د.هالة عبد المنعم: قراءة نقدية لقصيدة (فيزياء المسافة) للشاعرة السعودية “تهاني الصبيح”.


د. هالة عبد المنعم★
قبل البَدء بتحليل قصيدة “فيزياء المسافة” ، التي قدَّمتها الشاعرة في مِهرجان الشارقة للشعر العربي، الذي عُقِدَ مؤخراً في بيت الشعر في الشارقة ، لا بد من عرض القصيدة كاملة ؛ لِيَتَسَنَّى للقارئ الاِطِّلاع، والتعرُّف عن كَثَبٍ على الآلية والمنهج النقدي، الذي تَمَّ الاِشتغال عليه في القصيدة :
” فيزياء المسافة “
تعاتبه شوقاً وتسكب دمعها
وترهف من أقصى المسافات سمعها
تعاتبه صدعاً تلوّى بقلبها
فمن ذا الذي بالحب يرأب صدعها ؟
ومن ذا الذي لو جفت الروح ينحني
ليجري من معناه في الرُّوحِ نبعها
تلاشت على كفيهِ عطراً ونظرةً
وغابت أمام الريح مذ همّ جمعها
أتته غراساً كان ينبته الهوى
لتسقي من نهر المسافات زرعها
أحبته لكن في حدود عنادها
وما جاوزت بالبُعد والوَجْدِ طبعها
وجاءته تشكو حينما اعوجّ ضلعها
وقوّسها ، حتى يُقَوِّم ضلعها
مسافة شوقٍ والحنين هو الخُطى
وأقسى الذي تلقاه في الخَطْو ذرعها
تقول له من أنت ، تُخفي التفاتةً
تسرّح رِمشيها ، يحاول منعها
تقول له في الحب لا شيء بيننا
سوى وصلةٍ دارتْ تعمّدت قطعها
وتبكي كأنّ اللومَ يعصر غيمةً
تصبّ على درب المحبين دمعها
فتشعله ذنباً ، وتطوي به يداً
وتطفئ من بين الأصابع شمعها
تقول له غادر، وأية خلجة
تحن إلى اللقيا سأبدأ نزعها
فلستَ الذي ترخي النخيل ظلالها
أمامك إذعاناً و تهديك طلعها
ولستَ الذي لو ضمّها متلهفاً
يجيز له أهل القواعد رفعها
ولو أرضَعَتْكَ الأرض من عذب مائها
لأنكرتها فضلاً لتبخس ضرعها
فأرجوك أن تنأى فما عدت أقتفي
برجليك آثاري وأدركُ وقعها
سأنساك أو أنسى انعقادي نظرةً
بنظرتك الأولى ، مذ اخترت بيعها
الأنساق المضمرة:اخترنا تحليل قصيدة “فيزياء المسافة” بطريقتين:
أولاً: بالنسق الثقافي
ثانياً: بالمنهج الثقافي
ولنبدء تحليلنا أولاً من خلال :
النسق الثقافي:
نُركِّز من خلال النص على الأنساق المضمَرة، التي تتحكّم في الخطاب الشعري دون تصريح مباشر كالتالي :
النسق العاطفي السلطوي
رغم أن المتكلمة تبدو في موضع الضعف
(البكاء، الشوق، المسافة)،إلا أن النص يُعيد إنتاج نسق سلطة أخلاقية للذات الأنثوية..هي التي تعاتب،هي التي تمنح وتمنع.. هي التي تقول:«غادِر»، «سأنساك»
فالنسق هنا ينقلب إلى ثنائية:
الضعف العاطفي الذي يتحوَّل إلى ← سلطة القرار، وهذا النسق الثقافي . تُظهِر المرأة الاِنكسار؛ لِتُخفِيَ السيطرة الرمزية.
– نسق الطهر مقابل الرغبة:
القصيدة مليئة بإشارات العاطفة، لكن تلك الرغبة تُحاصرها دائماً بالحدود:«أحبته لكن في حدود عنادها»
« في الحب لا شيء بيننا»
«وصلة دارت تعمّدت قطعها»
النسق الثقافي هنا: حب بلا اكتمال جسدي، وهو نسق أخلاقي عربي يُمَجِّد الحرمان ويُحوِّله إلى قيمة.
نسق المسافة كقيمة لا كعائق:
فالمسافة هنا ليست مجرد ظرف مكاني، بل تتحوَّل إلى: مقياس أخلاقي، وأداة حماية للذات، وشرط للحفاظ على الكرامة.
لذا ؛ فإن «فيزياء المسافة» ليست علماً فيزيقياً للمساحة، بل هي نسق ضبط للعاطفة.
كون المسافة = فضيلة ثقافية.
لذا؛ فخلاصة النسق الثقافي في النص يرتكز على :
القصيدة تعيد إنتاج:
ـ نسق العاطفة المنضبطة.
ـ نسق الأنثى الخلوقة الحارسة للحدود.
ـ نسق الحرمان بوصفه سُمواً.
المنهج الثقافي:
ثانياً: تحليل القصيدة بالمنهج الثقافي
هنا لا نكتفي بتفكيك الأنساق، بل ندرس النص كفعل ثقافي داخل سياق اجتماعي. القصيدة بوصفها خطاباً ثقافياً عن الحب ، وهنا النص لا يُعبِّر عن علاقة فردية فقط، بل يشارك في تشكيل تصوُّر جمعي للحب:فهو حب قائم على الشكوى،كما أنه حب مؤجل، وهو أيضاً حب بلا اكتمال، وهذا ينسجم مع الثقافة العربية التي ترى الحب تجربة وجدانية لا مشروع حياة.
الذات المتكلمة والهُوية
القصيدة تبني هُوية أنثوية فهي الآخر تحاسب، تخشى الاِنكسار الاِجتماعي أكثر من العاطفي «ولستَ الذي تُرخي النخيل ظلالها أمامك إذعاناً»، الخطاب هنا يُحاوِر ثقافة الخضوع الأنثوي، لا لِيَكسرَها تماماً، بل لِيُعيد التفاوض معها.
اللغة بوصفها ممارسة ثقافية:
اللغة في قصيدة “فيزياء المسافة” فخمة، جَزْلة، تستدعي الموروث وتمنح الشرعية للتجربة، واختيار الشكل الكلاسيكي.
وأما الوزن التقليدي فهو ليس محايداً: إنه اصطفاف ثقافي مع خطاب الوقار لا الاِعتراف.
– وظيفة النص ثقافياً:تأتي القصيدة هنا لتُطمئن المتلقي،لا لِتصدم الأعراف، فهي تتحدث عن الألم بوصفه مخاض الولادة، ولاتثور عليه بل تُعيد إنتاج الأحاسيس والعاطفية الأنثوية المحافِظة من خلاله .
★فنانة تشكيلية وأستاذة أكاديمية.



