاثوليكي. فاستضافة هذا العمل ومناقشته تعكس الرؤية الثاقبة للأب بطرس دانيال، الذي جعل من هذا الكيان منارة تجمع الفنانين والمثقفين على مائدة” الجمال والخير”. شكرًا للأب بطرس على دعمه الدائم للسينما الهادفة، وعلى هذا التنظيم الذي يليق بمكانة الفن المصري.
الخلاصة
فيلم “هابي بيرث داي” ليس مجرد فيلم سينمائي، بل هو صرخة في وجه التهميش، واحتفاء بالحب والتضحية. عمل يستحق المشاهدة والتأمل، ويستحق أن يُتوج بالجوائز في المحافل الدولية والمحلية.
★صحفي ـ مصر.




