مسرح

حسام الدين مسعد: إشكالية التلقي النقدي العربي لمصطلح “المونودراما”هل ضاق المصطلح عن استيعاب التجارب الجديدة؟


حسام الدين مسعد★

منذ أن بدأت المونودراما تشق طريقها داخل المشهد المسرحي العربي، ظل السؤال المفاهيمي يلاحقها بوصفه سؤالًا ملتبسًا أكثر من كونه سؤالًا محسومًا،فالمتلقي النقدي العربي لم يستطع حتى الآن أن يتفق على تعريف جامع لهذا الشكل المسرحي، الأمر الذي جعل المصطلح يتحرك داخل منطقة رمادية تتداخل فيها الأجناس الأدائية، وتختلط فيها المونودراما بالتمثيل الفردي، والون مان شو، والحكواتي، والستاند أب كوميدي، وحتى المونولوج المسرحي.

هذه الإشكالية لا تتعلق فقط باختلاف التعريفات، وإنما تكشف عن أزمة أعمق تخص آليات التلقي النقدي العربي نفسه، الذي ظل في كثير من الأحيان أسيرًا للمعنى اللغوي المباشر لكلمة “مونو”، باعتبارها تعني الواحد، دون النفاذ إلى التحولات الجمالية والفلسفية التي طالت هذا الفن عبر تطوره التاريخي والمعاصر.

لقد تعاملت بعض القراءات النقدية العربية مع المونودراما بوصفها مجرد عرض يؤديه ممثل واحد، بينما ذهبت قراءات أخرى إلى اعتبارها نصًا قائمًا على الشخصية الواحدة، في حين وسعت اتجاهات مغايرة المفهوم ليشمل التعدد النفسي والصوتي داخل الذات الواحدة.

وهنا تبدأ الإشكالية الحقيقية: هل المونودراما وحدة عددية؟ أم وحدة خطاب؟ أم وحدة منظور؟ أم أنها فضاء درامي يسمح بتعدد الأصوات داخل جسد أدائي واحد؟
إن مراجعة التعريفات العربية للمصطلح تكشف حجم هذا الاضطراب المفاهيمي. فسمير الجبلي، في تعريفه للمونودراما، يصفها بأنها “دراما الممثل الواحد الذي يتقمص أدوارًا مختلفة”(١)، لكن هذا التعريف، رغم أهميته التأسيسية، يخلط بين الأداء والنص، وبين التمثيل الفردي والمونودراما بوصفها بنية درامية. فمفردة “التقمص” نفسها تحمل حمولة فلسفية ونفسية تتجاوز الأداء المسرحي، كما أنها لا تحسم طبيعة البناء الدرامي: هل نحن أمام شخصية واحدة؟ أم شخصيات متعددة يؤديها ممثل واحد؟

 

د.كمال عيد


أما د.كمال الدين عيد، فقد اقترب من التعريف التقليدي للمونودراما باعتبارها ” عرضًا يقوم على شخصية واحدة وموقف درامي أحادي”(٢)، لكنه ظل أسيرًا للنموذج الكلاسيكي الذي يربط المونودراما بالأداء الفردي فقط، دون الانتباه إلى التحولات البنيوية التي شهدها المسرح المعاصر، حيث أصبحت المونودراما مجالًا لتفكيك الهوية، وتعدد الأزمنة، وتشظي الوعي.
في المقابل، اتجهت د.أمينة الأكشر إلى “تضخيم دور الممثل داخل العرض، حتى بدا وكأنه المسؤول عن كل عناصر العملية المسرحية من كتابة وإخراج وتأثيث وأداء”(٣). ورغم أن هذا التصور يحتفي بطاقة المؤدي وقدراته، إلا أنه يخلط بين المونودراما كشكل درامي، وبين “الون مان شو” كحالة استعراضية مكتملة يقوم فيها شخص واحد بكل شيء.

د .نهاد صليحة


أما د.نهاد صليحة، فقد قدمت تعريفًا أكثر ضبطًا حين ربطت” “المونو” بحق الكلام، لا بعدد الأجساد على الخشبة، معتبرة أن وجود ممثلين صامتين لا ينفي صفة المونودراما” (٤).
غير أن هذا التعريف بدوره ظل مقيدًا بمفهوم الصوت الواحد، دون الانفتاح على إمكانات التعدد الصوتي داخل الشخصية نفسها.
في حين بدا تعريف د.أبو الحسن سلام أكثر اقترابًا من التحولات الحديثة للمفهوم، عندما رأى المونودراما بوصفها تركيبة درامية قائمة على صور متشظية لصراع نفسي داخل شخصية متعددة الأصوات.
وهنا ينتقل المفهوم من مجرد الأداء الفردي إلى البنية النفسية والفلسفية للنص، حيث تصبح الذات ساحة لصراعات متعددة، ويتحول المونولوج إلى حوار داخلي متشظٍ.
لكن الإشكالية لا تكمن فقط في اختلاف التعريفات، بل في عجز التلقي النقدي العربي عن استيعاب التجارب الجديدة التي بدأت تكسر النموذج الكلاسيكي للمونودراما، وعلى رأسها تجربة “المونودراما التعاقبية”.

لقد جاءت المونودراما التعاقبية بوصفها محاولة جادة لتفجير البنية التقليدية للمونودراما، والخروج بها من أسر الصوت الأحادي إلى تعددية الرؤية داخل الحدث الواحد. فبدل أن يقدم العرض حقيقة واحدة، يعيد بناء الحدث مرتين من زاويتين متعارضتين، بحيث يصبح المتلقي شريكًا في إنتاج المعنى، لا مجرد مستقبل سلبي له.

المخرج العراقي فاروق صبري طرح هذا المشروع انطلاقًا من سؤال جوهري: هل يمكن تغيير بنية المونودراما دون أن تفقد هويتها؟ وهو سؤال يكشف أن الأزمة الحقيقية ليست في التجريب، بل في ضيق التصورات النقدية التي ما زالت تربط المونودراما بالوحدة الصارمة للمؤدي والخطاب والزمن.

إن المونودراما التعاقبية لا تهدم المونودراما، بل تعيد اكتشافها. فهي لا تلغي الوحدة، وإنما تعيد تعريفها. الوحدة هنا لم تعد وحدة الجسد فقط، بل وحدة الحدث، في مقابل تعددية الرؤية. وهذا ما يجعلها امتدادًا طبيعيًا للتطور الحداثي وما بعد الحداثي في المسرح، حيث لم تعد الحقيقة مطلقة، بل نسبية ومتعددة.
ومن هنا يبدو السؤال أكثر إلحاحًا: هل ضاق مصطلح المونودراما عن استيعاب التجارب الجديدة؟
الإجابة ليست بسيطة. فالمصطلح في جوهره ليس ضيقًا، لكن التلقي النقدي العربي هو الذي ضيّقه حين اختزله في تعريفات مدرسية جامدة، وربطه بالشكل الخارجي بدل جوهره الدرامي والفلسفي. فالمونودراما ليست عددًا حسابيًا، وإنما بنية خطابية وجمالية قادرة على التكيف مع تحولات المسرح.
لقد سبق للمسرح نفسه أن تجاوز وحداته التقليدية؛ فالتراجيديا الإغريقية لم تبقَ أسيرة الممثل الواحد بعد تجديد أسخيلوس بإضافة الشخصية الثانية، كما لم يتوقف المسرح عند الواقعية أو الكلاسيكية أو حتى العبث. وبالتالي فإن تطور المونودراما نحو صيغ تعاقبية أو متعددة الرؤى لا يعني انهيار المصطلح، بل يؤكد حيويته وقدرته على التجدد.
إن الأزمة الحقيقية تكمن في العقل النقدي الذي لا يزال يبحث عن تعريف مغلق ونهائي لفن جوهره التحول. فالفن لا يعيش داخل القواميس، وإنما داخل التجارب. وكل محاولة لتثبيت المونودراما داخل قالب نهائي تعني قتل قدرتها على التطور.
لهذا، فإن المطلوب اليوم ليس تقسيم المونودراما إلى “تقليدية” و”تعاقبية”، بقدر ما نحتاج إلى إعادة بناء المفهوم نفسه بوصفه جنسًا دراميًا مرنًا، قادرًا على استيعاب التعدد داخل الوحدة، والحوار داخل المونولوج، والتشظي داخل الذات.
إن المونودراما المعاصرة لم تعد مجرد ممثل وحيد فوق الخشبة، بل أصبحت مختبرًا فلسفيًا وجماليًا للصوت الإنساني في مواجهة العالم، ومجالًا لتفكيك الحقيقة وإعادة تركيبها، ولهذا فإن مستقبل هذا الفن لن تحدده القواميس، بل ستحدده جرأة التجريب، وقدرة النقد العربي على التحرر من سلطة التعريفات المغلقة والانفتاح على التحولات الجديدة للخطاب المسرحي.
المراجع:
١-سميرعبدالرحيم الجبلي،معجم المصطلحات المسرحية،دار المأمون للترجمة والنشر،بغداد، ١٩٩٣، ص ٨٠.
٢-كمال عيد،اعلام ومصطلحات المسرح الأوربي،دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر،الأسكندرية،ط١، ٢٠٠٦،ص٦٥٤.
٣-أمينة الأكشر،توظیف ظاهرة مسرحیة الممثل الواحد “المونودراما المسرحیة”
في مسابقات المسرح المدرسي- دراسة تحلیلیة،مجلة الدراسات التر بویة والانسانیة ـ كلیة التربیة ـ جامعة دمنهورالمجلد العاشر- العدد الثالث – لسنة ٢٠١٨.
٤-نهاد صلیحة.”التیارات المسرحیة المعاصرة” ، مهرجان القراءة للجمیع ، الأعمال الفكریة ، الهیئة المصریة العامة للكتاب ، القاهرة،١٩٩٧،ص ١٦٥.


★ناقد ـ مصر.

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى