رأي

في الذكرى الأربعين لوفاة الراحل المبدع عبد العزيز السريع. د.علي العنزي:سيبدو المسرح أشد وحدةً برحيل السريع.

د. علي العنزي★

رحل عبدالعزيز السريع…رحل، وجاء رحيله كمن يعرف الطريق، ويغادره بصمتٍ كامل؛ لم يكن في الموت صخبُ المفاجأة، وإنما ثقلُ الاكتمال.

انتهى النص بهدوءٍ قاسٍ، وكأن الزمن قرر أخيرًا أن يضع نقطةً في آخر السطر؛ لا مشروعٌ ينتظر، ولا عبارةٌ مؤجلة، ولا وصيةٌ تستدرك، وإنما فقط فراغٌ عميق.

في المقبرة، بدا كل شيءٍ أكثر واقعيةً مما ينبغي؛ الجنازة ساكنة، لا تطلب تفسيرًا، ولا تساوم على معنى؛ أهذا هو الجسد الذي كتب، وحاجج، وفتح للمسرح نافذةً في زمنٍ كان فيه الكلام مغامرة؟ أتحتضن الجنازة ذاكرةً كاملةً، انسحبت من اللغة لتستريح؟

كان الحزن موزعًا بانتظامٍ فادح؛ لا صراخ، لا تمثيل، وإنما فقط وجوهٌ تعرف أن ما فقدته ليس شخصًا، وإنما شاهدًا كنا نهتدي به.

المقبرة… لم تكن مكانًا، وإنما امتدادًا صامتًا للمسرح، حين تطفأ الأنوار، ويبقى السؤال معلقًا في الهواء. حتى الصمت كان مدروسًا، كأنه اخر مشهدٍ لم يكتب..

حين انفض الجمع، شعرت أن المسرح فقد شيئًا من اتزانه، وسيبدو أقل ثقةً وأكثر وحدة.

عدنا إلى حياتنا، نعم؛ لكن فجوةً كبيرة سترافقنا: فجوة رجلٍ رحل بعدما كتب وقال ما يكفي، وترك لنا عبء الإصغاء…

وهكذا، فحين بدأ عبد العزيز السريع حياته المسرحية، لم يكن مجرد اسمٍ جديدٍ في سياقٍ محلي ناشئٍ، وإنّما بدا منذ وقتٍ مبكرٍ شخصيةً استثنائيةً، سواء على مستوى المسرح في الكويت أو في فضائه الخليجي الأوسع. كان حضوره يحمل – منذ – البداية ما يوحي بأننا إزاء مشروعٍ يتشكل خارج الأطر السائدة، مشروعٍ لا يكتفي بتأسيس تقليدٍ محلي، وإنما ينفتح، بوعيٍ أو بحدسٍ مبكرٍ، على سؤالٍ أبعد: ما الذي يمكن أن يضيفه هذا المسرحي الجديد إلى التجربة العربية في مجملها؟ ومن هنا، لا يبدو التساؤل حول إسهام السريع في تطور المسرح العربي ترفًا لاحقًا، وإنما سؤالًا كامنًا في صلب تجربته منذ خطواتها الأولى.

لم يكن السريع ابن لحظةٍ عابرةٍ أو استجابةً ظرفيةً لمناخ ثقافي محدودٍ، وإنما كاتبًا يدرك أن المسرح لا يُبنى بالارتجال غير المحسوب، ولا بالحلول السهلة التي تستجيب لذائقةٍ آنيةٍ؛ وقد اتضح هذا الوعي المبكر في موقفه الصارم من نصه الباكر “الأسرة الضائعة” (1963)، حين أدخلت عليه تعديلاتٌ لم يقتنع بها، فاختار أن يرفض نسبته إليه. لم يكن ذلك موقفًا شخصيًا أو انفعالًا عابرًا، وإنما إعلانًا واضحًا عن احترامٍ عميقٍ للنص بوصفه كيانًا مكتوبًا، له سيادته وشرعيته، وعن قناعةٍ بأن المسرح يبدأ من الكتابة، لا من العبث بها، ذلك في سياقٍ مسرحي كان لا يزال يتسامح مع التصرف الحر بالنصوص، شكل هذا الموقف علامةً فارقةً، ودل على وعيٍ دراماتورجي متقدمٍ سبق زمنه.
ولما كان ما سبق، ينفرد السريع – ضمن جيل النهضة المسرحية في الكويت – بصفةٍ لافتةٍ تتمثل في إخلاصه شبه المطلق لفعل التأليف؛ فعلى الرغم من حضوره الإداري المؤثر، سواء من خلال دوره الأساسي في فرقة مسرح الخليج، أو عبر عمله اللاحق في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، فضلًا عن مشاركته الفاعلة في مختلف الأنشطة المسرحية التي شهدتها الكويت، ظل السريع – من الناحية الفنية – متمسكًا بالكتابة بوصفها خياره الجمالي الأول والأخير. لم يُغره الانتقال إلى الإخراج، ولم يستثمر موقعه المؤسسي لتوسيع حضوره الفني خارج النص، وإنما بقي وفيًا لفكرة أن المسرح، في جوهره، يبدأ من الكتابة، وأن المؤلف هو الحارس الأول لمعنى التجربة واستمراريتها.
ومع دخول السبعينيات، شهدت تجربة السريع تحولًا نوعيًا تمثل في خوضه تجربة التأليف المشترك مع صقر الرشود (1941 – 1978)، رفيق دربه وأوثق مرافقيه الإبداعيين، في مرحلةٍ يمكن عدها من أكثر مراحل المسرح الكويتي حيويةً وتجريبًا؛ أسفرت هذه الشراكة عن عددٍ من الأعمال التي مثلت منعطفًا في بنية الكتابة المسرحية، من بينها «1 2 3 4 بُوم» (1972)، و«شياطين ليلة الجمعة» (1973)، و«بحمدون المحطة» (1974). لم تكن هذه التجربة مجرد تقاسمٍ لاسم المؤلف، وإنما شكلت نموذجًا لتكاملٍ فني نادرٍ، تجاورت فيه البنية النصية مع الوعي بالفضاء المسرحي وحركته.
يتجلى في هذه الأعمال انسجامٌ واضحٌ بين النص وخشبة الرشود، الذي انطلق في السبعينيات بوصفه مسرحًا قائمًا على تفكيك الحكاية إلى لحظاتٍ متتابعةٍ، تُغنى بتشكيلاتٍ حركيةٍ محسوبةٍ، من دون أن تنفصل تمامًا عن المرجعية العاطفية للحكاية الكويتية. هذا التداخل بين العاطفي والبنائي، وبين اليومي والتجريبي، منح هذه المرحلة خصوصيتها، وجعل من الثنائي (السريع/الرشود) تجربةً متكاملةً، لا يمكن قراءة نصوصها بمعزلٍ عن شروط عرضها، ولا فصل بعدها الجمالي عن سياقها التاريخي.
بهذا المعنى، لا تبدو تجربة السريع – وأعني التأليف المشترك – استثناءً، وإنما امتدادًا لمنطقه في البحث عن صيغةٍ مسرحيةٍ قادرةٍ على ملامسة التحول، من دون التفريط في مركزية النص. وهي صيغةٌ ستظل، رغم قصر زمنها، من العلامات الدالة على قدرة المسرح الكويتي في تلك المرحلة على الانتقال من التأسيس إلى التجريب، ومن الفردي إلى الجماعي.
يتبدى النموذج المسرحي الذي قدمه السريع بوصفه نموذجًا تأسيسيًا كويتيًا خاصًا، لا يقوم على استنساخ تجارب عربيةٍ مركزيةٍ، ولا على محاكاةٍ مباشرةٍ للمسرح الاجتماعي السائد، وإنما على اختيارٍ واع لمجال اشتغالٍ بالغ الحساسية؛ في مرحلةٍ كان المسرح الكويتي يميل فيها إلى عنونة أعماله بعناوين ذات طابع مأثوري قريب من اللغة اليومية – من قبيل «حظها يكسر الصخر» أو «لو فات الفوت ما ينفع الصوت» – جاء السريع ليقتحم هذا الأفق السائد، مقترحًا صيغةً مغايرة في التسمية، تنزع نحو تكثيف الدلالة وبناء عنوانٍ أكثر ارتباطًا بالبنية الفكرية للنص المسرحي ورهاناته الجمالية فضاء الأسرة بقالب حداثي. فمنذ مسرحيته الأولى الأسرة الضائعة، بدا واضحًا أن العنوان نفسه ليس توصيفًا دراميًا عابرًا، وإنما علامةً على مسارٍ كاملٍ؛ إذ جعل السريع من سلوك الأسرة مختبرًا دراميًا تتكثف فيه أسئلة التحول، واختلاف الاستجابة للتغيير. ولم يكن هذا الاختيار محايدًا، وإنما كشف عن وعيٍ مبكرٍ بأن الأسرة هي النقطة التي يتقاطع عندها، اليومي مع القيمي، والخاص مع العام.
وليس فضاء الأسرة في ذاته ما يمنح تجربة السريع خصوصيتها، وإنما طريقة الاشتغال عليه؛ فحضور الأسرة بوصفها بنيةً دراميةً ملمحٌ شائعٌ في الأدب العالمي، كما في «الأشباح» للنرويجي هنريك إبسن، و«الإخوة كارامازوف» للروسي فيودور دوستويفسكي، و«الصخب والعنف» للأمريكي ويليام فوكنر، و«المسخ» للتشيكي فرانز كافكا، حيث تتحول الأسرة إلى ساحة مواجهةٍ مع التحول، والقدر، والتكرار، والعبث، والذاكرة الملعونة. غير أن الفرق الجوهري يكمن في أن الأدب الكويتي، في أغلب تجلياته، ظل حبيس المقاربة الاجتماعية الأسرية، من دون أن ينفذ عميقًا إلى أسئلة المعنى وحدود الاختيار والانكسار. وهنا، تبدو تجربة السريع محاولةً واعيةً لدفع الأسرة من كونها إطارًا اجتماعيًا إلى كونها سؤالًا فكريًا، حتى وإن لم تبلغ دائمًا المستوى الوجودي الكوني الذي بلغته تلك النماذج العالمية.
في عددٍ من نصوصه، يركز السريع على تشكيلاتٍ أُسريةٍ واضحةٍ: الأب والأم، الأبناء، الزوج والزوجة، والأقارب، وهو اختيارٌ لا يخلو من دلالةٍ دراماتورجيةٍ؛ فالأسرة عنده ليست ديكورًا اجتماعيًا، وإنما بنيةً صراعيةً، تتولد داخلها التوترات الفكرية، ويُعاد فيها إنتاج السلطة الجندرية، ويظهر من خلالها الخلل في منظومة القيم. ومع ذلك، يبقى هذا التوجه منسجمًا مع سياقٍ إبداعي واعٍ، لا ينزلق إلى التقريرية، وإنما يسعى إلى بناء صراعٍ درامي نابعٍ من اختلاف الرؤى، لا من تضاد سطحي في المواقف.
ويتعزز هذا المسار إذا نظرنا إلى مجمل منجزه المسرحي، الممتد من «الجوع» (1964)، و«عنده شهادة» (1965)، «لمن القرار الأخير» (1968)، وصولًا إلى «الدرجة الرابعة» (1971)، وأخيرًا وليس آخرًا «ضاع الديك» (1971)؛ إن مسرح السريع، لا يشتغل في جوهره، على الصراعٍ التقليدي ما بين الماضي والحاضر، وإنما بين التراث وأفق التحديث، وأعني ألا يتموضع من زاوية الحنين، وإنما من زاوية السؤال؛ وتتجلى هذه الرؤية بوضوحٍ في تناوله لقضايا مثل إعادة تشكيل الوعي، والصراع بين خطابين ثقافيين، والمقاومة الثقافية للحداثة، بما تتضمنه من تعطيل تطور المجتمع، وما يترتب على ذلك من اختلالٍ في توازن العلاقات داخل الأسرة نفسها. هنا، يصبح الصراع الأُسري تمثيلًا مكثفًا لصراعٍ فكري أشمل، تتخلق منه البنية الدرامية، لا بوصفها عرضًا اجتماعيا، وإنما بوصفها محاولةً لفهم لحظة تحولٍ لم تكتمل بعد.
بهذا المعنى، يمكن تفسير أن تجربة السريع قد قدمت نموذجًا كويتيًا مختلفًا في التأسيس المسرحي، نموذجًا لم يتحول إلى مرجعيةٍ نقديةٍ عربيةٍ معتمدةٍ، لا لقصورٍ في منجزه، وإنما لأن هذا النموذج ظل معلقًا بين قراءةٍ محليةٍ اختزلته في إطاره الاجتماعي، وغياب قراءةٍ عربيةٍ أوسع التقطت أبعاده الفكرية والجمالية.
وحين ننظر اليوم إلى موقع تجربة السريع داخل المشهد المسرحي العربي، تتبدى مسافةٌ صامتةٌ تفصل بين قيمة المنجز وحضوره في السردية العربية العامة. وهذه المسافة لا تعود إلى نقصٍ في التجربة، بقدر ما ترتبط بطبيعة تشكل الذاكرة المسرحية العربية نفسها، وبالطريقة التي جرى من خلالها تداول التجارب وتثبيتها داخل وعيٍ نقدي ارتبط، في أغلب مراحله، بمدنٍ بعينها شكلت ما عُرف لاحقًا بالمركزيات الثقافية. في تلك المركزيات، لم يكن المسرح فعلًا فنيًا فحسب، وإنّما جزءًا من شبكةٍ مؤسسيةٍ واسعةٍ، تضم الصحافة الثقافية، والجامعة، والمهرجانات، ودور النشر، وهو ما سمح للتجارب المنبثقة منها بأن تتحول إلى مرجعياتٍ قابلةٍ للتراكم والتمثيل. أما تجربة السريع، وقد تشكلت في سياقٍ مختلفٍ، فقد سارت على إيقاعٍ آخر، أكثر هدوءًا، وأقل انخراطًا في هذه الشبكات، من دون أن يعني ذلك عزلةً فكريةً أو فنيةً، بقدر ما يعكس اختلاف شروط التلقي والانتشار.
كما أن طبيعة مشروع السريع نفسها أسهمت في هذا الموقع الخاص؛ فهو لم يسع إلى بناء خطابٍ تنظيري موازٍ لمنجزه النصي، وإنما اختار الاشتغال الصامت على تفكيك التحول الاجتماعي من داخل اليومي والأُسري. ويُضاف إلى ذلك أن القراءة المحلية للتجربة ركزت، في الغالب، على بعدها الريادي داخل السياق الكويتي والخليجي، وهو توصيفٌ مشروعٌ في ذاته، لكنه بقي في كثيرٍ من الأحيان عند حدود التثبيت لا العبور. فلم تتحول نصوص السريع إلى مادةٍ مقارنةٍ عربيةٍ موسعةٍ، ولم تُدمَج، بالقدر الكافي، في نقاشاتٍ تتصل بتطور المسرح العربي في مجمله، وبعلاقته بالتحولات الجمالية العالمية.

الكاتب الراحل عبد العزيز السريع


ومع تغير ذائقة التلقي، وتراجع الاهتمام بمسرح النص والكلمة، باتت التجارب التي راهنت على العمق الفكري، وعلى البناء الدرامي الهادئ، أقل قدرةً على الانتشار، من دون أن يفقد ذلك شيئًا من قيمتها. وهنا، تتأكد الحاجة اليوم إلى قراءةٍ جديدةٍ لتجربة السريع، قراءةٍ لا تسعى إلى تعويض حضورٍ غائبٍ، بقدر ما تسعى إلى توسيع أفق السردية العربية نفسها، بحيث تصبح قادرةً على استيعاب تجارب تأسست في الهامش الجغرافي، لكنها اشتغلت في عمق السؤال المسرحي.
وعليه، يحضر السريع اليوم في السياق الأكاديمي حضورًا ملتبسًا، يتراوح بين التثبيت التاريخي والغياب التحليلي. ففي كثيرٍ من المناهج والدروس، تُدرس نصوصه بوصفها علاماتٍ مكتملةً من مرحلةٍ سابقةٍ، تُستدعى لتأكيد لحظة تأسيسٍ أو لتوثيق مسارٍ محلي، أكثر مما تُدرس بوصفها نصوصًا مفتوحةً على القراءة والتأويل؛ بهذا المعنى، يتحول النص المسرحي من مادةٍ حيةٍ قابلةٍ لإعادة الاشتغال، إلى وثيقةٍ أرشيفيةٍ تؤدي وظيفتها داخل السرد التاريخي، من دون أن تستنفر طاقتها الجمالية والفكرية الكامنة.
إن إعادة قراءة مسرح السريع أكاديميًا تقتضي نقله من منطق الشرح إلى منطق المساءلة، ومن التعامل معه كنص مُنجَزٍ إلى التعامل معه كنص يُفكر، ويقاوم الاستقرار النهائي في معنى واحدٍ؛ فبنيته الدرامية، القائمة على فضاء الصراع بين الأجيال، وعلى تباين الاستجابات للتحول الاجتماعي، تتيح إمكاناتٍ واسعةً للقراءة في ضوء مفاهيم معاصرةٍ مثل أفق التلقي، والبنية الخطابية، والتمثيل الرمزي، والوعي الزائف؛ وهي مفاهيم تسمح للنص بأن يُستعاد لا باعتباره شاهدًا على زمنه فقط، وإنما باعتباره محاورًا لزمننا الراهن أيضًا.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة إدماج تجربة السريع في قلب السردية العربية للمسرح، لا بوصفها استثناءً جغرافيا، ولا بوصفها تجربةً محليةً مكتفيةً بذاتها، وإنّما بوصفها مساهمةً فكريةً وجماليةً في مسار التحديث المسرحي العربي؛ هذا الإدماج لا يتحقق عبر الاحتفاء الخطابي، ولا عبر إعادة التصنيف، وإنما عبر فتح نصوصه على قراءاتٍ مقارنةٍ، ووضعها في حوارٍ حي مع تجارب عربيةٍ وعالميةٍ اشتغلت على الأسئلة نفسها، وإن اختلفت السياقات. عندها فقط، يمكن لمسرح السريع أن يستعيد حيويته، لا في الذاكرة وحدها، وإنما في الدرس الأكاديمي، وفي الوعي النقدي العربي، بوصفه نصًا ما زال قادرًا على إنتاج المعنى، وعلى مساءلة ما نظنه قد استقر.
ها نحن نبلغ نهاية القول، ولا نبلغ نهاية الحزن. كيف يهدأ هذا الثقل الذي يستقر في الصدر كلما حسبنا أن الكلام قد اكتمل؟ يمضون واحدًا بعد واحدٍ، لا بضجيج الرحيل، وإنما بصمتٍ يشبه انطفاء نورٍ كان يدلنا على الطريق؛ مبدعٌ جديدٌ مضى هذه المرة بعيدًا، تاركًا لنا فراغًا لا يملؤه التذكر وحده. نبقى نحن، محاطين بأسئلةٍ لم تجد جوابها بعد، مطالبين بأن نواصل السير، لا لأن الوجع انتهى، وإنما لأن التوقف خيانةٌ لما تركوه لنا من معنى.
سيأتي زمنٌ آخر، ربما، تتكشف فيه الغاية من كل هذا التعب، ويغدو ما كان ألمًا جزءًا من حكمةٍ متأخرةٍ؛ أما الآن، فلا خيار سوى إعادة الإصغاء إلى ما تبقى من صدى الأصوات التي غابت. فما زال في القلب متسعٌ لكلامٍ لم يُقل… وسنكتب… ليس وفاءً فحسب، وإنما لأن الكتابة، هي الشكل الأخير الممكن للحياة…


★ناقد وعميد المعهد العالي للفنون المسرحية الأسبق ـ الكويت.

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى