

علاء الجابر★
في مثل هذه الأيام من شهر ديسمبر، يمُرُّ ما يقارب القرن على ولادة مبدع كبير – تسعة وتسعون عاماً على وجه الدقة- وفي مثل هذه الأيام أيضاً، يصادف مرور أكثر من ستين عاماً على ميلاده كذلك، إنه الشاعر العراقي الذي لن يتكرر، بدر شاكر السيّاب.
لماذا أُحِبُّه؟
كنت أنوي الكتابة عن السيّاب بشكل مختلف في هذه المناسبة التي تلعب فيها الأرقام لعبتها، وتشاء إرادة الله أن تكون بهذا الشكل في الميلاد والوفاة (ولد السيّاب في 1926/12/24 وتوفي في 1964/12/25 )،
كنت أريدها كتابة تتناول إبداع هذا الرجل وتأثيره على أجيال عديدة وصولاً للجيل الحالي، وتلك كتابة نقدية وتحليلية – قد أعود لها يوماً ما – كوني أعشق هذا الشاعر؛ شخصاً ومنجزاً، فمنذ أن كنت طفلاً في المرحلة الاِبتدائية تولَّعتُ بقصائد السيّاب، لامستني كل مفرداتها، وكم ردَّدتُ “أنشودة المطر” و”غريب على الخليج” التي حفظتهما عن ظهر قلب، ومن ثَمَّ تعمَّقتُ في قراءة بقية القصائد التي سحرتني مثلِ “المومس العمياء” و”أم البروم” و”منزل الأقنان”، و”حفار القبور” وغيرها كثير.
تتضاعف قيمة السيّاب في وعيي وفكري، ويتعاظم فخري به، كونه ينتمي إلى “البصرة”، المدينة التي شهِدَتْ ميلادي، ومنها ينبع انتمائي، فأسرتْ ذاكرتي، وكتبتُ عنها في روايتي “هولندا لا تمطر رطباً” الصادرة في 2012.
تعمَّق تأثير السيّاب في نفسي حين قرأتُ أن ميلاده في “أبو الخصيب” تحديداً، واحة النخيل وجماره، المدينة الزاهية باللون الأخضر، مولد والدتي ووالدي وأعمامي، فباتت محبة ” السيّاب” في قلبي مغزولة بالحب والفخر.
لن أكون مثلها!
ذلك المقال النقدي الذي كنت أخطط له تلاشى في ظل حادثة تتعلق بالسيّاب حصلت قبل أيام قليلة، تمثَّلت في حوار تلفزيوني أجرته إحدى المحطات التلفزيونية مع السيدة “بلقيس شرارة” وهي بالمناسبة أديبة عراقية من مواليد 1933.
وقد وصفت شرارة السيّاب بـ “ضعف الشخصية”، ولا أدري من أين أتت بهذا التوصيف!؟ فكيف لضعيف شخصية أن يكون مناضلاً سياسياً يُسجن بسبب آرائه؟
لم تكتفِ السيدة شرارة بذلك، بل أضافت – دون أي داعٍ – مقارنة بين السيّاب وشخصيات أخرى، على مستوى الشخصية، دون أن يُطلب منها ذلك، ودون سبب حقيقي؛ حيث إن لكل من الشخصيات التي ذكرتها ظروفه المغايرة تماماً.
من جانب آخر، مؤلم، ركَّزت السيدة شرارة على الشكل، مع عدم أهميته، بل أعطت لنفسها الحق في التنمر على ملامحه، ثم حاولت أن تُصلح كل ما أفسدته بوصفه بـ “الشاعر العبقري”… معتقدة أنها ستمحي كل ما سبق من رزايا صَنَّفَتْ بها المبدع الكبير!

رُقي الآء السيّاب
في مقالي هذا، لا أريد أن أرُدَّ بشكل مباشر على الأستاذة شرارة التي لا أعرفها ولم أقرأ لها من قبل، وكل ما عرفته عن هذه العائلة الكريمة(عائلة شرارة) تَشَكَّلَ عبر كتاب قرأته قبل سنوات طويلة، لأختها “حياة شرارة” تحت عنوان “إذا الحياة أغسقت”، تتحدث فيه عن معاناتها في كل جوانب حياتها العملية، وما مرَّتْ به من ظروف صعبة ومريرة، بجانب معاناة أسرتها في تلك الحقبة، وقد تعاطفت معها كثيراً، خاصة وأنا أعلم بنهايتها المأسوية رحمة الله عليها، لذلك فإنني في مقالي هذا لن أتطرق لشخصية السيدة بلقيس شرارة، وبالتأكيد لن أتنمر كما فعلت هي مع السيّاب، كما لن أقلل من قيمة نتاجها كوني لم أقرأْ لها بعد، إنما أوَدُّ نقاشها بهدوء مثلما فعلت الكبيرة خُلقاً وأدباً السيدة آلاء بدر شاكر السيّاب، حينما ردَّت بكل ثقة واحترام، وبصورة راقية على من تتمرت على والدها، فأثبتت لنا بأن السيّاب لم يترك منجزاً عظيماً فحسب، بل ترك من ورائه أبناء يستحقون حمل اسمه الكبير .

أبي…لميعة …السبتي!
سأحاول هنا الرَدَّ على السيدة الفاضلة بلقيس شرارة من خلال الأحداث التي عاصرتُها وتعرَّفتُ عليها شخصياً من أشخاص عاصروا وشاهدوا، أو تعاملوا بشكل مباشر مع الشاعر الكبير بدر شاكر السيّاب منذ طفولته، وحتى آخر يوم من عمره القصير، فكيف رأوه؟

السيّاب في مرحلة الطفولة
كون والدي وعمتي رحمة الله عليهما، ووالدتي أطال الله في عمرها، وُلدوا جميعاً في “أبو الخصيب” بالبصرة، وكان لآبائهم مزارع (قيعان) مجاورة لمنطقة جيكور، أو على مقربة منها – في منطقة أبو الفلوس- حسب ذاكرتي، ومن حديث الوالد رحمة الله عليه، الذي يصغر السيّاب بسنوات قليلة، فقد سألته بشكل مباشر، عن شخصية السيّاب، وما لفت انتباهه فيه، كونه التقاه بعض المرات، فكان ردُهُّ دائماً يتعلق بهدوئه، وبساطته، ولم يُشر إطلاقاً لهيئته، بل أنني حين كنت أبحث عن إجابة مغايرة عما يمكن أن يُميز شاعراً عظيماً بحجمه على مستوى الهيئة، كان والدي يَرُدُّ على استفساراتي المُلحة، بإجابة حاسمة “بابا مثله مثل كل الناس”، مؤكداً أنه لا يوجد ما هو مختلف. بقي أمر واحد لم أجد له تفسيراً، يتعلق بحالة السيّاب المادية، والتي ذُكرت كثيراً على لسان مجايليه، والتي لا تتسق مع ما يمتلكه أبناء “أبو الخصيب” وعائلة السياب في تلك الفترة!

في مرحلة الشباب
أستشهد هنا بطرف آخر عاصر وعايش السيّاب، الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، فقد ربطتني بالمبدعة عمارة – رحمها الله – علاقة قوية بدأت قبل سنوات طويلة، سواء في الفترة التي كنت فيها وزوجتي في أمريكا، أو في اللقاءات المتكررة لي معها في الإمارات والكويت، بل إنني أفخر بإعدادي للحوار التلفزيوني الوحيد الذي أنتجه تلفزيون الكويت عنها، وعُرض في ديسمبر عام 2001، وقدَّمته الإعلامية الكويتية الكبيرة أمل عبد الله.
واتساقاً مع إعجابي الشديد بالسيّاب، فكثيراً ما تناقشتُ وعمارة حوله، ورغم التفاصيل الكثيرة التي روتها لي عنه، إلا أنها لم تأتِ ولو بحرف واحد عن هيئته أو شكله، وهذا يدُلُّ على أن الأمر لم يكن لافتاً بالشكل الذي أشارت له شرارة، ولو كان كذلك لذكَرَتْهُ الشاعرة لميعة عباس عمارة في حواراتي معها، وهي التي عُرف عنها الجرأة في الحديث والقدرة على التعبير عن وجهة نظرها أياً كانت، بل إن الأمر لم يشغل حيزاً من تفكيرها رغم أن الشخصيات المعروفة بجمالها، تهتم لهذا العنصر وتقيّمه، وجميعنا نعلم أنها رحمها الله كانت فائقة الجمال، وظلت جميلة إلى أن توفاها الله عز وجل، وهي في التسعينيات من عمرها..كان جُلُّ تركيزها على عظمة منجزه، ومصادر إلهامه في معظم قصائده.
حتى يوم وفاته
من الشخصيات التي ربطتني بهم علاقة إنسانية طيبة، اِستمرت لسنوات حتى رحيله، الشاعر الكويتي علي السبتي (أبو فراس)، وبالطبع لا يمكن أن تخلو حواراتي مع أبي فراس دون سؤاله عن السيّاب الذي ربطته بالسبتي علاقة صداقة وثيقة جداً، إبان فترة إقامة السيّاب في الكويت حتى وفاته في المستشفى الأميري؛ حيث كان السبتي يلازمه يوماً بيوم، إلى أن حمل نعشه في يوم ممطر، من الكويت ليتم دفنه في البصرة حيث رقدته الأخيرة رحمة الله عليه، وخلال الحوارات المتبادلة بيني وبين السبتي؛ كنا نتطَرَّق لكل ما ودِدتُ أن أعرفه عن السيّاب، لم يُشرِ السبتي أو يُرَكِّزْ على شكله أو هيئته، ولو كان ذلك ملفتاً للنظر كما ادعت شرارة، لَتطَرَّق له، خاصة وأنه ذكر لي الهزال الجسدي الذي وصل إليه السيّاب في أيامه الأخيرة حتى وفاته، والذي كان – حسب ما ذكر لي السبتي رحمه الله- إلى حد خشية المحيطين بالسيّاب، خاصة الهيئة التمريضية، من نقله عن الفراش، خوفاً على بنيته من أيديهم -كما ذكر لي بالحرف- ورحمة به من الألم الشديد الذي كان يكابده، عند حركة أي جزء من جسده المنهك ، وأذكر أن السبتي كان يتحدث بمرارة عن ندمه وحزنه من عدم جمع كل ما خَطَّهُ الراحل الكبير من قصائد، كُتبت على علب السجائر الفارغة، وأوراق الوصفات الطبية، والأوراق المرفقة بالتحاليل والأشعة، وبعض القصاصات الصغيرة، أثناء فترة إقامته بالمستشفى الأميري؛ حيث قامت إحدى الممرضات بالتخلُّص منها ساعة وفاته، دون أن تعي – بالتأكيد – القيمة الأدبية والإبداعية لهذا المريض القابع في مستشفاها، وقيمة ماتضَمَّنَته تلك الأوراق من ثروة أدبية، لو تم الاحتفاظ بها.
ليتها ما تكلمت!
كنت أتمنى من السيدة بلقيس شرارة، وهي تقريباً آخر من بقي من ذلك الجيل الجميل، الذي رسمه رواد الإبداع وعمالقته، أن تنأى بنفسها عن هذا النوع من الحوار، لأنه لا يرقي لمستوى الإنسان المثقف، فإذا كان الأدباء والمثقفون يتناولون الشكل والملامح، فما الذي تركناه لعامة الناس؟ أولئك الذين بات معظمهم يغرق في عوالم ملوثة تقودها فاشينيستات مهووسات بالوجوه المحنطة!
كنت أُمَنِّي النفس أن تُرَكِّز شرارة ـ كونها معاصرة للسيّاب و مجايليه – على جوانب أدبية أو إبداعية مهمة في حياتهم، وإن كان ولا بد من الدخول في التفاصيل الخاصة أو الشخصية، أن يكون ذلك التناول من قبيل المعرفة بتفاصيل مؤثرة أو جوانب إنسانية، أو مشاهد لم نكن نعرفها من قبل، دون التطَرُّق للجانب الشكلي والمظهر الجسماني الذي لا قيمة له في جميع الأحوال، فالأجساد زائلة، وما يبقى من الإنسان ذكره ومنجزه وعمله وهذا ما تركه السياب الكبير لنا.
علامة فارقة
سيظل “بدر شاكر السيّاب” ساكن في قلوبنا وعقولنا، نُكِنُّ له الحب والتقدير والتوقير، ونفتخر بأنه ابن بصرتنا الذي استطاع أن ينقل قرية صغيرة مثل(جيكور) لتصبح إحدى علامات الجودة الإبداعية، التي أنتجت قامة عربية رائعة مثله، لن تتكرر رغم كل السنوات التي مرَّت على رحيله، ولتعلم السيدة شرارة أن كل ما يمكن أن يقال لنا لنغير نظرتنا أو نهدم تلك الأسطورة الشعرية التي نعتز ونفخر بها سيذهب مثل (كناسة الدكان) على رأي الأديب المصري الكبير يحيى حقي.
ونختم القول ردَّاً على السيدة الكريمة بلقيس شرارة بما قاله الإمام الشافعي رحمة الله عليه :
وعين الرضا عن كل عيب كليلةٌ
ولكن عين السُخط تُبدي المساويا
★ رئيس التحرير.




