سينما

ضحى محمد السلاب: ” حضرات السادة الأفاضل… لقد وقعنا في الفخ”.

ضحى محمد السلاب

يُشبه الأمر أن تفتح درجاً في بيت العائلة القديم بحثاً عن ورقةٍ ما، فتسقط عليك فجأة أكوامٌ من الأوراق، وصورٌ نصفها ممزّق، تحمل مجموعةً من الأسرار، التي لم يكن يُفترض أن تراها… فيتبادر إلى ذهنك العديد من الأسئلة، تُحاول أن تُعيد كل شيء إلى مكانه، لكنك كلما اعتقدت أنك حللت لغز ورقةٍ ما، اِنكشفت أخرى أكثر تعقيداً.
هكذا تبدو الحياة في فيلم “السادة الأفاضل”؛ محاولةً بريئة لإصلاح خللٍ صغير، تتحوَّل إلى سلسلة لا تنتهي من الأخطاء المتراكمة.

حين يكون الضحك محرّكاً للفوضى

يأتي فيلم “السادة الأفاضل” ضمن موجة الكوميديا المصرية، التي تُحاول الابتعاد عن النكتة المباشرة، والاعتماد على كوميديا الموقف والشخصية.
العمل، من إخراج “كريم الشناوي” وتأليف “مصطفى صقر ومحمد عز الدين وعبدالرحمن جاويش”، يطرح حكاية عائلية تبدأ من نقطة مأساوية – وفاة الأب – لكنها سرعان ما تنزلق إلى مسارٍ عبثي ساخر، يكشف هشاشة العلاقات الاجتماعية والاقتصادية داخل الأسرة المصرية المعاصرة.

يحمل اسم فيلم “السادة الأفاضل” دلالةً ساخرة عميقة إذا قرأناه في ضوء أحداثه؛ فالتعبير في الثقافة العربية يُطلَق عادةً على أشخاص يتمتعون بالاحترام والمكانة والأخلاق الرفيعة، غير أن القصة تكشف مفارقة واضحة بين العنوان والواقع، فالأب “جلال” متورّط في تجارة آثار وديون ضخمة، والأبناء يجدون أنفسهم وسط شبكة من الفوضى والأخطاء.
من هنا يبدو العنوان وكأنه سخرية مبطّنة من الصورة الاجتماعية الزائفة، إذ يُلمّح إلى عائلة تُرى ظاهرياً بوصفها “فاضلة”، بينما تُخفي خلف الأبواب معاملاتٍ مشبوهة، وقراراتٍ غير مسؤولة.

كما أن صيغة الجمع في “السادة” تُوحي بأن المسألة لا تتعلق بفردٍ واحد، بل ببنية عائلية كاملة تُختبر سمعتُها بعد وفاة الأب، وكأن “الفضيلة” صفة جماعية موروثة أكثر منها حقيقة ثابتة.
وبما أن البناء الكوميدي يعتمد على تصاعد الفوضى وتصادم الطباع، فإن الاسم يعمل كقناعٍ رسميٍّ أنيقٍ يُغطي عبثاً داخلياً، ومِنْ ثَمَّ لا يبدو العنوان وصفاً مباشراً، بل سؤالٌ ساخرٌ مفتوحٌ: هل هم فعلاً أفاضل، أم أن الفضيلة مجرد لقبٍ جميل يُخفي واقعاً مضطرباً؟

من خلال قراءة بوستر الفيلم، يُمكن ترجيح أنه أقرب إلى كوميديا جماعية ذات حبكة مترابطة، لكنها تقع في فخ المبالغة، الذي يحوِّلها إلى كوميديا مفككة قائمة على اسكتشاتٍ منفصلة، فالتكوين البصري يعتمد على بناءٍ هرمي واضح، تتوسطه هيئة ذهبية تشبه العرش، أو الشعار الملكي، ما يُوحي بمحورٍ درامي واحد تدور حوله الأحداث، وهو “الصراع حول الثروة”، كما يُعزّز التباين بين الخلفية الخضراء المزرقة، واللون الذهبي إحساس الفخامة والهيمنة، أما النقود المتطايرة والزخارف فتؤكد أن الثروة عنصرٌ أساسي في مسار القصة، وربما مدخلٌ للسخرية الاجتماعية.

أما بالنسبة للشخصيات، فجاء ترتيبها بشكلٍ هرمي؛ حيث تبدو بعض الشخصيات في الأعلى – وهم النجوم الرئيسيون في الفيلم – بالإضافة إلى دورهم الأساسي في القصة، وهم: “بيومي فؤاد، محمد ممدوح، محمد شاهين، اِنتصار، أشرف عبدالباقي، ثم ناهد السباعي وهنادي مهنا”، يليهم “علي صبحي، طه الدسوقي، وميشيل ميلاد”.

البنية الدرامية: من المأساة إلى العبث

نحن أمام عائلة “جلال أبو الفضل” الذي يمتلك محل حواوشي، لكنه ستار يستغله في عمليات تهريب الآثار، يُقرّر ادعاء الموت كَحِيلة حتى يستطيع إتمام صفقة آثار أثناء جنازته، خاصة بعد أن عرف شقيقه “خيري أبو الفضل” بتجارته الحقيقية.

تودّعه عائلته وهو على فراش الموت، فمن حوله أبناؤه وزوجته وحفيده، وما هي إلا لحظات حتى يموت “جلال”، الذي يجسده الفنان “بيومي فؤاد”، يصبح على الابن الأكبر أن يتولى مسؤولية الأسرة، فيبدأ في تحضيرات الجنازة والعزاء، وتجتمع عائلة “أبو الفضل” كلها في منزل “جلال” انتظاراً لمراسم الجنازة، التي تتزامن مع أول أيام عيد الأضحى.

وفي اللحظة نفسها نتعرّف على “جوهري”، الشاب العاطل الذي يتمتع بقدرٍ من الذكاء، ويخطط لسرقة أموال المعاشات في مكتب البريد المجاور لمنزل “أبو الفضل”، مستغلاً حالة الوفاة، ثم تتوالى الأحداث خلال أقل من أربعٍ وعشرين ساعة، تنكشف فيها مفاجآت، وتتعقَّد الأمور، وتزداد تشابكاً حتى النهاية.

القرية التي تدور فيها الأحداث – قرية خيالية تحمل اسم “الأفاضل” – تتحوَّل إلى نموذجٍ مصغّر لعالمٍ فاسد بالكامل، تُباع فيه القيم الأخلاقية والإنسانية بلا تردّد، ويُصبح المال هو المحرِّك الوحيد للعلاقات الاجتماعية، التي تتفسخ على صخرة الواقع الأليم.

وعلى مدار ساعتين تقريباً، لا تهدأ الأحداث لحظة واحدة، بل تتصاعد بمزيج من العبث والفوضى، مع شيء من الإطالة غير المبرّرة أحياناً، وربما يرجع ذلك إلى أن الفيلم أول تجربة كوميدية للمخرج “كريم الشناوي”، الذي اعتاد تقديم أعمال واقعية ذات طابع درامي عائلي.

إرث الأب… مسرح من بطولة الفوضى والكوميديا السوداء

يُمكن تصنيف الفيلم على أنه “كوميديا سوداء”، إذ يستخدم موت الأب المفاجئ كبداية للأحداث بطريقة مفارقة، ويُحوِّل مأساة العائلة إلى مصدرٍ للسخرية، فالفوضى التي تنشأ من صراعات الأبناء على الإرث، ومحاولاتهم الفاشلة للتعامل مع الأسرار المالية والتجارة المشبوهة، تُولّد مواقف عبثية ساخرة، بينما يبقى بُعدٌ دلاليٌّ جادٌّ مرتبط بالموت والهشاشة البشرية.

يمزج المخرج بين الجدية والمفارقة، وبين الأحداث الخطيرة والتصرفات الطائشة، فيخلق نبرة عبثية مستمرة تجعل المشاهد يضحك من مأساة العائلة، وهو ما يُميِّز الفيلم بصبغته الكوميدية السوداء.

الصورة النمطية لإبراز الهوية المصرية

اِنتقد البعض استخدام الفيلم للهجة الريفية، معتبرين أن ذلك قد ينطوي على سخرية من سكان الأرياف، أو تنميطٍ لهم، ومع ذلك، من الناحية الفنية، تُستخدم اللهجة لإبراز الهوية المحلية للشخصيات والفوارق الطبقية، وتعزيز الواقعية في الحوار.

في سياق الكوميديا السوداء، تصبح اللهجة جزءاً من التعبير عن الفوضى والتوتر العائلي؛ حيث يُولد الضحك من تصرفات الشخصيات والمواقف العبثية، لا من أصولهم أو خلفياتهم، غير أن المبالغة في التأطير قد تُوحي للبعض بأن هذه الصورة تُمثِّل حقيقة القرية المصرية، وهو ما يضع العمل في منطقة حساسة بين التوظيف الدرامي، والتنميط الاجتماعي.

عندما تسقط الأقنعة في يوم العيد

يجعل الفيلم من أول أيام العيد نقطة انطلاق رمزية لانهيار العائلة، فالأب المحتضر لا يمنح أبناءه أخلاقاً، أو رؤية للحياة، بل يُورِّثهم شبكة من النفاق الاجتماعي، والثراء المشبوه، والصفقات المؤجلة، التي تنفجر بعد موته، وهكذا يتحوَّل العيد – زمن الفرح ولمّ الشمل – إلى لحظة كشفٍ وانهيار، تتساقط فيها الأقنعة.

مشهد “طيران النعش” يأتي بصورةٍ مبالغٍ فيها، كدلالة على أننا نُشيِّع القيم الاجتماعية، التي طالما جرى تلميعها وربطها بالريف بوصفه فضاءً للنقاء الأخلاقي، غير أن الفيلم يضع هذه الأسطورة موضع مساءلة، ويترك الحكم للمشاهد: فـ “جلال” لا يمتلك ما يُؤهله لهذه القداسة الرمزية، ونعشُهُ لن يطير، لأن حياته كانت مثقلة بالأسرار.

في النهاية، ينجح “السادة الأفاضل” في تذكيرنا بأن الفوضى ليست دائماً نقيض النظام، بل أحياناً طريقنا الوحيد لاكتشاف حقيقته، ربما تَعجَّل الفيلم في عرض بعض مشاهده الأخيرة، وترك مساره الدرامي مفتوحاً دون نهاية واضحة، لكنه يترك أثراً يكشف مساوئ النفس البشرية، ومدى الخراب الذي قد يلحق بالإنسان حين يختار طريقاً مضطرباً لحياته.
ومع ذلك، يظل السؤال مطروحاً: هل كان من الضروري أن يتحوَّل الموت ، بما يحمله من هيبة بمراسمه، إلى مساحةٍ للسخرية والعبث؟! وأن تحمل “القرية المصرية.. التى سُميت في الفيلم باسم الأفاضل ” مسار حياة كاملة يشوبها الطمع و الفساد و الإستغلال؟!

المصادر:-
١-“السادة الأفاضل”.. حين تتحوَّل الكوميديا إلى معادلة هندسية… “علياء طلعت” موقع الجزيرة نت ٢٠٢٥.
٢-“السادة الأفاضل” ومساءلة مجموعة القيم الأخلاقية عبر الكوميديا والمحاكاة الساخرة… “د.هويدا صالح” … مجلة مصر المحروسة…٢٠٢٦.

٣-” فيلم “السادة الأفاضل”.. حدوتة “الكوميديا الأنيقة … أخبار الفن … موقع CNN بالعربية.. ٢٠٢٦.
٤-“فيلم “السادة الأفاضل” .. حين يصبح العبث نظاماً… “ولاء الشامي” … موقع الكتابة الثقافي .


★كاتبة ـ مصر.

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى